مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 36 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 36 | أ.د علي جمعة

18 دقيقة
  • العلم لا يُذم لذاته، بل يُذم في حق العباد لثلاثة أسباب: أولها أن يكون مؤدياً للضرر.
  • علم السحر مثال للعلم المذموم لأنه يستخدم للإضرار بالخلق، فالوسيلة إلى الشر شر.
  • العلم كالآلة كالسكين التي تقطع بها الخبز وقد تقتل بها، فالقتل هو المذموم وليس السكين.
  • البحث العلمي طليق مفتوح، لكن الاستعمال مقيد بعمارة الأرض ونفع الناس.
  • علم النجوم قسمان: حسابي نافع وأحكام قد تضر، وقد زجر عنه الشارع.
  • من أسباب النهي عن علم النجوم أن الضعفاء قد يعتقدون أن الكواكب هي المؤثرة.
  • ارتباط النجوم بجريان أحداث الأرض يظهر حكمة الله وقدرته في تنظيم الكون.
  • هذه العلاقات الكونية موجودة للدلالة على قدرة الله، وليس للتنبؤ بالمستقبل.
  • النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ذُكرت النجوم فأمسكوا"، لإبعادنا عن الاضطراب في هذا العلم.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين باب بيان علة ذم العلم المذموم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع الكتاب الماتع للإمام الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

إحياء علوم الدين، نعيش هذه اللحظات مع كتاب العلم، وفي الباب الثالث يقول، اقرأ يا شيخ محمد:

[الشيخ محمد وسام]: بيان علة ذم العلم المذموم. لعلك تقول: العلم هو معرفة الشيء على ما هو به، وهو من صفات الله تعالى، فكيف يكون الشيء علمًا ويكون مع كونه علمًا مذمومًا؟

فاعلم أن العلم لا يُذم لعينه، وإنما يُذم في حق العباد لأحد أسباب ثلاثة:

السبب الأول لذم العلم: أن يكون مؤديًا إلى ضرر كعلم السحر

الأول: أن يكون مؤديًا إلى ضرر ما، إما لصاحبه أو لغيره، كما يُذمُّ علم السحر والطَّلسمات، وهو حق؛ إذ شهد القرآن له وأنه سبب يُتوصَّل به إلى التفرقة بين الزوجين.

وقد سُحِرَ رسول الله ﷺ ومَرِضَ بسببه حتى أخبره جبريل عليه السلام بذلك، وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر.

وهو نوع يُستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيُتخذ من تلك الجواهر هيكلًا على صورة الشخص المسحور، ويُرصد به وقتًا مخصوصًا من المطالع، وتُقرن به كلمات يُتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويُتوصل بسببها إلى الاستعانة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله تعالى العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور.

معرفة أسباب السحر ليست مذمومة لذاتها لكنها مذمومة لأنها وسيلة إلى الشر

ومعرفة هذه الأسباب من حيث إنها معرفة ليست بمذمومة، ولكنها ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق، والوسيلة إلى الشر شر؛ فكان ذلك هو السبب في كونه علمًا مذمومًا.

بل إن من يتبع وليًا من أولياء الله ليقتله وقد اختفى منه في موضع حريز، إذا سأل الظالم عن محله لم يجز تنبيهه عليه، بل وجب الكذب فيه. وذكر موضعه إرشاد وإفادة علم بالشيء على ما هو عليه، ولكنه مذموم لأدائه إلى الضرر.

تشبيه العلم المذموم بالآلة التي تُستخدم في الخير والشر

[الشيخ]: العلم المذموم مثل الآلة؛ فالسكين الذي تقطع به الزبد تقتل به أيضًا، فقتلك هو المذموم وليس السكين في ذاته؛ فإن السكين لها منفعة أخرى.

وهكذا دائمًا كل الآلات؛ التصوير قد يكون ممدوحًا، فإذا كشف العورات أو آذى الناس أو أراد فسادًا في الأرض صار حرامًا. وقل هذا في كل وسيلة.

