مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 36 | أ.د علي جمعة

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 36 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع الكتاب الماتع للإمام الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين، "إحياء علوم الدين"، نعيش هذه اللحظات مع كتاب العلم وفي الباب الثالث يقول، اقرأ يا شيخ محمد:
الشيخ محمد وسام: بيان علة ذم العلم المذموم. لعلك تقول العلم هو معرفة الشيء على ما هو به وهو من صفات الله تعالى، فكيف يكون الشيء علماً ويكون مع كونه علماً مذموماً؟ فاعلم أن العلم لا يُذم لعينه، وإنما يُذم في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة: الأول أن يكون مؤدياً إلى ضرر ما، إما لصاحبه أو لغيره، كما يُذَمُّ علم السحر والطَّلسمات وهو حق إذ شهد القرآن له وأنه سبب يُتوصَّل به إلى التفرقة بين الزوجين، وقد سُحِرَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومَرِضَ بسببه حتى أخبره جبريل عليه السلام بذلك وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر،
وهو نوع يُستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم فيتخذ من تلك الجواهر هيكلاً على صورة الشخص المسحور ويرصد به وقتاً مخصوصاً من المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ويتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله تعالى العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور ،ومعرفة هذه الأسباب من حيث إنها معرفة ليست بمذمومة ولكنها ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق، والوسيلة إلى الشر شر، فكان ذلك هو السبب في كونه علمًا مذمومًا، بل إن من يتبع وليًا من أولياء
الله ليقتله وقد اختفى منه في موضع حريز إذا سأل الظالم عن محله لم يجز تنبيهه عليه بل وجب الكذب فيه وذكر موضعه إرشاد وإفادة علم بالشيء على ما هو عليه ولكنه مذموم لأدائه إلى الضرر. الشيخ: العلم المذموم مثل الآلة، فالسكين الذي تقطع به الزبد تقتل به أيضاً، فقتلك هو المذموم وليس السكين في ذاته، فإن السكين لها منفعة أخرى وهكذا دائماً. كل الآلات التصوير قد يكون ممدوحا، فإذا كشف العورات أو آذى الناس أو
أراد فساداً في الأرض صار حراماً، وقل هذا في كل وسيلة. كل الوسائل لها استخدامان: استخدام طيب واستخدام شر وردي. فإذا كان الأمر كذلك، فإن العلم في حد ذاته ومن حيث إنه معلومات لا يضر، ولكن الاستعمال. هو الذي عليه قيد، ولذلك ومن هنا قلنا إن البحث العلمي بحث طليق مفتوح، افعل فيه ما شئت وابحث كما تشاء، ولكن الاستعمال لا يجوز. فعندما يوجدون ويخلقون شيئاً يضر البشر كالإيبولا والإيدز وما إلى ذلك، لا يجوز أن يستعمله في إبادة البشر وفي الحرب البكتيرية
والجرثومية وما شابه ذلك. عندما نفجر الذرة فإن هذا التفجير يولد طاقة تشغل المصانع، لكن عندما نستعملها في هيروشيما وناجازاكي وما إلى ذلك، ونلوث بها الجو ونسبب ثقب الأوزون مما يؤدي إلى ثقب الأوزون، فكل هذا ضرر بليغ وعلم مذموم. نحن نريد أن نفك الاشتباك بين هذا العلم المذموم ونسميه معلومات، أي لا يصير علماً. فالعلم كلمة شريفة نريد أن نجعلها للمحمود فقط، والذي هو مذموم نسميه معلومات. فبهذا الشكل، هو طبعاً في القديم قال لك: لا علم ممدوح وعلم مذموم، باعتبار أن العلم هو المعرفة، هو إدراك الشيء على ما
