مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 30 | أ.د علي جمعة

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 30 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه مع كتاب إحياء علوم الدين وفي كتاب العلم في أوله يقول الإمام الغزالي (أُبُو حَامِدِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيُّ، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري،كان فقيهاً وأصولياً وفيلسوفاً، وكان صوفيّ الطريقةِ، شافعيّ الفقه، وكان على مذهب الأشاعرة في العقيدة، وقد عُرف كأحد مؤسسي المدرسة الأشعرية في علم الكلام) رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين عن
أحوال الأئمة المجتهدين المتبوعين وقد عدهم خمسة وهم في الحقيقة أكثر من ذلك الذين تصدروا للمذاهب واتبعهم الناس نحو تسعين، فقيه بعضهم في جيل الصحابة وبعضهم من التابعين وبعضهم من تابعي التابعين، إلا أن كثيرا من هذه المذاهب اندثرت وفنت لأنها لم تجد رجالا يقومون بخدمتها، ولذلك كان الشافعي (أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ المُطَّلِبِيُّ القُرَشِيُّ، هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضياً فعُرف بالعدل والذكاء) يقول في حق الليث بن سعد (أَبُو اَلْحَارِثِ اَللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْـٰمَنِ اَلْفَهْمِيُّ اَلْقَلْقَشَنْدِيُّ،فقيه ومحدث وإمام أهل مِصرَ في زمانه، وصاحب أحد المذاهب الإسلامية المندثرة. وُلد في قرية قَلْقَشَنْدَة من أسفل أعمال مصر، وأسرته أصلها فارسي من إصبَهان): كان أعلم من مالك، إلا أن أصحابه أضاعوه. الليث بن سعد كان فقيها مصريا وكان أعلم من مالك لكن لم يجد طلبة يحملون مدرسته ويحملون
مذهبه ويبلغونه للآفاق، نجد آراء الليث بن سعد منثورة في الكتب موجودة، ولكن هذه الآراء لم تجمع في صورة مذهب يخدم وتوضع له القواعد وتوضع له الأصول والمداخل وتوضع له المصطلحات وتؤلف فيه الكتب كما حدث مع مذاهب أخرى، هناك مذهب الأوزاعي (الإمام الحافظ إمام بيروت وسائر الشَّام والمغرب والأندلُس أبو عمرو عبدُ الرحمٰن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي، فقيه ومُحدّث وأحد تابعي التابعين وإمام أهل الشام في زمانه). مثلا ظلوا يقلدون مذهب الأوزاعي حتى القرن الرابع والخامس الهجري، هناك مذهب مثلا الحمادين والسفيانيين، هو هنا النص على سفيان الثوري (أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، فقيه كوفي، وأحد أعلام الزهد عند المسلمين، وإمام من أئمة الحديث النبوي، وواحد من تابعي التابعين، وإمام أهل العراق، وصاحب واحد من المذاهب الإسلامية المندثرة، الذي ظل مذهبه متداولاً حتى القرن الثامن الهجري)، ولكن سفيان بن عيينة (أَبُو مُحَمَّد سُفْيَانُ بۡنُ عُيَيْنَةَ بۡنِ أَبِي عِمْرَانَ مَيْمُونَ ٱلۡهِلَالِيّ،هو محدث من تابعي التابعين. ولد ونشأ بالكوفة وسكن مكة وتوفي بها، له من الشيوخ الكثير وجُلُّهم من التابعين، فلا يكون بينه وبين الصحابي سوى شخص واحد ولا بينه وبين سيدنا محمد ﷺ إلا شخصان) أيضا كان له مذهب، وهناك مذهب الحسن البصري وغير ذلك كثير، إذا عددتهم وصلت
بهم إلى نحو خمسة وثمانين أو تسعين مجتهدا، لكن حتى سفيان الثوري الذي أشار إليه الشيخ أيضا لم يجد من يكمل المسيرة، والذي وصل إلينا الآن من المذاهب المتبعة هو مذهب الإمام أبي حنيفة ثم مالك ثم الشافعي ثم أحمد بن حنبل ثم الزيدية وهم في اليمن ثم الجعفرية وهم في إيران والعراق والهند وهكذا، وابن حزم الظاهري (عالم من أكبر علماء الإسلام وإمام حافظ وفقيه ظاهري ومجدد أندلسي) أو داود بن علي الأصبهاني (إمام المذهب الظاهري، عالم من علماء المسلمين السنة) وكلاهما واحد لأن المحلى وصل إلينا لكن بعض الناس أفرادا قليلة يعتمدونه حتى قال الشيخ رشيد رضا (عالم ومؤلف إسلامي. صاحب تفسير المنار) رحمه الله تعالى إن من عنده المغني لابن