كل الوسائل لها استخدامان: استخدام طيب واستخدام شر وردي. فإذا كان الأمر كذلك، فإن العلم في حد ذاته ومن حيث إنه معلومات لا يضر، ولكن الاستعمال هو الذي عليه قيد.

البحث العلمي مفتوح والاستعمال مقيد بعدم الإضرار بالبشر

ولذلك ومن هنا قلنا إن البحث العلمي بحث طليق مفتوح، افعل فيه ما شئت وابحث كما تشاء، ولكن الاستعمال لا يجوز [أن يكون في الإضرار].

فعندما يوجدون ويخلقون شيئًا يضر البشر كالإيبولا والإيدز وما إلى ذلك، لا يجوز أن يستعمله في إبادة البشر وفي الحرب البكتيرية والجرثومية وما شابه ذلك.

عندما نفجر الذرة فإن هذا التفجير يولد طاقة تشغل المصانع، لكن عندما نستعملها في هيروشيما وناجازاكي وما إلى ذلك، ونلوث بها الجو ونسبب ثقب الأوزون مما يؤدي إلى ثقب الأوزون، فكل هذا ضرر بليغ وعلم مذموم.

التفريق بين العلم والمعلومات وبين البحث العلمي الطليق والتطبيق المقيد

نحن نريد أن نفك الاشتباك بين هذا العلم المذموم ونسميه معلومات، أي لا يصير علمًا؛ فالعلم كلمة شريفة نريد أن نجعلها للمحمود فقط، والذي هو مذموم نسميه معلومات.

فبهذا الشكل، هو طبعًا في القديم قال لك: لا، علم ممدوح وعلم مذموم، باعتبار أن العلم هو المعرفة، هو إدراك الشيء على ما هو عليه في نفس الأمر.

إذن هذا الكلام من الإمام [الغزالي] كلام مهم؛ حيث إنه يفيد أن البحث العلمي له نسق مفتوح، فتبحث فيه كيف شئت للتوصل إلى الحقائق. بعد أن تتوصل إليها، إياك أن تستعمله في الشر، استعمله في عمارة الدنيا، في تخفيف الألم عن الإنسان، في ربط الإنسان [بأخيه الإنسان]، لكن ليس في التفرقة وفي الفساد وفي دمار الدنيا؛ يكون هذا تدميرًا لا تعميرًا.

الغرض من العلم هو نفع الناس وتخفيف الألم والبحث العلمي طليق والتطبيق مقيد

الغرض، الاستعمال، الهدف من هذا العلم ماذا يكون؟ في أثناء البحث، في كل بحث ينتج لنا كيفية جديدة لعلاج الأمراض، وتنتج لنا آلات جديدة لتخفيف الألم عن الناس، وأدوية جديدة للمقاومة [مقاومة الأمراض]، جميل، كل هذا جميل.

فإذن البحث العلمي في حد ذاته مبني على نسق مفتوح، والاستعمال مبني على نسق مقيد: مقيد بعمارة الأرض، بعبادة الله، مقيد بنفع الناس، مقيد بالخير وعدم الشر.

إذن، نفصل بين العلم والمعلومات من ناحية، ونفصل بين مستويين: البحث العلمي والتطبيق؛ فالبحث العلمي طليق والتطبيق مضيق.

السبب الثاني لذم العلم: علم النجوم وقسماه الحسابي والأحكامي

نعم.

[الشيخ محمد وسام]: الثاني: أن يكون مضرًا بصاحبه في غالب الأمر، كعلم النجوم؛ فإنه في نفسه غير مذموم لذاته، إذ هو قسمان:

قسم حسابي، وقد نطق القرآن بأن مسير الشمس والقمر محسوب، إذ قال عز وجل:

﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5]

وقال عز وجل:

﴿وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يس: 39]

والثاني [قسم] الأحكام، وحاصله يرجع إلى الاستدلال على الحوادث بالأسباب، وهو يضاهي استدلال الطبيب بالنبض على ما سيحدث من المرض، وهو معرفة لمجاري سنة الله تعالى وعادته في خلقه.

