مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 25 | أ.د علي جمعة
- •تحدث الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين عن فضل علماء الباطن وأرباب القلوب وكيف كان علماء الظاهر يجلونهم.
- •كان الإمام الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي ويسأله، وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي.
- •أشار النبي ﷺ في حديث رواه الطبراني إلى سؤال الصالحين، وقيل: علماء الظاهر زينة الأرض، وعلماء الباطن زينة السماء.
- •أكد الجنيد أن من حصّل العلم ثم تصوف أفلح، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه.
- •ينبغي احترام علماء الظاهر وتوجيه النصح لهم بالالتفات إلى الآخرة، كما كان المتقدمون والمتأخرون من علماء الأزهر.
- •سئل شيبان عن زكاة الغنم فقال: "عندنا أم عندكم؟" فلما قيل له: "عندكم"، قال: "المال كله لله".
- •المال كله لله، لكن الشرع فرض إخراج نسبة معينة (2.5%) كزكاة واجبة.
- •لو أخرج الناس زكاة أموالهم لتغير حال الفقراء في المجتمع.
مقدمة كتاب إحياء علوم الدين وإقرار علماء الظاهر بفضل علماء الباطن
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
وفي كتاب العلم يقول رضي الله تعالى عنه: وقد كان أهل الورع من علماء الظاهر مُقِرِّين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب. كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب، ويسأله: كيف يفعل كذا وكذا؟
فيُقال له: مثلك يسأل هذا البدوي؟ فيقول: إن هذا [شيبان] وُفِّق لما أغفلناه.
ذهاب أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى معروف الكرخي وحديث سؤال الصالحين
وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه ويحيى بن معين يختلفان [أي يترددان] إلى معروف الكرخي، ولم يكن [معروف] في علم الظاهر بمنزلتهما، وكانا يسألانه.
وكيف [لا يسألانه] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قيل له: كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب ولا سنة؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «سلوا الصالحين واجعلوه شورى بينكم» رواه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه عبد الله بن كيسان ضعَّفه الجمهور.
ولذلك قيل: علماء الظاهر زينة الأرض والمُلك، وعلماء الباطن زينة السماء والملكوت.
وصية السري للجنيد بالجمع بين علم الحديث والتصوف
وقال الجنيد رحمه الله: قال لي السري شيخي يومًا: إذا قمت من عندي فمن تجالس؟ قلتُ: المحاسبي. فقال: نعم، خذ من علمه وأدبه، ودع عنك تشقيقه الكلام ورده على المتكلمين.
ثم لما وليت [أي انصرفت] سمعته يقول: جعلك الله صاحب حديث صوفيًا، ولا جعلك صوفيًا صاحب حديث.
أشار [السري] إلى أن من حصّل الحديث والعلم ثم تصوف أفلح، ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه.
برنامج الإمام الغزالي في التخلية والتحلية واحترام علماء الظاهر والباطن
هنا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يرسم لنا برنامج المعاملة مع الله في قضية التخلية ثم التحلية.
أول ذلك ألا يبقى في قلبك شيء [من الاحتقار] لعلماء الظاهر، بل لا بد عليك أن تحترم هذا العلم. أداء النصيحة لهم بأن يلتفتوا إلى الآخرة لا يستوجب منك احتقارهم، بل لا بد عليك أن تحترم الفقه الظاهر وأن تحترم أيضًا المعاملة [مع الله].
وتوجِّه النصح لأهل الفقه بأن يتواضعوا وأن يعلموا حال أهل علوم الآخرة. وهكذا كان الأولون، بل وهكذا كان المتأخرون.
علماء الأزهر الشريف كانوا يجمعون بين المذهب الفقهي والطريقة الصوفية
فكان كل علماء الأزهر الشريف يقرّون بذلك [بفضل علماء الباطن] ولا يخرجون عنه، فشاع فيهم الأدب.
ورأيت أحدهم وهو يقول: الشافعي مذهبًا، الخلوتي طريقةً. وهكذا، يعني هو له مذهب [فقهي] وله طريقة [صوفية]. من خمسمائة سنة ليس هناك عالم في الأزهر ليس له طريقة.
إلى أن نبتت تلك النابتة [التي أنكرت التصوف]، شتتت الأمور وجعلتها مشوشة، وجعلت الأمر وكأنه فيه قولان وهو قول واحد تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقل إلى الرفيق الأعلى به.
الرد على من أنكر استخدام عبارة انتقل إلى الرفيق الأعلى في حق النبي
ومن المضحكات أن نابتة من هذه النوابت رآني دائمًا أقول: «عندما انتقل [النبي صلى الله عليه وسلم] إلى الرفيق الأعلى»، ولم أقل: «مات النبي». قال: هذا صوفي يعتقد أن النبي حي!
فرددنا عليه أنه حي في قلوبنا وفي قلب كل مسلم وفي قلب كل مؤمن. موتوا بغيظكم، سيُهزم الجمع ويولون الدبر.
والنبي صلى الله عليه وسلم - والكلام للجاهل نقول له - أنه عندما حان وقت فراق روحه الشريفة وصعودها إلى بارئها، قال: «إلى الرفيق الأعلى، إلى الرفيق الأعلى» مرتين، وفاضت روحه صلى الله عليه وسلم.
أولًا نقول إنه التحق بالرفيق الأعلى، أم أن حقد قلوبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن نكرر: «مات رسول الله»؟ أعوذ بالله من هذه النابتة ومن قلوبهم ومما يستدرجهم الشيطان إليه. حسبنا الله ونعم الوكيل.
حب النبي ركن الإيمان وتعظيمه كما كان أبو بكر الصديق يفعل
نعم، نحن نحب رسول الله؛ لأن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ركن الإيمان، ولا إيمان بغير حب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم، نحن نعظم رسول الله تعظيمًا يظهر شعور أبي بكر وهو يتقدمه خيفة أن يأتيه شيء من أمامه، ثم يخطر في باله أن قد يأتيه الشيء من خلفه فيذهب من خلفه، ثم يذهب عن يمينه وعن يساره في الهجرة المباركة.
شعور الأم على ابنها، هذا الشعور هو الذي جعل أبا بكر صديقًا. حب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن للأسف الشديد أن هذه النابتة استُدرجت حتى ضلت الطريق، ولم تعرف معنى الحب ولا معنى الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
التمسك بالقرآن والسنة والرد على النابتة التي تنكر تعظيم النبي
سيغنينا الله من فضله ورسوله. «شرك» هذا عندهم! الآية ستكون «شرك» [عندهم]!
سنتمسك بالقرآن وسنتمسك بالسنة، ولا علينا من هذه النابتة؛ فإنها ستزول إلى داهية، أو يهديها الله سبحانه وتعالى فتعود خير عودة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشافعي وأحمد بن حنبل كانا يذهبان إلى أهل الله كشيبان الراعي
كان العلماء كالشافعي إمام الأئمة وأحمد بن حنبل إمام الأئمة، كانوا يذهبون إلى أهل الله.
فكان الشافعي يذهب إلى شيبان الراعي، وشيبان ترك الدنيا وما فيها وجلس في البادية يرعى الغنم. لكن الله سبحانه وتعالى - وعلى حد قوله:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
قد فتح قلبه [قلب شيبان] للأنوار وكشف الأسرار ومعرفة المعاملة مع الله سبحانه وتعالى.
الفرق بين شيبان الراعي صاحب القلب والشافعي صاحب العلم الظاهر
وبما ورد في هذا الشأن، حتى نعلم ما الحاصل ومن هم هؤلاء [أهل الله]: رجل قلبه معلق بالله وليس عالمًا [بالعلم الظاهر].
الشافعي هو العالم، هو المجتهد، حفظ القرآن، تعلم العربية، حفظ الحديث، ثم إن عقله كان يعمل بالليل والنهار في حل المعضلات وفي ربط المعلومات. هذا هو العالم، عالم الفقه الذي بقي فقهه حتى يومنا هذا.
حتى قال قائلهم: أنا شافعي ما حييت، فإن متُّ فوصيتي للناس أن يتشفعوا [أي يتبعوا مذهب الشافعي]، من شدة علمه وورعه وتقواه. هذا هو العالم.
شيبان الراعي كان منعزلاً مفتوحاً عليه والأدب أوسع من الأحكام الشرعية
أما شيبان فلا يسمع به أحد منا الآن؛ لأنه في الحقيقة كان منعزلًا، وكان مفتوحًا عليه [بالعلم اللدني]، منفوحًا، عنده أدب مع الله سبحانه وتعالى.
والأدب هو زيادة على الأحكام الشرعية؛ هو يحيط بها. دائرة الأحكام الشرعية هكذا، فالأدب هكذا [أوسع منها]. فالأدب أوسع من الأحكام الشرعية.
سؤال الزكاة بين الشافعي وشيبان والفرق بين حكم الشرع وأدب المعاملة
فجاء رجل وسأل سؤالًا: كم الزكاة؟ زكاة الغنم. وقيل إن شيبان هو الذي سأل الشافعي، وقيل إن الشافعي هو الذي سأل شيبان.
إذن العبرة ليست بالقصة وإنما العبرة بمعناها وحكمتها. شيبان الذي سأل، الشافعي الذي سأل، واحد سأل، ليس ضروريًا ما الذي حدث.
قال: كم الزكاة في الغنم؟ فنظر الشافعي لشيبان: ها، أجب. قال [شيبان]: عندنا أم عندكم؟
قال له [الشافعي]: يعني عندنا [أهل الفقه] هي فيها خلاف معروف؛ عندما تبلغ الغنم إلى أربعين غنمة نُخرج غنمًا... الحديث هكذا، والشرع هكذا، والحكم هكذا، والصحيح هكذا.
جواب شيبان الراعي بأن المال كله لله وبيان مقام أهل المعاملة في الزكاة
فقال [الشافعي]: قال له: أنت لديك أربعون غنمًا، كيف تُخرج زكاتها؟ قال له [شيبان]: أعندنا أم عندكم؟ قال له: حسنًا، عندكم [أهل المعاملة مع الله].
قال: كل هذا ملك الله. يعني الأربعون ملك الله، يعني يُخرجون كلهم!
طيب، وبعد ذلك؟ إن هذا لا يطيقه أحد، لا يطيقه الناس. أنا آتي وأقول لهم بصعوبة: هاتوا اثنين ونصف في المائة، واحد على أربعين، اثنين ونصف في المائة، ولا يريدون أن يدفعوا!
لو أُخرجت أموال الزكاة في مصر لما بقي فيها فقير واحد
مصر يا جماعة فيها ما يقرب من عشرة مليارات جنيه مصري [من أموال الزكاة المستحقة]، والذي نجمعه من زكاة الناس لم يكمل المليار بعد!
تخيل أننا لو استطعنا إخراج أموال الزكاة التي هي ملك الله وملك الفقراء، والله لا يوجد في مصر فقير! تُنفق عشرة مليارات كل سنة، أعطني خمسة [مليارات] وأنا سأغير لك وجه مصر.
معنى إخراج المال كله لله عند أهل المعاملة وقصة أبي بكر الصديق
إذا كم لديك من الزكاة؟ قال: عندنا أم عندكم؟ قال: لا، بل عندكم. قال له: المال كله لله.
وهذا معناه أن أحدًا إذا طُلب منه شيء أعطاه فورًا، يوجد فقير؟ يذهب [الفقر]. حسنًا، أنت هكذا لم تُخرج [الزكاة فقط بل أخرجت كل المال]! قال له أحدهم: أنا أخرجت الأربعين.
وهكذا كان أبو بكر [الصديق رضي الله عنه]، فقد أخرج ماله كله وصرف في الإسلام ثمانين قنطار ذهب، حتى أن السيدة عائشة (أبوها عنده ثمانين قنطار ذهب، يعني عدة مليارات) كانت بنت أناس أغنياء.
قصة السيدة عائشة والسيدة فاطمة وفضل النبي على أبي بكر
السيدة فاطمة جالسة ويحدث بين البنات هكذا [حديث]، فقالت لها [السيدة عائشة]: إن أبي أنفق في الإسلام ثمانين قنطارًا من الذهب.
السيدة فاطمة من أزكياء العالم عليها السلام فبكت؛ إذ عرفت أنها [عائشة] كأنها تتفاخر عليها. فلما جاء النبي [صلى الله عليه وسلم] ووجد أثر الدموع في عيني فاطمة، قال: ما بكِ؟
قالت: تقول [عائشة] إن أباها أنفق في الإسلام ثمانين قنطارًا من الذهب.
قال: يا عائشة، والله إن فضلي عليكِ وعلى أبيكِ أعلى من فضل أبي زرع على أم زرع.
حديث أم زرع وذكاء السيدة عائشة في تحويل الموضوع
وأرادت عائشة أن تخرج من الموقف فقالت: وما أبو زرع وما أم زرع يا رسول الله؟ تريد أن تجعله يتحدث في موضوع آخر.
فقال [صلى الله عليه وسلم]: اجتمعت إحدى عشرة امرأة في الجاهلية وتعاهدن ألا يخفين من أخبار أزواجهن شيئًا، فالأولى قالت وصف كذا، وفلان... أزواجهم، في حديث طويل شرحه الشرّاح مرات.
وهو حديث أم زرع الموجود في صحيح البخاري، وليس في مسند أحمد. وهذه فائدة يغفل عنها بعضهم؛ فهو في البخاري لكنه ليس في مسند أحمد. كل ما في البخاري موجود في مسند أحمد، ولكن ليس كل ما في مسند أحمد موجود في البخاري، إلا حديث أم زرع.
خلاصة حال أهل المعاملة مع أهل الظاهر وفضل رسول الله يفوق كل شيء
وأحيانًا يُسمى حديث أبي زرع، وهو الحديث الذي علّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في آداب الزوجية والأسرة وما إلى ذلك.
الحاصل أن فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفوق هذه المليارات وغيرها؛ فهناك من يخرج من ماله، وهناك من يخرج من نصفه.
عندنا أم عندكم؟ قال: بل عندكم. قال: كل المال لله. وطبعًا معروف أنه عندنا [أهل الفقه] اثنان ونصف في المائة هي الزكاة.
إذن هذا حال أهل المعاملة مع أهل الظاهر.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
