مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 4 | أ.د علي جمعة
- •العلم مفتاح لكل ما بعده، وشرفه فوق كل شرف، وله أركان أساسية: الأستاذ، والكتاب، والمنهج، والطالب.
- •لا يمكن تحصيل العلم الحقيقي بدون أستاذ متمكن، ومن تعلم بلا شيخ حصل مجرد معلومات.
- •الكتاب ركن مهم، ولذلك اهتم المسلمون بتأليف الكتب وتدوينها ونشرها.
- •المنهج يشتمل على علوم مساعدة للتخصص الرئيسي، فالفقيه يحتاج للنحو والتاريخ.
- •يشترط في الطالب التفرغ والذكاء والحرص والاجتهاد ووجود أستاذ مرشد وطول الزمان.
- •المذاكرة نصف العلم، وتكون بمناقشة الطلاب بعضهم بعضاً ثم سؤال الشيخ.
- •المشكلة في المتصدرين للعلم قبل تمام تعلمهم، فيظهرون بمظهر العلماء وهم جهلاء.
- •نبه الإمام الغزالي في كتاب العلم من إحياء علوم الدين على سبعة أبواب تشمل فضائل العلم وآفاته وآداب المعلم والمتعلم.
- •تحصيل العلم الشرعي يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً متواصلاً، كما هو الحال في العلوم الطبية.
مقدمة الدرس والتعريف بكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع [إحياء علوم الدين] للإمام أبي حامد الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه. نعيش مع الربع الأول، ربع العبادات، والذي بدأه بالعلم، بكتاب العلم.
أركان العلم: الأستاذ والكتاب وأهميتهما في التعلم
بدأ الإمام [الغزالي] بالعلم؛ لأنه مفتاح لما بعده، وشرف العلم فوق كل شرف. والعلم له أركان، وأركان العلم أولها الأستاذ؛ فلا بد من أستاذ، فإذا لم يتعلم هذا الإنسان من أستاذ فقد حصل على بعض المعلومات [فقط دون تحقيق].
وثانيًا الكتاب؛ فلا بد من قراءة كتاب في ذلك العلم. ولذلك اهتم المسلمون بتأليف الكتب وبتدوينها وتصنيفها، وأشاعوها وجعلوا الكتاب يدخل بسببه الجنة عشرة: كاتبه ومؤلفه وبائعه وشاريه وحامله وهكذا، وتفننوا في الكتب؛ لأن الكتاب ركن من أركان العلم.
الركن الثالث من أركان العلم: المنهج والعلوم المساعدة
وثالث ذلك [من أركان العلم] هو المنهج، ويشتمل على علوم مساعدة لكل علم تريد أن تتخصص فيه. فإذا أردت أن تتخصص في علم الفقه فلا بد لك أن تقرأ في النحو وفي الصرف.
وكان مشايخنا يقولون: إذا أردت أن تتبحر في الفقه فعليك بقراءة التاريخ، وإذا أردت أن تتبحر في التاريخ فعليك بقراءة الفقه. فالمؤرخ لا بد له أن يقرأ الفقه، والفقيه لا بد له أن يقرأ التاريخ، وأن يجعل كل هذه العلوم يخدم بعضها بعضًا.
الركن الرابع: الطالب وشروطه من التفرغ والذكاء والحرص
ومن أركان العلم الطالب، ويُشترط فيه التفرغ، ولا يُشترط في الطالب إلا التفرغ والذكاء والفطنة والحرص. ولذلك نرى الشافعي يقول:
أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبئك عن تأويلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان
البُلغة هي التفرغ.
خطورة التصدر للعلم قبل التفرغ والتحصيل الحقيقي
ولذلك نجد النابتة التي نبتت لم تتفرغ للعلم، بل اشتغلت بتحصيل الدنيا وحطامها عن العلم، فأخذوا من العلم قشوره، وتصدروا قبل أن يتعلموا.
وقديمًا قالوا: من تصدّر قبل أن يتعلم كمن تزبّب قبل أن يتحصرم، بمعنى صيّر نفسه زبيبًا وهو حصرم. فإذا رأيته ظننته زبيبًا والزبيب حلو، فإذا أكلته وجدته مُرًّا. إذا رأيته من الخارج رأيت عليه سيماء أهل العلم، وإذا عرفت حقيقته وجدت عليه سيماء أهل الجهل؛ من الخارج رخام ومن الداخل فحم، أي من الخارج مظهر جميل ومن الداخل يعلم الله حقيقة الأمر.