قدامة والمحلى لابن حزم فإن ذلك يكفيه في الفقه الإسلامي ومن هذه المقولة طبع المغني وطبع المحلى من مقولة الشيخ رشيد رضا الذي أرشد إلى هذه القضية رحم الله الجميع ولكن العلماء يقولون لا يغني كتاب عن كتاب يعني ما من كتاب تقرؤه إلا وتجد فيه فائدة وهكذا اقرأ يا شيخ محمد في أحوال المجتهدين العظام نعم الشيخ محمد وسام: وقال الشافعي رحمه الله ما حلفت بالله تعالى لا صادقا ولا كاذبا قط فانظر إلى حرمته وتوقيره لله تعالى ودلالة ذلك على علمه بجلال الله سبحانه وسئل الشافعي
رضي الله عنه عن مسألة فسكت فقيل له ألا تجيب رحمك الله فقال حتى أدرى الفضل في سكوتي أو في جوابي الشيخ: أى أنه يتفكر أيتكلم أم لا يتكلم فكان يقول الكلمة أنت تملكها حتى تنطق بها فإنها تملكك نعم الشيخ محمد وسام: فانظر فانظر في مراقبته للسانه مع أنه أشد الأعضاء تسلطا على الفقهاء وأعصاها عن الضبط والقهر، وبه يستبين أنه كان لا يتكلم ولا يسكت إلا لنيل الفضل وطلب الثواب. وقال أحمد بن يحيى بن الوزير: خرج الشافعي رحمه الله تعالى يوما من سوق القناديل فتبعناه، فإذا
رجل يسفه على رجل من أهل العلم فالتفت الشافعي إلينا وقال نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به فإن المستمع شريك القائل وإن السفيه لينظر إلى أخبث شيء في إنائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها الشيخ: وهنا كان ينبهنا مشايخنا رحمهم الله تعال قبل أن ينفرط العقد وينهار الحال الذي نحن فيه إذ أن الاستماع إلى الغيبة والنميمة والكذب والبهتان والضجيج واللغو يؤثر تأثيرا قويا في القلب
وأن من تأثيره أن يهون المنكر علينا أي نرى المنكر لا شيء فيه ما هو عادي وقد كان هؤلاء الناس لم يستمعوا وأصبحنا الآن بين ضرورات فإذا انعزلنا بالكلية عن المجتمع فهذا غياب للدماغ وهروب من مواطن المسؤولية وإذا بقينا وصبرنا على أذية الناس وغيبتهم ونميمتهم وبهتانهم وكذا إلى آخره فإن هذا يؤثر في القلب والمخرج من هذا هو ذكر الله الذكر هو واجب الوقت فاذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه غدوة وعشيا لأن الذكر لا يحتاج
إلى مؤونة ولا يحتاج إلى وقت والنبي صلى الله عليه وسلم قال حديث: "وأفضل الأعمال عند الله سبحة الحديث قالوا وما سبحة الحديث يا رسول الله قال الناس القوم يتكلمون والرجل يسبح" أى أنه جالس هكذا خلوته في جلوته أي أنه جالس مع الناس وفي الاجتماعات وفي ذلك إلى آخره ويسير عاديا وهذا يعمل جالسا يذكر الله، فلو تدرب الإنسان على هذا فإن نور الذكر يحمي من طمس الخنا. فالإمام الشافعي كان يستطيع بسهولة لأن هذا واحد في السوق يسب الآخر، ولكن عندما كل المجتمع يسب فعن أي شيء ستغض سمعك فعندما تكون
هناك امرأة متبرجة فيستطيع أن يغض بصره عنها، ولكن عندما تتبرج جميع النساء فعن أي شيء سيغض بصره؟ سيسير كما يسير المجنون. لذلك لما دخل جعفر الصادق (إمام من أئمة المسلمين وعالم جليل وعابد فاضل من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب)،ما وراء النهر ووجد النساء سافرات وقد خلعن الحجاب وقيل له في ذلك ماذا نفعل؟ قال سقطت حرمة النظر إليهن، أي أنهن أسقطن ذلك، الله جعل ذلك لكي يجعل لها حرمة، يجعل لها قيمة، هي تنازلت عن حرمتها وجعلت أي واحد يراها فماذا سنفعل؟ انتهى الأمر، تجاهلها إذن، أي اتركها واسلك طريقك. وقد كان وفعل هذا المسلمون في كل البلدان في أفريقيا وفي إندونيسيا وفي غيرها، كلما دخلوا بلدا ووجدوا هذا
الحال تجاوزوه، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وهكذا إلى آخره، لكن لم يعد هذا له معنى فتجاوزوه. وبقدر الإمكان يفعل الإنسان ما أمر به ويذكر الله ذكرا كثيرا فيجد حلاوة ذلك في قلبه ويقوم ذكر الله بتحصينه من مساوئ الذنب أو مساوئ الحال لأنه حتى لا يوجد ذنب ولكن هو في حال، أي أن هناك معصية مع عدم القدرة على مقاومة هذه المعصية لانتشارها في الأرض وإطباق الكافة عليها فذكر الله هو المخرج من هذا كله، نعم. الشيخ محمد وسام: وقال الشافعي رضي الله عنه: كتب حكيم إلى حكيم قد أوتيت علما