هو عليه في نفس الأمر. إذاً هذا الكلام من الإمام كلام مهم حيث إنه يفيد أن البحث العلمي له نسق مفتوح فتبحث فيه كيف شئت للتوصل إلى الحقائق. بعد أن تتوصل إليها، إياك أن تستعمله في الشر. استعمله في عمارة الدنيا، في تخفيف الألم عن الإنسان، في ربط الإنسان، لكن ليس في التفرقة وفي الفساد وفي دمار الدنيا يكون هذا تدميراً لا تعميراً. الغرض ,الاستعمال, الهدف من هذا العلم ماذا يكون؟ في أثناء البحث، في كل بحث ينتج لنا كيفية
جديدة لعلاج الأمراض، وتنتج لنا آلات جديدة لتخفيف الألم عن الناس، وأدوية جديدة لمقاومة، جميل كل هذا جميل. فإذن البحث العلمي في حد ذاته مبني على نسق مفتوح، والاستعمال مبني على نسق مقيد، مقيد بعمارة الأرض بعبادة الله مقيد بنفع الناس مقيد بالخير وعدم الشر. إذاً، نفصل بين العلم والمعلومات من ناحية ونفصل بين مستويين: البحث العلمي والتطبيق؛ فالبحث العلمي طليق والتطبيق مضيق. نعم، الشيخ محمد وسام: الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر كعلم النجوم فإنه
في نفسه غير مذموم لذاته إذ هو قسمان: قسم حسابي وقد نطق القرآن بأن مسير الشمس والقمر محسوب إذ قال عز وجل "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ" [الرحمن: ٥] وقال عز وجل: "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" [يس: ٣٩] والثاني الأحكام وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث بالأسباب وهو يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من المرض وهو معرفة لمجاري سنة الله تعالى وعادته في خلقه، ولكن قدَ ذمه الشرع قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا ذُكِرَ القدر فأمسكوا، وإذا ذُكِرَت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا". رواه الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد حسن.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر ثم أمسكوا". وإنما زُجِر عنه من ثلاثة أوجه: أحدها أنه مُضِرٌّ بأكثر الخلق، فإنه إذا أُلقِيَ إليهم أن هذه الآثار تحدث عَقِيب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، وأنها الآلهة المدبرة، لأنها جواهر شريفة سماوية، ويَعظُم وقعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتاً إليها، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط ،والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه وتعالى. ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع
الشمس مثال النملة لو خُلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهي تنظر إلى سواد الخط يتجدد، فتعتقد أنه فعل القلم، ولا تترقي في نظرها إلى مشاهدة الأصابعُ ثم منها إلى اليدِ ثم منها إلى الإرادةِ المحركةِ لليدِ ثم منها إلى الكاتبِ القادرِ المُريدِ ثم منه إلى خالقِ اليدِ والقدرةِ والإرادةِ. فأكثرُ نظرِ الخلقِ مقصورٌ على الأسبابِ القريبةِ السافلةِ، مقطوعٌ من الترقي إلى مسببِ الأسبابِ. فهذا أحدُ أسبابِ النهي عن النجومِ. الشيخ: هذا واحدٌ ويتبقى اثنينِ، ولكن النجومُ لها علاقة بجريان الحوادث في الأرض وهذا من
إظهار مزيد حكمة الله وقدرته وقوته وإرادته وتمكنه وتحكمه في الكون، فإنك إذا رأيت الشجرة تنبت من البذرة وتصير شجرة ثم ثمرة، وإذا رأيت الإنسان تحمله أمه ثم يولد ثم يكبر ثم يشيخ ويهرم ثم ينحط بقدراته، فقل سبحان الله. إذا نظرت إلى احتياجه إلى طعامه وشرابه وحاجته وذهابه ومجيئه وعلاقته بكونه فقل سبحان الله، لكن إذا عرفت أن هناك خطوطاً تقاطعية بين مولده وبين السماء، فالحكاية تزداد تعقيداً، وبين ذلك وبين منازل القمر المسألة تزداد تعقيداً، لأنك أنت
ماذا تفعل؟ تضرب الاحتمالات، يعني أنت أمامك الآن كيس فيه عشر كرات، والعشر كرات هذه مرقمة من واحد إلى عشرة، فما احتمال أن تمد يدك وتخرج كرة رقم واحد؟ قال: احتمال واحد على عشرة. طيب، ما احتمال أن تخرج كرة رقم واحد ثم الكرة رقم اثنين؟ قال: لا، فواحد على عشرة في واحد على تسعة، يعني واحد على تسعين. قال: نعم، في حالة من تسعين محاولة، الرياضة تقول هكذا. قال: "الله، إذن ما احتمال أن أسحب الكرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة؟" قال: "سوف تضرب واحداً على عشرة في واحد على تسعة في
واحد على ثمانية". طيب، إذاً يصبح واحداً على سبعمائة وعشرين. يا له من رقمٍ كبير! طيب، ما احتمال أنك تسحب العشرة واحدا تلو الآخر؟ تغمض هكذا وتخرج: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة. اضرب الآن عشرة في تسعة في ثمانية في سبعة في ستة في خمسة في أربعة في ثلاثة في اثنين. حسناً، لو ضربت، كم سيكون الناتج؟ رقم كبير جداً، رقم ضخم جداً. وهذا الرقم الضخم جداً ماذا يسمونه في الرياضيات؟ ماذا يسمونه؟ ما لا نهاية له يكون واحدًا على مالا نهاية الرياضيات، علماء الرياضيات الذين أفنوا أعمارهم في الرياضيات، ما اسموه؟ اسموه صفر. اضرب لي إذن عدد البشر في منازل النجوم
في منازل الشمس في منازل القمر في منازل اضرب لي إذن، أيكون هذا الكون منظمًا هكذا صدفة من غير حكيم مدبر اسمه ماذا؟ اسمه واحد على مالا نهاية، يعني كما في الرياضة، يقول إن هذه الرياضة التي تقول ليس نحن رجال الدين ولا علماء الدين ولا كذا ولا كذا، ولا الدين نفسه قال هكذا. أهل الرياضة هم الذين قالوا هكذا. برتراند راسل هو الذي يقول هكذا، قال: "يبقى صفر". فلا يمكن أن ربنا غير موجود و لا يمكن أن ربنا ليس حكيماً، لكنه موجود وحكيم ومريد وقادر وقوي وواسع وكل الصفات التي نسمعها في القرآن. إذن هناك حكمة من
أنه يربط جريان النجوم بجريان البشر. إذا اطلعت على هذا القدر من النجوم، فستكون حسنة لأنها ستوصلك إلى أن تقول ماذا؟ سبحان الله! قل هكذا. أناس آخرون يريدون أن يخطوا خطوة أخرى ويقولون: "حسناً، أنا أعرف بهذا الشكل كيف ستجري الأحداث، وأريد الآن أن أراها بالضبط لكي أستكثر لنفسي من الخير لقد دخلنا في المشاكل ، لماذا؟ لأن هذه الحسابات ضخمة جداً لدرجة أن البشر لا يستوعبونها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا على فكرة: اسكتوا وامسكوا عن هذه الحكاية إذا ذُكرت النجوم ،اسمع إلى
هاتين الكلمتين اللتين تُقالان هكذا، لكن لا تهب حياتك لها لكي تعرف ماذا سيحدث غداً، لأنك ستصدق وتكذب وتتخبط. أول من خط بالقلم، أخرجه البخاري إدريس، فمن وافق خطه خطه فذاك،لكن الذي لا يوافق خطه خلاص سيرتبك، وإدريس علمه باد، يعني أُزيل. لماذا أُزيل؟ قال لها أن الأرض فعلت ما يسمى بالانحراف المعياري ثلاث مرات، فتشوشت الحسابات كلها على بني البشر. من معه حسابات الانحرافات الثلاث ؟ لا يوجد ،ولذلك أغلقت، فالنبي عليه الصلاة والسلام وفَّر علينا ذلك وقال لنا لا تدخلوا في هذه الطريق. عدم الدخول ليس معناه أن العلاقات ليست غير موجودة، بل إن العلاقات موجودة
ومدركة أيضاً. تستطيع أن تدركها في مستواها الأول، وعندما تدخل المستوى الثاني تضطرب الأمور. لكن أمام عينيك وعقلك وإحساسك هي موجودة. لماذا؟ لكي تثبت لك قهراً أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، ثم بعد ذلك أريد أن أستفيد لنفسي لا أسكت بعد ما عرفت هذا رياضياً وطبيعياً وكل شيء بعد ذلك، اسكت ، هذا قدر من العلم يوصلك إلى الله، هذا قدر من العلم تستفيد به فى الفوضى والإضطراب، اترك هذا والتزم بذاك، وهذا ما جعله يحضر هذا الكلام الآن. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.