ذم الشرع لعلم أحكام النجوم وأقوال النبي وعمر بن الخطاب في ذلك

ولكن قد ذمه الشرع. قال ﷺ:

«إذا ذُكِرَ القدر فأمسكوا، وإذا ذُكِرَت النجوم فأمسكوا، وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا» رواه الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد حسن.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر ثم أمسكوا»

وإنما زُجِر عنه من ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه مُضِرٌّ بأكثر الخلق؛ فإنه إذا أُلقِيَ إليهم أن هذه الآثار تحدث عَقِيب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة وأنها الآلهة المدبرة؛ لأنها جواهر شريفة سماوية، ويَعظُم وقعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتًا إليها؛ فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط.

مثال النملة على القرطاس وقصور النظر عن الترقي إلى مسبب الأسباب

والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه وتعالى.

ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس، مثال النملة لو خُلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهي تنظر إلى سواد الخط يتجدد، فتعتقد أنه فعل القلم، ولا تترقى في نظرها إلى مشاهدة الأصابع، ثم منها إلى اليد، ثم منها إلى الإرادة المحركة لليد، ثم منها إلى الكاتب القادر المُريد، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة.

فأكثر نظر الخلق مقصور على الأسباب القريبة السافلة، مقطوع من الترقي إلى مسبب الأسباب؛ فهذا أحد أسباب النهي عن النجوم.

حكمة الله في ربط جريان النجوم بحوادث الأرض ودلالتها على عظمته

[الشيخ]: هذا واحد ويتبقى اثنين، ولكن النجوم لها علاقة بجريان الحوادث في الأرض، وهذا من إظهار مزيد حكمة الله وقدرته وقوته وإرادته وتمكنه وتحكمه في الكون.

فإنك إذا رأيت الشجرة تنبت من البذرة وتصير شجرة ثم ثمرة، وإذا رأيت الإنسان تحمله أمه ثم يولد ثم يكبر ثم يشيخ ويهرم ثم ينحط بقدراته، فقل سبحان الله.

إذا نظرت إلى احتياجه إلى طعامه وشرابه وحاجته وذهابه ومجيئه وعلاقته بكونه، فقل سبحان الله. لكن إذا عرفت أن هناك خطوطًا تقاطعية بين مولده وبين السماء، فالحكاية تزداد تعقيدًا، وبين ذلك وبين منازل القمر المسألة تزداد تعقيدًا.

ضرب الاحتمالات الرياضية لإثبات استحالة الصدفة في نظام الكون

لأنك أنت ماذا تفعل؟ تضرب الاحتمالات. يعني أنت أمامك الآن كيس فيه عشر كرات، والعشر كرات هذه مرقمة من واحد إلى عشرة.

فما احتمال أن تمد يدك وتخرج كرة رقم واحد؟ قال: احتمال واحد على عشرة.

طيب، ما احتمال أن تخرج كرة رقم واحد ثم الكرة رقم اثنين؟ قال: لا، فواحد على عشرة في واحد على تسعة، يعني واحد على تسعين.

قال: نعم، في حالة من تسعين محاولة، الرياضة تقول هكذا.

قال: الله! إذن ما احتمال أن أسحب الكرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة؟ قال: سوف تضرب واحدًا على عشرة في واحد على تسعة في واحد على ثمانية.

طيب، إذن يصبح واحدًا على سبعمائة وعشرين، يا له من رقم كبير!

احتمال سحب العشر كرات بالترتيب يساوي صفرًا رياضيًا مما يثبت وجود المدبر الحكيم

طيب، ما احتمال أنك تسحب العشرة واحدًا تلو الآخر؟ تغمض هكذا وتخرج: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة. اضرب الآن: عشرة في تسعة في ثمانية في سبعة في ستة في خمسة في أربعة في ثلاثة في اثنين.

حسنًا، لو ضربت، كم سيكون الناتج؟ رقم كبير جدًا، رقم ضخم جدًا. وهذا الرقم الضخم جدًا ماذا يسمونه في الرياضيات؟ ماذا يسمونه؟ ما لا نهاية له، يكون واحدًا على ما لا نهاية.

الرياضيات، علماء الرياضيات الذين أفنوا أعمارهم في الرياضيات، ما اسموه؟ اسموه صفرًا.