فلا تدنس علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم. وأما زهده رضي الله عنه فقد قال الشافعي رحمه الله: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وحب خالقها في قلبه فقد كذب الشيخ: ومن هنا كان دعاء الصالحين اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا الشيخ محمد وسام: وقال الحميدي خرج الشافعي رحمه الله إلى اليمن مع بعض الولاة فانصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم فضرب له خباء في موضع خارج من مكة فكان الناس يأتونه فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها وخرج من الحمام مرة فأعطى الحمامي
مالا كثيرا وسقط سوطه من يده مرة فرفعه إنسان إليه فأعطاه جزاء عليه خمسين دينارا يعني الدينار كان أربعة جرامات وربعا ومعنى ذلك أنه تقريبا نصف جنيه ذهب يعني في حدود ألف جنيه الآن فخمسون ألف خمسون دينار يعني خمسون ألف جنيه هذه أسعار اليوم هذه فكان البنك المركزي عندنا سيعمل وراء بخمسمائة فإذا كان الباكو (أى الألف جنيه) سيبقى باكو بخمسين ألف جنيه بهم الخمسون دينارا فتخيل أنه وضع يديه هكذا فوجد الخمسمائة هؤلاء باكو خمسمائة فذهب وأعطاهم للرجل هذا انفاق يعني الخط الفاصل
بين الدنيا والآخرة كأنه رُفع، أي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا الخمسون ألف جنيه ماذا تشترى من السلع؟، هو في موقف أن معه الآن كيس به نقود فأعطاه للرجل الذي ناوله السوط حتى لا تكون عليه منة، وطبعا هذا الكلام لا تتقبله النفوس تقبلا واحدا بعضهم يعتبر أن هذا غباء وما إلى ذلك وبعضهم يرى أن هذا تقوى ولكن الأمر أن هذا حال مع الله حال مع الله لا يعرفه إلا من جربه فهو لا يقول لك اعمل هكذا هو يقول لك الرجل هذا كان زاهدا وكان يفعل كذا وكذا مما
روي عن الشيخ أحمد بن الصديق رحمه الله تعالى وهو شيخ مشايخنا أنه كان لا يرد سائلا أبدا، أي أحد يسأله يعطيه، فسأله سائل فوضع يده في جيبه فخرجت مائة جنيه، كان حينذاك المائة جنيه هذه قديما قبل أن تلغى وبعدئذ ترجع ثانية، مائة جنيه هذه كانت تشتري بيتا مكون من ثلاثة طوابق هكذا فأعطاها ولم ترجع يده على الفور أعطاها للسائل وكانت هذه المرة الثالثة التي لاحظ هكذا أحد السماسرة جالسا فرأى المائة
جنيه فاقترب من المائة جنيه وعرف أنها مائة جنيه وذهب وقال للناس تصوروا أن الشيخ دفع مائة جنيه لهذا الرجل وأنا سأضربه يقصد الشخص الأخذ أي أنه استخسر فيه المائة جنيه وفي ذلك كرمه هكذا أو وضعه هكذا أو حاله مع الله هكذا وبعد ذلك مرة أخرى جاء سائل وسأل فأخرج الذي في جيبه ورماه على الأرض وقال له خذه واغرب عن وجهي فالجلوس سألوه قالوا له لا يصح ذلك لماذا تعامله هكذا وأنت معروف عنك الكرم فلماذا تلقي له النقود على الأرض قال
رأيته يضرب أمه هذا السائل رآه أمس وهو يضرب أمه فهذا عقاب للاعتداء على الأم ولكنه لم يمنعه أي لم يستطع أن يمنعه هذا حاله مع الله هكذا هو لا يستطيع أن يرد سائلا كما ورد في السنة لكن غضب عليه لأمر شرعي آخر وهو أنه اعتدى والعياذ بالله تعالى على أمه التي أمره الله ألا يقول لها أف. "فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا" (الإسراء: ٢٣) لا بل ضربها يعني هذه من الكبائر العظام عقوق الوالدين بل أشد من عقوق الوالدين وبالرغم من ذلك فقد جمع بين الأمرين اجتهاده هكذا حاله مع الله أنه رمى له النقود غير قادرًا على رده فهؤلاء الناس
لهم أحوال مع الله كلها تدل على أن الدنيا كانت في أيديهم وليست في قلوبهم فنحن ندعو الله سبحانه وتعالى أن نكون على دربهم أن تكون الدنيا في أيدينا فنبقى أغنياء وأقوياء وهكذا وألا تكون في قلوبنا فلا نحزن على المفقود ولا نفرح بالموجود ونستعمل الدنيا فيما هي له ولو فعلنا هذا اتقينا من الشرور الكثيرة وإلى لقاء آخر أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته