مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 34 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 34 | أ.د علي جمعة

18 دقيقة
  • يعرض النص مواقف للأئمة الأعلام تبين زهدهم وتوقيرهم للعلم، وقد بدأ بالإمام مالك الذي رفض عرض الرشيد بحمل الناس على الموطأ وقال إن اختلاف الأمة رحمة.
  • رفض مالك مغادرة المدينة المنورة قائلاً: "أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها نبي الله بحافر دابة"، مما يدل على توقيره للمدينة وتعظيمه لرسول الله.
  • اشتهر مالك بسخائه وتوزيعه الأموال في وجوه الخير، وبالأدب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال للرشيد: "العلم يُؤتى ولا يأتي".
  • أما أبو حنيفة فكان عابداً زاهداً، كان يحيي الليل كله، ورفض تولي بيت المال واحتمل العقوبة.
  • رفض أبو حنيفة أموال الخليفة المنصور وأوصى بإعادتها بعد وفاته، ورفض القضاء قائلاً: "إن كنت صادقاً فما أصلح لها، وإن كنت كاذباً فالكاذب لا يصلح للقضاء".
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع كتاب العلم من إحياء علوم الدين

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وهو يتكلم في كتاب العلم الذي جعله أول كتاب في إحياء علوم الدين؛ ليكون المدخل الصحيح للعبادة والمعاملة والتخلي والتحلي بالأخلاق الحميدة.

أحوال الأئمة الكرام والإمام الشافعي ولقاؤه بالإمام مالك

مع هذا الكتاب إحياء علوم الدين، وكتاب العلم يصف لنا أحوال الأئمة الكرام، وممن وقفنا على حالهم الإمام الشافعي ثم الإمام مالك.

والإمام مالك توفي في سنة مائة وتسع وسبعين من الهجرة النبوية الشريفة، وكان الإمام الشافعي حينئذ قد بلغ من العمر تسعًا وعشرين سنة.

وسفيان الثوري [توفي سنة] مائة وأربع وستين. والإمام الشافعي أدركه [أي أدرك الإمام مالكًا] إدراكًا بليغًا وحضر عنده وهو ابن خمس عشرة عامًا، ووجده [الإمام مالك] قد حفظ الموطأ.

روايات الموطأ المتعددة ورواية الإمام الشافعي المتفردة عن مالك

والموطأ ألّفه [الإمام] مالك في أربعين سنة، ولذلك كثر رواته. وممن رواه وعلى قمتهم من سيد الرواة الإمام الشافعي. الإمام الشافعي يروي الموطأ عن مالك، وهي رواية متفردة غير رواية يحيى بن يحيى الليثي التي شاعت وذاعت في الأوساط.

وممن رواه محمد بن الحسن الشيباني، وطُبعت هذه الرواية، لكن رواية الشافعي لم تصل إلينا، وفيها فروقات بينها وبين رواية يحيى بن يحيى وروايات كثيرة بلغت أربعين رواية.

وصف الإمام مالك بالعلم والتقوى والزهد وجمعه بين علوم الدنيا والآخرة

فكان [الإمام] مالك عالمًا متمكنًا متبحرًا تقيًا نقيًا، وضمّ إلى علوم الدنيا والظاهر التي بها المعاش والارتياش علومَ الآخرة.

ووصف الإمام الغزالي هذا الحال فقال: اقرأ يا شيخ [محمد].

زهد الإمام مالك في الدنيا وموقفه من المهدي والرشيد في شأن الدار

[الشيخ محمد وسام]: وأما زهده في الدنيا فيدل عليه ما رُوي أن المهدي أمير المؤمنين سأله فقال له: هل لك من دار؟ قال: لا، ولكن أحدثك، سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: نسب المرء داره.

وسأله الرشيد: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال: اشترِ بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها.

رفض الإمام مالك حمل الناس على الموطأ واحترامه لاختلاف العلماء

فلما أراد الرشيد الشخوص [أي السفر] قال لمالك رحمه الله: ينبغي أن تخرج معنا؛ فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان رضي الله عنه الناس على القرآن.

فقال له [الإمام مالك]: أما حمل الناس على الموطأ فليس إليه سبيل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدّثوا، فعند كل أهل مصرٍ علم. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«اختلاف أمتي رحمة»

هذا الحديث ذكره الإمام البيهقي في رسالته الأشعرية تعليقًا، وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ: «اختلاف أصحابي لكم رحمة»، وإسناده ضعيف.