مصيبة الاعتماد على الظاهر دون التلقي الصحيح عن المشايخ
وهذه مصيبة؛ لأنهم اعتمدوا على الظاهر دون الباطن، وعلى الكلام دون الحقيقة. وترى كل واحد منهم لا يعرف معنى الشيخ لا في التلقي ولا في الأداء، وهذا مخالف لما عليه السلف الصالح.
ركن الجو العلمي والمذاكرة بين الطلاب وأهميتها في التحصيل
ومن أركان العلم أيضًا، بالإضافة إلى الأستاذ والتلميذ والكتاب والمنهج، أن يكون كل ذلك منضبطًا بجوّ علمي يتلقى فيه الطالب عن الأستاذ، ويكون للطالب إخوة من التلاميذ يفهم منهم ويناقشهم.
ولذلك يقولون: إن المذاكرة نصف العلم، والمذاكرة معناها أن تذاكر أخاك وتناقشه، وتأتي في اليوم التالي فتسأل الشيخ. وهم [النابتة] لم يعيشوا هذه المعيشة ولم يكونوا هكذا؛ فليس لهم قرناء في الطلب؛ لأنه لم يكن هناك طلب أصلًا.
الإنكار على من يدّعي قراءة المغني لابن قدامة في شهر واحد
وترى أحدهم يقول: قرأت [المغني] لابن قدامة في شهر! يا الله! المغني لابن قدامة هذا يُقرأ في سنين طويلة، قرأه الأستاذ في شهر!
فعرفنا من هذا الهَتْر، والهَتْر في القاموس: الحُمق. أنّ لكل داء دواء يُستطبّ به، الحماقة أعيت من يداويها.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.
قراءة أبواب كتاب العلم السبعة من إحياء علوم الدين
فمع كتاب العلم نستمع اليوم من [إحياء علوم الدين]، اقرأ يا شيخ محمد.
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي رضي الله عنه، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
كتاب العلم وفيه سبعة أبواب:
- الباب الأول: في فضل العلم والتعليم والتعلم.
- الباب الثاني: في فرض العين وفرض الكفاية من العلوم، وبيان حد الفقه والكلام من علم الدين، وبيان علم الآخرة وعلم الدنيا.
- الباب الثالث: فيما تعدّه العامة من علوم الدين وليس منها، وفيه بيان جنس العلم المذموم وقدره.
- الباب الرابع: في آفات المناظرة وسبب اشتغال الناس بالخلاف والجدل.
- الباب الخامس: في آداب المعلم والمتعلم.
- الباب السادس: في آفات العلم والعلماء، والعلامات الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة.
- الباب السابع: في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار.
إعراب عنوان كتاب العلم والأوجه النحوية الثلاثة فيه
[الشيخ]: إذن، يكون الأول:
[الشيخ محمد وسام]: فضل العلم والتعليم.
[الشيخ]: كتاب فضل العلم، هذا كتاب العلم. والشيخ [الغزالي] قال عليه: كتاب العلم، بمعنى هذا كتاب العلم؛ يكون «كتابُ العلم» خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب العلم.
وتراجم الأبواب يجوز فيها «كتابَ العلم» أي بالنصب، بمعنى: اقرأ كتابَ العلم، على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: اقرأ كتاب العلم. إذ أنّ لو الشيخ وهو يقرأ قال: «كتابَ العلم» بمعنى اقرأ كتابَ العلم، أي خُذ كتابَ العلم.
الوجه الثالث بالكسر وقاعدة حذف حرف الجر وبقاء أثره
ويجوز على ضعف — مشايخنا كانوا يقولون هكذا: يجوز، وبعد ذلك يقول لك ماذا؟ على ضعف — «كتابِ العلم» بالكسر هكذا، وتعني: انظر في كتابِ العلم.
والضعف من أين جاء؟ قال: لأنه ضعيف أن تحذف حرف الجر ويبقى أثره؛ لأن «في» حرف جر حذفناه، فتذهب هي وأثرها وهو الجر. ما دمنا قد حذفنا «في»، الجر يذهب، لكن أنت أبقيته وقلت: «كتابِ العلم» [بكسر الباء].
لماذا يا أخي «كتابِ العلم»؟ قلتَ لي: لأنني حذفت «انظر في». قلت له: ما دمت قد حذفت «في» فإنه يلزم حذف الجر، لكن أنت هذا الجر يُحذف ولكن أنت لم تفعل ذلك.
خلاصة الأوجه الإعرابية الثلاثة لعنوان كتاب العلم
حذف حرف الجر وبقاء أثره ضعيف وليس باطلًا، فليس خطأً إذن وإنما ضعيف. هناك فرق بين الخطأ وهناك فرق بين الضعيف.
يبقى: «كتابُ العلم» [بالضم] وهو الشائع، «كتابَ العلم» [بالفتح] يصح أيضًا، «كتابِ العلم» [بالكسر] يجوز وفيه ضعف.
وعرفنا هنا قاعدة مهمة وأنت في الطريق تتعلم أشياء، تجمع أشياء كثيرة. ما القاعدة المهمة؟ أن حذف حرف الجر وبقاء أثره ضعيف، هذه قاعدة: هي حذف حرف الجر مع بقاء أثره ضعيف.
معنى الظرفية في قوله فيه سبعة أبواب والفرق بين الحقيقية والمجازية
حسنًا، «كتاب العلم» تعني: هذا كتاب العلم. كتاب العلم هذا فيه، كيف؟ يقول لك: فيه أبواب.
يقول الشيخ ماذا؟
[الشيخ محمد وسام]: فيه سبعة أبواب.
وفيه سبعة أبواب، فيه كيف هذا؟ «فيه» هذه للظرفية، يعني أنا في المسجد، هو محيط بنا ونحن بداخله، هذه «فيه».
كيف سيكون الكتاب فيه؟ قالوا: إن هذه ظرفية مجازية. في شيء اسمه الحقيقة وفي شيء اسمه المجاز، و«في» هذه للظرفية الحقيقية، عندما نستعملها في شيء غير الظرفية الحقيقية ستكون ظرفية مجازية.
الظرفية الحقيقية لا بد أن يكون في ظرف وهو المسجد، هذه جدران هذه حولنا ونحن بداخله حقيقة، هذه هي ظرفية حقيقية. أما الأبواب السبعة داخل الكتاب فهذه ظرفية مجازية.
تكامل العلوم وأثر التعلم المنهجي في انتظام العقل وخشية الله
إذن «فيه سبعة أبواب» إن هذا يكون مجازًا. حسنًا، وما دام مجازًا في البلاغة، قال: هل نحن نقرأ في التصوف أم نقرأ في البلاغة؟ قال: إن جميع العلوم يخدم بعضها بعضًا.
ولكن عندما تتعلم بهذه الطريقة، فإن عقلك أول شيء ينتظم. أتعرف ما الشيء الثاني؟ أن تخاف ربك؛ لماذا؟ لأنك تقول: الله، هذا علم وله علماء، ما هذا؟ هذه الحكاية ليست سهلة.
فلا تقل: قرأت المغني في شهر! لا ينفع، الأمر صعب.
الرد على من يريد أن يصبح عالمًا في سبعة أيام دون تحصيل حقيقي
ولذلك ستجد بعض الذين يسمعوننا يقولون: لا، الثاني أحسن، الثاني يجعلني عالمًا في سبعة أيام! والشيخ هذا لا يريد أن نصبح علماء. نعم، أنا أريدك أن تتقي الله.
لا ينفع أن تصبح طبيبًا في سبعة أيام! تدخل سبع سنوات كلية الطب، ثم بعدها سبع سنوات أخرى حتى يجيزوا لك أن تستقل بنفسك في العملية، من أجل أرواح الناس. فإذا كان هذا شأن رعاية الأبدان فما بالكم بشأن الأديان!
انظر إلى المشكلة كبيرة، مشكلة كبيرة أن يصبح أحدهم طبيبًا جراحًا في سبعة أيام.
الفرق بين من يُبكيك بالعلم الحقيقي ومن يُضحك الناس عليك
لكن صاحب الهوى يقول لك: لا، للشيخ الذي يتعامل بالتعقيد هذا، لماذا لا أذهب من قريب منه؟ والرجل هذا أقعد عنده شهرًا، أسمع خطبة ودرسًا، وأخرج من تحت يديه عالمًا، يقول لي: أنت شيخ المشايخ!
إذن، أيهما أفضل: الذي سيجعلنا نقعد سنين أم الذي سيجعلنا نقعد [أيامًا]؟ إن الذي سيجعلك تدرس سنين سيُبكيك ويبكي عليك [أي يُصلحك]، والذي سيجعلك تقعد سبعة أيام يُضحكك ويُضحك الناس عليك.
إذن، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما هذه إلا مصيبة كبيرة التي نحن فيها، هذه مصيبة كبيرة. فيجب أن نبحث عن هذا المجاز، ما حكاية المجاز؟ والله أعلم.