إسقاط الاحتمالات الرياضية على نظام الكون لإثبات وجود الله الحكيم المدبر

اضرب لي إذن عدد البشر في منازل النجوم في منازل الشمس في منازل القمر في منازل... اضرب لي إذن، أيكون هذا الكون منظمًا هكذا صدفة من غير حكيم مدبر؟ اسمه ماذا؟ اسمه واحد على ما لا نهاية، يعني كما في الرياضة.

يقول: إن هذه الرياضة التي تقول، ليس نحن رجال الدين ولا علماء الدين ولا كذا ولا كذا، ولا الدين نفسه قال هكذا. أهل الرياضة هم الذين قالوا هكذا.

برتراند راسل هو الذي يقول هكذا، قال: يبقى صفر، فلا يمكن أن ربنا غير موجود، ولا يمكن أن ربنا ليس حكيمًا، لكنه موجود وحكيم ومريد وقادر وقوي وواسع وكل الصفات التي نسمعها في القرآن.

حكمة ربط جريان النجوم بالبشر وأن الاطلاع عليها يوصل إلى تسبيح الله

إذن هناك حكمة من أنه [سبحانه وتعالى] يربط جريان النجوم بجريان البشر. إذا اطلعت على هذا القدر من النجوم، فستكون حسنة؛ لأنها ستوصلك إلى أن تقول ماذا؟ سبحان الله! قل هكذا.

أناس آخرون يريدون أن يخطوا خطوة أخرى ويقولون: حسنًا، أنا أعرف بهذا الشكل كيف ستجري الأحداث، وأريد الآن أن أراها بالضبط لكي أستكثر لنفسي من الخير.

لقد دخلنا في المشاكل، لماذا؟ لأن هذه الحسابات ضخمة جدًا لدرجة أن البشر لا يستوعبونها.

نهي النبي عن التعمق في علم النجوم وقصة إدريس والانحراف المعياري للأرض

فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا على فكرة: اسكتوا وامسكوا عن هذه الحكاية.

«إذا ذُكِرَت النجوم [فأمسكوا]»

اسمع إلى هاتين الكلمتين اللتين تُقالان هكذا، لكن لا تهب حياتك لها لكي تعرف ماذا سيحدث غدًا؛ لأنك ستصدق وتكذب وتتخبط.

أول من خط بالقلم [هو] إدريس، أخرجه البخاري، فمن وافق خطه خطه فذاك، لكن الذي لا يوافق خطه خلاص سيرتبك.

وإدريس علمه باد، يعني أُزيل. لماذا أُزيل؟ قال لها [أي لهذه المسألة]: إن الأرض فعلت ما يسمى بالانحراف المعياري ثلاث مرات، فتشوشت الحسابات كلها على بني البشر. من معه حسابات الانحرافات الثلاث؟ لا يوجد، ولذلك أُغلقت.

النبي وفّر علينا الدخول في علم النجوم والعلاقات موجودة لكن التعمق يضطرب

فالنبي عليه الصلاة والسلام وفَّر علينا ذلك وقال لنا: لا تدخلوا في هذه الطريق. عدم الدخول ليس معناه أن العلاقات [بين النجوم والحوادث] ليست غير موجودة، بل إن العلاقات موجودة ومدركة أيضًا.

تستطيع أن تدركها في مستواها الأول، وعندما تدخل المستوى الثاني تضطرب الأمور. لكن أمام عينيك وعقلك وإحساسك هي موجودة. لماذا؟ لكي تثبت لك قهرًا أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

ثم بعد ذلك، أريد أن أستفيد لنفسي؟ لا، اسكت. بعد ما عرفت هذا رياضيًا وطبيعيًا وكل شيء بعد ذلك، اسكت.

خاتمة الدرس والتفريق بين قدر العلم الموصل إلى الله وقدر العلم المؤدي للفوضى

هذا قدر من العلم يوصلك إلى الله، هذا قدر من العلم تستفيد به. في [المقابل، التعمق يؤدي إلى] الفوضى والاضطراب.

اترك هذا والتزم بذاك، وهذا ما جعله [الإمام الغزالي] يحضر هذا الكلام الآن.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.