رفض الإمام مالك مغادرة المدينة وتمسكه بجوار النبي صلى الله عليه وسلم

وأما الخروج معك فلا سبيل إليه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»

وقال عليه الصلاة والسلام:

«المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد»

وهذه دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها. يعني [قال الإمام مالك]: أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليّ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

حقيقة الزهد عند الإمام مالك وأنه فراغ القلب لا فقد المال

فهكذا كان زهد مالك في الدنيا. ولما حُملت إليه الأموال الكثيرة من أطراف الدنيا لانتشار علمه وأصحابه، كان يفرقها في وجوه الخير، ودلّ سخاؤه على زهده وقلة حبه للدنيا.

وليس الزهد فقدَ المال، وإنما الزهد فراغ القلب عنه. ولقد كان سليمان عليه السلام في ملكه من الزهاد.

سخاء الإمام مالك وإهداؤه أفراس خراسان للشافعي وتوقيره لتربة المدينة

ويدل على احتقاره للدنيا ما رُوي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: رأيت على باب مالك قِراعًا من أفراس خراسان — ويقال مصر — ما رأيت أحسن منه. فقلت لمالك رحمه الله: ما أحسنه! فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد الله.

فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها. فقال: إني أستحيي من الله تعالى أن أطأ تربةً فيها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم بحافر دابة.

انظر إلى سخائه إذ وهب جميع ذلك دفعة واحدة، وإلى توقيره لتربة المدينة.

قصة العامل التركي في المسجد النبوي وأدبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[الشيخ]: النابتة يريدون هدم القبة الخضراء! كنا في مدينة رسول الله وفي مسجده، وكان أحد الأتراك يُصلح شيئًا في الحائط في الرخام ويستعمل الإزميل والمطرقة فيُحدث شيئًا من الضجيج.

فذهب إليه أحدنا وقال له: أنت تُحدث ضجيجًا بجوار سيدنا صلى الله عليه وسلم، والأنبياء أحياء في قبورهم. ففزع الرجل وذهب وأتى بوسادة ووضعها على الإزميل، وأخذ يعمل برفق حتى لا يُحدث صوتًا فيؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الفرق بين أهل الإيمان والنابتة في التعامل مع حرمة المسجد النبوي

هكذا شأن أهل الإيمان، أنهم يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم. النابتة نراهم يقفون وكأنهم رؤوس الشياطين — والعياذ بالله تعالى — يصدّون هذا ويشتمون هذا ويدفعون هذا. لماذا؟ على مقربة سنتيمترات من سيدنا صلى الله عليه وسلم.

حكم الله عليهم بهذا، حكم الله عليهم بأن يكونوا جفاةً قساةً، وأن يتحملوا وزر إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في زواره وضيوفه أو في حاله الشريف مع الله سبحانه وتعالى.

بيان كفر من يعتقد انتهاء نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بموته

حكم الله عليهم بذلك. يعتقدون أنه [النبي صلى الله عليه وسلم] مات، انتهى أمره مات، وأنه لم يعد نبيًا. وهذا كفر!

النبي صلى الله عليه وسلم هو نبي إلى يوم القيامة ولا يُؤذى. ولكن هذه النابتة، حتى ترى أعينهم غائرة ضائعة لا تنظر إلى شيء، لو نظرت إليه [أي إلى حالهم] فإذا أحوالهم رديئة وليست مرضية، هي رديئة وليست مرضية.

أدب الإمام مالك والسلف الصالح مع تربة المدينة المنورة وحضرة النبي

الإمام مالك كان مؤدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يسير في المدينة بحافر [دابة]. ووَرَد عن السلف الصالح أنهم ساروا في المدينة تبركًا بترابها حفاةً.

وكان أهل الله إذا ما شارفوا المدينة خلعوا العمامة أو القلنسوة أو ما على رؤوسهم تأدبًا وتخشعًا في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى نبتت هذه النابتة اللعينة، فإذا بها تجعل كل ذلك بدعة! فقست القلوب، وأظلمت القلوب، وأُغلقت الأبواب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرد على من يحذر من الشرك عند قبر النبي ومشروعية طلب الدعاء منه

أحدهم سمعناه وهو يخرج القيح من فمه — والعياذ بالله تعالى — ويقول وهو يتكلم عن التخشع وعن الخشوع والدخول إلى سيدنا رسول الله، ثم فجأة يقول: إذا وصلت إلى القبر إياك أن تشرك!

آه، تشرك في ماذا أيها الأحمق؟ تشرك في ماذا؟ هذا سيد الخلق! لا تشرك وتقول له ادعُ لي، إذن أقول لمن؟ أأقول لأبيك؟ ادعُ لي إذن أقول لمن؟

«تُعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم»

أقول لمن؟

الاستدلال بآيات سورة النساء على مشروعية المجيء إلى النبي والاستغفار عنده

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

قبلها يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]

هل هذه الآية نُسِخَت؟ هل نُسِخَت هذه الآية؟ هل هي من الأشياء التي تُنسَى؟! النسخ لا يكون فيه هذا، وهل هذه الآية نُسِخَت؟! فما الذي نسخها؟ ما زالت مستمرة إلى يوم الدين.

