مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 30 | أ.د علي جمعة
- •ذكر الإمام الغزالي أن الأئمة المجتهدين المتبوعين بلغوا نحو تسعين، لكن أكثرها اندثرت لعدم وجود من يخدمها ويحفظها.
- •اشتهر من المذاهب الفقهية مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والزيدية والجعفرية، بينما اندثرت مذاهب الليث بن سعد والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم.
- •كان الشافعي شديد التوقير لله، فلم يحلف بالله صادقاً ولا كاذباً قط، وكان يتأنى في الإجابة عن المسائل.
- •نصح الشافعي بتنزيه الأسماع عن الخنا كما تُنزه الألسنة عنه، لأن المستمع شريك القائل.
- •سبيل النجاة من سماع المنكرات المنتشرة في المجتمع هو ذكر الله الكثير الذي يحصن القلب.
- •تميز الشافعي بزهده في الدنيا، فقال: "من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب".
- •كان الشافعي كريماً، يفرق الأموال ويعطي العطايا الكبيرة، فأعطى من رفع صوته خمسين ديناراً.
مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين في باب العلم
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين، وفي كتاب العلم في أوله، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
عدد الأئمة المجتهدين المتبوعين واندثار كثير من المذاهب الفقهية
عن أحوال الأئمة المجتهدين المتبوعين، وقد عدّهم [الإمام الغزالي] خمسة، وهم في الحقيقة أكثر من ذلك؛ فالذين تصدّروا للمذاهب واتّبعهم الناس نحو تسعين فقيهًا، بعضهم في جيل الصحابة، وبعضهم من التابعين، وبعضهم من تابعي التابعين.
إلا أن كثيرًا من هذه المذاهب اندثرت وفَنِيَت؛ لأنها لم تجد رجالًا يقومون بخدمتها. ولذلك كان الإمام الشافعي يقول في حق الليث بن سعد: «كان أعلم من مالك، إلا أن أصحابه أضاعوه».
الليث بن سعد فقيه مصر الذي لم يجد من يحمل مذهبه للآفاق
الليث بن سعد كان فقيهًا مصريًّا، وكان أعلم من مالك، لكنه لم يجد طلبةً يحملون مدرسته ويحملون مذهبه ويبلّغونه للآفاق.
نجد آراء الليث بن سعد منثورةً في الكتب موجودة، ولكن هذه الآراء لم تُجمع في صورة مذهب يُخدَم، وتُوضع له القواعد، وتُوضع له الأصول والمداخل، وتُوضع له المصطلحات، وتُؤلَّف فيه الكتب كما حدث مع مذاهب أخرى.
أمثلة على المذاهب الفقهية المندثرة كالأوزاعي والثوري وغيرهم
هناك مذهب الأوزاعي مثلًا، ظلّوا يقلّدون مذهب الأوزاعي حتى القرن الرابع والخامس الهجري. وهناك مذهب مثلًا الحمّادَيْن والسفيانيَّيْن، وهو هنا النصّ على سفيان الثوري، ولكن سفيان بن عيينة أيضًا كان له مذهب.
وهناك مذهب الحسن البصري وغير ذلك كثير. إذا عددتَهم وصلتَ بهم إلى نحو خمسة وثمانين أو تسعين مجتهدًا، لكن حتى سفيان الثوري الذي أشار إليه الشيخ [الغزالي] أيضًا لم يجد من يُكمل المسيرة.
المذاهب الفقهية المتبعة التي وصلت إلينا وأهمية كتابي المغني والمحلى
والذي وصل إلينا الآن من المذاهب المتّبعة هو: مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم مالك، ثم الشافعي، ثم أحمد بن حنبل، ثم الزيدية وهم في اليمن، ثم الجعفرية وهم في إيران والعراق والهند وهكذا، وابن حزم الظاهري أو داود بن علي الأصبهاني وكلاهما واحد [أي ينتميان إلى المذهب الظاهري]؛ لأن المحلّى وصل إلينا، لكن بعض الناس أفرادًا قليلة يعتمدونه.
حتى قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى: إن من عنده المغني لابن قدامة والمحلّى لابن حزم فإن ذلك يكفيه في الفقه الإسلامي. ومن هذه المقولة طُبع المغني وطُبع المحلّى، من مقولة الشيخ رشيد رضا الذي أرشد إلى هذه القضية، رحم الله الجميع.
ولكن العلماء يقولون: لا يُغني كتابٌ عن كتاب، يعني ما من كتاب تقرؤه إلا وتجد فيه فائدة، وهكذا.
تعظيم الإمام الشافعي لله تعالى وعدم حلفه بالله صادقًا ولا كاذبًا
اقرأ يا شيخ محمد في أحوال المجتهدين العظام. نعم.
[الشيخ محمد وسام]: وقال الشافعي رحمه الله: «ما حلفتُ بالله تعالى لا صادقًا ولا كاذبًا قطّ».
[الشيخ]: فانظر إلى حُرمته وتوقيره لله تعالى، ودلالة ذلك على علمه بجلال الله سبحانه.
تأني الإمام الشافعي في الإجابة وتفكره قبل الكلام
وسُئل الشافعي رضي الله عنه عن مسألة فسكت، فقيل له: ألا تُجيب رحمك الله؟
فقال: «حتى أدري الفضلُ في سكوتي أو في جوابي».
[الشيخ]: أي أنه يتفكّر: أيتكلّم أم لا يتكلّم؟ فكان يقول: الكلمة أنت تملكها حتى تنطق بها، فإنها تملكك. نعم.
مراقبة الإمام الشافعي للسانه وعدم كلامه إلا لنيل الفضل والثواب
[الشيخ محمد وسام]: فانظر في مراقبته للسانه، مع أنه أشدّ الأعضاء تسلّطًا على الفقهاء وأعصاها عن الضبط والقهر. وبه يستبين أنه كان لا يتكلّم ولا يسكت إلا لنيل الفضل وطلب الثواب.
وقال أحمد بن يحيى بن الوزير: خرج الشافعي رحمه الله تعالى يومًا من سوق القناديل فتبعناه، فإذا رجلٌ يسفّه على رجل من أهل العلم، فالتفت الشافعي إلينا وقال:
«نزّهوا أسماعكم عن استماع الخَنا كما تنزّهون ألسنتكم عن النطق به؛ فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في إنائه فيحرص أن يُفرغه في أوعيتكم، ولو رُدّت كلمة السفيه لسَعِد رادّها كما شقي بها قائلها».
تأثير الاستماع إلى الغيبة والنميمة في تهوين المنكر على القلب
[الشيخ]: وهنا كان ينبّهنا مشايخنا رحمهم الله تعالى، قبل أن ينفرط العقد وينهار الحال الذي نحن فيه، إذ أن الاستماع إلى الغيبة والنميمة والكذب والبهتان والضجيج واللغو يؤثّر تأثيرًا قويًّا في القلب.
وأنّ من تأثيره أن يهوّن المنكرَ علينا، أي نرى المنكر لا شيء فيه، ما هو عادي! وقد كان هؤلاء الناس [السلف الصالح] لم يستمعوا [إلى مثل هذا].
الموازنة بين الانعزال عن المجتمع والصبر على أذى الناس وذكر الله كمخرج
وأصبحنا الآن بين ضرورات: فإذا انعزلنا بالكلية عن المجتمع فهذا غياب للدماغ وهروب من مواطن المسؤولية، وإذا بقينا وصبرنا على أذية الناس وغيبتهم ونميمتهم وبهتانهم وكذا إلى آخره، فإن هذا يؤثّر في القلب.
والمخرج من هذا هو ذكر الله. الذكر هو واجب الوقت:
﴿ٱذْكُرُوا ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]
لأن الذكر لا يحتاج إلى مؤونة ولا يحتاج إلى وقت.
حديث سبحة الحديث وفضل ذكر الله في الخلوة والجلوة
والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«وأفضل الأعمال عند الله سُبحة الحديث، قالوا: وما سُبحة الحديث يا رسول الله؟ قال: الناس القوم يتكلّمون والرجل يسبّح».
أي أنه جالس هكذا، خلوته في جلوته، أي أنه جالس مع الناس وفي الاجتماعات وفي ذلك إلى آخره، ويسير عاديًّا وهذا يعمل جالسًا يذكر الله.
فلو تدرّب الإنسان على هذا فإن نور الذكر يحمي من طمس الخَنا.
الفرق بين غض البصر عن فرد وبين انتشار المنكر في المجتمع كله
فالإمام الشافعي كان يستطيع بسهولة [أن ينزّه سمعه]؛ لأن هذا واحد في السوق يسبّ الآخر. ولكن عندما كلّ المجتمع يسبّ، فعن أيّ شيء ستغضّ سمعك؟
فعندما تكون هناك امرأة متبرّجة فيستطيع أن يغضّ بصره عنها، ولكن عندما تتبرّج جميع النساء، فعن أيّ شيء سيغضّ بصره؟ سيسير كما يسير المجنون.
لذلك لمّا دخل جعفر الصادق ما وراء النهر ووجد النساء سافرات وقد خلعن الحجاب، وقيل له في ذلك: ماذا نفعل؟ قال: سقطت حرمة النظر إليهنّ، أي أنهنّ أسقطن ذلك [بتفريطهنّ في الحجاب].
فتوى جعفر الصادق في سقوط حرمة النظر وتجاوز المسلمين للمنكر المنتشر
الله جعل ذلك [الحجاب] لكي يجعل لها حرمة، يجعل لها قيمة. هي تنازلت عن حرمتها وجعلت أيّ واحد يراها، فماذا سنفعل؟ انتهى الأمر، تجاهلها إذن، أي اتركها واسلك طريقك.
وقد كان وفعل هذا المسلمون في كل البلدان، في أفريقيا وفي إندونيسيا وفي غيرها. كلّما دخلوا بلدًا ووجدوا هذا الحال تجاوزوه، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهكذا إلى آخره، لكن لم يعد هذا [المنكر المنتشر] له معنى فتجاوزوه.
ذكر الله تحصين للقلب من مساوئ الحال عند انتشار المعصية
وبقدر الإمكان يفعل الإنسان ما أُمر به، ويذكر الله ذكرًا كثيرًا، فيجد حلاوة ذلك في قلبه، ويقوم ذكر الله بتحصينه من مساوئ الذنب أو مساوئ الحال.
لأنه حتى لا يوجد ذنب [على الإنسان نفسه]، ولكن هو في حال، أي أن هناك معصية مع عدم القدرة على مقاومة هذه المعصية لانتشارها في الأرض وإطباق الكافّة عليها. فذكر الله هو المخرج من هذا كله. نعم.
وصية الإمام الشافعي بعدم تدنيس العلم بظلمة الذنوب
[الشيخ محمد وسام]: وقال الشافعي رضي الله عنه: كتب حكيمٌ إلى حكيم:
«قد أُوتيتَ علمًا، فلا تدنّس علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم».
زهد الإمام الشافعي واستحالة الجمع بين حب الدنيا وحب الله في القلب
وأما زهده رضي الله عنه، فقد قال الشافعي رحمه الله:
«من ادّعى أنه جمع بين حبّ الدنيا وحبّ خالقها في قلبه فقد كذب».
[الشيخ]: ومن هنا كان دعاء الصالحين: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.
كرم الإمام الشافعي وتوزيعه عشرة آلاف درهم على الناس في مكة
[الشيخ محمد وسام]: وقال الحميدي: خرج الشافعي رحمه الله إلى اليمن مع بعض الولاة، فانصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم، فضُرب له خِباءٌ في موضع خارج من مكة، فكان الناس يأتونه، فما بَرِح من موضعه ذلك حتى فرّقها كلّها.
وخرج من الحمّام مرة فأعطى الحمّاميّ مالًا كثيرًا. وسقط سوطه من يده مرة، فرفعه إنسانٌ إليه، فأعطاه جزاءً عليه خمسين دينارًا.
تقدير قيمة الخمسين دينارًا التي أعطاها الشافعي بأسعار اليوم
يعني الدينار كان أربعة جرامات وربعًا، ومعنى ذلك أنه تقريبًا نصف جنيه ذهب، يعني في حدود ألف جنيه الآن. فخمسون دينارًا يعني خمسون ألف جنيه بأسعار اليوم.
هذه فكان البنك المركزي عندنا سيعمل وراء بخمسمائة [جنيه]، فإذا كان الباكو (أي الألف جنيه) سيبقى باكو بخمسين ألف جنيه، بهم الخمسون دينارًا.
فتخيّل أنه وضع يديه هكذا فوجد الخمسمائة هؤلاء باكو خمسمائة، فذهب وأعطاهم للرجل. هذا إنفاق [عظيم]!
زهد الشافعي في الدنيا ورفع الخط الفاصل بين الدنيا والآخرة عنده
يعني الخط الفاصل بين الدنيا والآخرة كأنه رُفع، أي أنه لا يلتفت إلى الدنيا، ولا الخمسون ألف جنيه ماذا تشتري من السلع؟
هو في موقف أنّ معه الآن كيسًا به نقود، فأعطاه للرجل الذي ناوله السوط حتى لا تكون عليه مِنّة.
وطبعًا هذا الكلام لا تتقبّله النفوس تقبّلًا واحدًا؛ بعضهم يعتبر أن هذا غباء وما إلى ذلك، وبعضهم يرى أن هذا تقوى. ولكن الأمر أن هذا حال مع الله، حال مع الله لا يعرفه إلا من جرّبه. فهو لا يقول لك: اعمل هكذا، هو يقول لك: الرجل هذا كان زاهدًا وكان يفعل كذا وكذا.
قصة الشيخ أحمد بن الصديق وكرمه الذي لا يرد سائلًا أبدًا
مما رُوي عن الشيخ أحمد بن الصديق رحمه الله تعالى، وهو شيخ مشايخنا، أنه كان لا يردّ سائلًا أبدًا، أي أحدٌ يسأله يعطيه.
فسأله سائلٌ، فوضع يده في جيبه فخرجت مائة جنيه. كان حينذاك المائة جنيه هذه قديمًا، قبل أن تُلغى وبعدئذ ترجع ثانية، مائة جنيه هذه كانت تشتري بيتًا مكوّنًا من ثلاثة طوابق هكذا.
فأعطاها ولم ترجع يده، على الفور أعطاها للسائل.
قصة السمسار الذي استنكر كرم الشيخ أحمد بن الصديق مع السائل
وكانت هذه المرة الثالثة التي لاحظ [فيها ذلك]. هكذا أحد السماسرة جالسًا فرأى المائة جنيه، فاقترب من المائة جنيه وعرف أنها مائة جنيه.
وذهب وقال للناس: تصوّروا أن الشيخ دفع مائة جنيه لهذا الرجل! وأنا سأضربه - يقصد الشخص الآخذ - أي أنه استخسر فيه المائة جنيه.
وفي ذلك كرمه هكذا، أو وضعه هكذا، أو حاله مع الله هكذا.
قصة الشيخ أحمد بن الصديق مع السائل العاق لأمه وجمعه بين الكرم والإنكار
وبعد ذلك مرة أخرى جاء سائلٌ وسأل، فأخرج [الشيخ أحمد بن الصديق] الذي في جيبه ورماه على الأرض وقال له: خذه واغرب عن وجهي!
فالجلوس سألوه، قالوا له: لا يصحّ ذلك، لماذا تعامله هكذا وأنت معروف عنك الكرم؟ فلماذا تُلقي له النقود على الأرض؟ قال: رأيته يضرب أمّه! هذا السائل رآه أمس وهو يضرب أمّه.
فهذا عقاب للاعتداء على الأم، ولكنه لم يمنعه، أي لم يستطع أن يمنعه [من العطاء]؛ هذا حاله مع الله هكذا، هو لا يستطيع أن يردّ سائلًا كما ورد في السنة، لكن غضب عليه لأمر شرعي آخر، وهو أنه اعتدى - والعياذ بالله تعالى - على أمّه التي أمره الله ألّا يقول لها أفّ:
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]
لا، بل ضربها! يعني هذه من الكبائر العظام، عقوق الوالدين، بل أشدّ من عقوق الوالدين.
الجمع بين الكرم والإنكار دليل على أن الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم
وبالرغم من ذلك فقد جمع [الشيخ أحمد بن الصديق] بين الأمرين، اجتهاده هكذا، حاله مع الله أنه رمى له النقود غير قادر على ردّه.
فهؤلاء الناس لهم أحوال مع الله كلّها تدلّ على أن الدنيا كانت في أيديهم وليست في قلوبهم.
الدعاء بأن تكون الدنيا في الأيدي لا في القلوب والخاتمة
فنحن ندعو الله سبحانه وتعالى أن نكون على دربهم، أن تكون الدنيا في أيدينا فنبقى أغنياء وأقوياء وهكذا، وألّا تكون في قلوبنا، فلا نحزن على المفقود ولا نفرح بالموجود، ونستعمل الدنيا فيما هي له.
ولو فعلنا هذا اتّقينا من الشرور الكثيرة.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