الدعاء بالبعد عن بلاء الجفاء مع رسول الله والتعلق بحبه صلى الله عليه وسلم

ولذلك ترى الجهل والجفاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تلك النابتة. ربنا يشرح صدوركم ويبعدكم عن هذا البلاء.

هذا بلاء شديد مُدبَّر، هذا بلاء مُدبَّر. ربنا يشرح صدوركم ويبعدكم عن هذا، ويُعلّق قلوبكم بالله وبحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. اقرأ يا شيخ محمد.

موقف الإمام مالك من هارون الرشيد وتعليمه أن العلم يُؤتى ولا يأتي

[الشيخ محمد وسام]: ويدل على إرادته بالعلم وجه الله تعالى واستحقاره للدنيا ما رُوي عنه أنه قال: دخلتُ على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا عبد الله، ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ.

قال: فقلتُ: أعزّ الله مولانا الأمير، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عزّ، وإن أنتم أذللتموه ذلّ، والعلم يُؤتى ولا يأتي.

فقال [الرشيد]: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.

تعليم الإمام مالك للعلماء عدم إهانة أنفسهم مع الأغنياء والحكام

إذا أعزّ الله العلم وجعله يُؤتى ولا يأتي، وهذا تعليم من مالك لعلماء الأمة ألا يهينوا أنفسهم مع الأغنياء ومع الحكام ومع أصحاب المصالح وما إلى ذلك.

من أراد أن يأتي المسجد فعليه أن يأتي، ومن لم يرد فذلك أمره مع ربه. أما التأويل [أي تأويل العلم لأجل الدنيا] فهذا لا حاجة لنا به. نعم.

وصف أبي حنيفة بالعبادة وإحيائه الليل كله حياءً من الله تعالى

وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقد كان أيضًا عابدًا زاهدًا عارفًا بالله تعالى خائفًا منه، مريدًا وجه الله تعالى بعلمه.

فأما كونه عابدًا فيُعرف بما رُوي عن ابن المبارك أنه قال: كان أبو حنيفة رحمه الله له مروءة وكثرة صلاة. وروى حماد بن أبي سليمان أنه كان يحيي الليل كله.

وروي أنه كان يحيي نصف الليل، فمرّ يومًا في طريق فأشار إليه إنسان وهو يمشي، فقال لآخر: هذا هو الذي يحيي الليل كله. فلم يزل بعد ذلك يحيي الليل كله وقال: أنا أستحيي من الله سبحانه أن أُوصف بما ليس فيّ من عبادته.

زهد أبي حنيفة ورفضه ولاية بيت المال واحتماله الضرب في سبيل ذلك

وأما زهده فقد رُوي عن الربيع بن عاصم قال: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده أن يكون حاكمًا على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطًا.

فانظر كيف هرب من الولاية واحتمل العذاب!

قال الحكم بن هشام الثقفي: حُدِّثتُ بالشام حديثًا في أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانةً، وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره، فاختار عذابهم له على عذاب الله تعالى.

ثناء ابن المبارك على أبي حنيفة وفراره من الدنيا بحذافيرها

وروي أنه ذُكِر أبو حنيفة عند ابن المبارك، فقال: أتذكرون رجلًا عُرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها؟

وروي عن محمد بن شجاع عن بعض أصحابه أنه قيل لأبي حنيفة: قد أمرَ لك أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم. قال: فما رضي أبو حنيفة.

قصة رفض أبي حنيفة لمال المنصور وردّه الأمانة بعد وفاته

قال: فلما كان اليوم الذي يُتوقَّع أن يُؤتى بالمال فيه، صلّى الصبح ثم تغشّى بثوبه فلم يتكلم. فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يُكلّمه.

فقال بعض من حضر: ما يُكلّمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة — أي هذه عادته — فقال: ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت.

ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته وقال لابنه: إذا متُّ ودفنتموني فخذ هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن بن قحطبة، فقل له: خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة.

قال ابنه: ففعلت ذلك، فقال الحسن: رحمة الله على أبيك، فلقد كان شحيحًا على دينه.

رفض أبي حنيفة ولاية القضاء وحجته البليغة في ذلك

وروي أنه دُعي [أبو حنيفة] إلى ولاية القضاء فقال: أنا لا أصلح لهذا. فقيل له: لِمَ؟

فقال: إن كنت صادقًا فما أصلح لها [أي لأنني أقرّ بعدم صلاحيتي]، وإن كنت كاذبًا فالكاذب لا يصلح للقضاء.

ختام الدرس والتوديع بالسلام

[الشيخ]: والله تعالى أعلم وأعلى، وإلى لقاءٍ آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.