مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 40 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 40 | أ.د علي جمعة

15 دقيقة
  • تحدث الإمام الغزالي في كتاب العلم من "إحياء علوم الدين" عن خطورة التلاعب بالمصطلحات والمفاهيم الإسلامية.
  • تناول الغزالي الألفاظ الخمسة التي حدث التباس حولها، ومنها لفظ "الفقه" الذي كان يعني قديماً معرفة الله، ثم تم تخصيصه بفروع الأحكام الظاهرة.
  • استشهد بدعاء النبي ﷺ لابن عباس "اللهم فقهه في الدين" أي فقهاً يصل به إلى الله.
  • وضح أن تغيير الأسماء منهي عنه شرعاً كما في حديث "سيأتي على أمتي زمان يستحلون فيه الخمر، يسمونها بغير اسمها".
  • عرّف الحسن البصري الفقيه بأنه "الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه" وليس مجرد الحافظ للفتاوى.
  • أشار إلى أن لفظ "العلم" كان يطلق على العلم بالله وصفاته، ثم خُصص بمن يشتغل بالمناظرة والجدل.
  • حذر من تضييق ما وسعه النبي ﷺ في الدين، واعتبر ذلك مخالفاً للمنهج النبوي الصحيح.
  • بيّن أن الشيطان يستغل هذا التخصيص والتضييق لصرف الناس عن علوم الآخرة وأحكام القلوب.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الدرس وتنبيه الغزالي على خطورة التلاعب بالمصطلحات

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب [إحياء علوم الدين]، وفي أول ما كتب [الغزالي] رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. عن العلم في [كتاب العلم]، نبّه إلى خطورة التلاعب بالمصطلحات، وأنه عندما يحدث احتلال [للمصطلحات] يحدث اختلال والتباس.

ولذلك تكلم عمّا أسماه [بالألفاظ الخمسة]، وأن هناك التباسًا حدث حولها. من هذه الألفاظ الفقه؛ فالفقه قديمًا كان هو ما يؤدي إلى معرفة الله.

دعاء النبي لابن عباس بالفقه في الدين ومعناه الحقيقي

ومنه [أي من معنى الفقه القديم] قوله صلى الله عليه وسلم:

«اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل»

وذلك على سيدنا حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. فقّهه في الدين، أي فقّهه فقهًا يصل به إلى الله، وقد كان [كذلك]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مستجاب الدعاء.

ويتكلم الإمام الغزالي عن هذه الألفاظ الخمسة ليحرّر ما كانت عليه [من معانٍ أصلية]، وأن التلاعب بالأسماء منهيٌّ عنه شرعًا.

حديث النبي عن استحلال الخمر بتغيير اسمها وقصة الملك فاروق

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«سيأتي على أمتي زمان يستحلّون فيه الخمر، يسمّونها بغير اسمها»

كأسماء البيرة والويسكي والشامبانيا الآن، فيستحلّونها بذلك. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد كان لدينا هنا في [مصر] ملك اسمه [الملك فاروق]، كان يحب الشامبانيا [أي: حبًّا شديدًا كحبه لعينيه]، وكان في نفس الوقت يقول: أنا ملك مسلم لا أشرب الخمر أبدًا، في حين أنه يشرب الشامبانيا!

فهو صادق مع نفسه ولكنه مخطئ؛ صادق مع نفسه لأنه لم يظن أن الشامبانيا خمر، ولكنه يظن أن الشامبانيا هذه عصير تفاح. فلقد جهل أن الخمر لا يأتي من العنب فقط، فلعله كان يفهم هذا [الفهم الخاطئ].

خطأ التسمية وأثره في الوقوع في المعصية واحتلال المفاهيم

فخطأ التسمية هنا قد جعل هذا الملك الذي يصرّ على ألّا يشرب الخمر يقع في معصية شرب الخمر.

إذن هناك مصائب بسبب تغيير الأسماء؛ لاحتلال المفاهيم واختلالها.

اقرأ يا شيخ محمد.

سؤال سعد بن إبراهيم الزهري عن أفقه أهل المدينة وجوابه بالتقوى

[الشيخ محمد وسام خضر]: قال حجة الإسلام [الإمام أبو حامد الغزالي] رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

وسُئل سعد بن إبراهيم الزهري رحمه الله: أيّ أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم لله تعالى.

فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه، والتقوى ثمرة العلم الباطني دون الفتاوي والأقضية.

حديث الفقيه كل الفقيه وصفاته الأربع عند سيدنا علي

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«ألا أنبئكم بالفقيه كل الفقيه؟» قالوا: بلى. قال: «من لم يُقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمّنهم من مكر الله، ولم يؤيّسهم من روح الله، ولم يدع القرآن رغبةً عنه إلى ما سواه»

وهذا الحديث رواه ابن لال في مكارم الأخلاق، وأبو بكر بن السنّي، وابن عبد البر من حديث علي رضي الله عنه. وقال ابن عبد البر: أكثرهم يوقفونه عن علي.

[الشيخ]: إذن فهو حديث موقوف أو مرفوع، وأكثر الرواة يوقفونه على [سيدنا علي] رضي الله تعالى عنه، فهو كلام بليغ، وأيضًا هو من كلام الأئمة الذين نصحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتّبع هداهم، فقال:

«فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور»

حديث أنس بن مالك عن مجالس الذكر الحقيقية وتدبر القرآن

نعم، [الشيخ محمد وسام]: ولمّا روى [أنس بن مالك] رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربع رقاب»

قال [أنس]: فالتفت إلى زيد الرقاشي وزياد النميري وقال: لم تكن مجالس الذكر حينها مثل مجالسكم هذه، يقصّ أحدكم وعظه على أصحابه ويسرد الحديث سردًا.

إنما كنّا نقعد فنذكر الإيمان، ونتدبّر القرآن، ونتفقّه في الدين، ونعدّ نعم الله علينا. تفقّهًا، فسمّى تدبّر القرآن وعدّ النعم تفقّهًا.

حديث لا يفقه العبد كل الفقه وسعة القرآن الكريم

قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، وحتى يرى للقرآن وجوهًا كثيرة»

ورُوي أيضًا موقوفًا على [أبي الدرداء] رضي الله عنه: القرآن واسع؛ لأنه كلام الله، فمن ضيّقه ضيّق الله عليه.

[الشيخ]: القرآن واسع يشمل كل البشر إلى يوم الدين، ولذلك فهو حمّال أوجه. إن القرآن واسع؛ لأن الإسلام هو هداية الله إلى العالمين وإلى يوم الدين، وليس هناك نبيّ بعد ذلك.

من أراد اختزال القرآن في عادات أمة دون أمة فقد أجرم

فمن أراد أن يختزله [أي القرآن] في عادات البدو أو عادات العرب أو عادات أمة دون أمة، فقد أجرم في حق سنّة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضيّق واسعًا؛ فلا يكون متّبعًا للنبي المصطفى والحبيب المجتبى أبدًا.

لأن النبي جاءنا بالسعة، وهذا النابت [أي المتشدد الذي نبت في الأمة بغير علم] جاءنا بالضيق. النبي صلى الله عليه وسلم وسّع علينا، وهو [النابت] يريد أن يضيّق علينا. إذن منهجه مختلف عن منهج النبوة.

الفرق بين التمسك بظاهر النبوة والتمسك بمنهج النبوة

فمن الشيطنة أن هذا النابت تمسّك بظاهر النبوة، ونحن نتمسّك بمنهج النبوة.

منهج النبوة أن النبي فتح الأبواب، ولكن النابت يقول: إن هذا الباب لم يكن مفتوحًا. فمن الذي أخبركم أن النبي فتح الأبواب؟ ثم يقول: نعم، النبي فتح الأبواب، لكن هذا الباب تحديدًا لم يرد عنه شيء، لم يقولوا إنه فتح هذا الباب بالذات!

ها، أهكذا فهمك الضيق؟ إذن أنت تفهم عكس ما فهم الأئمة الأعلام المجتهدون، وعكس ما هو في الواقع.

النابتة يضيقون ما وسعه رسول الله في الأذكار والعبادات

ونفس الأمر، ولذلك فهذا النابت يضيّق ما وسّعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. هؤلاء النابتة يفعلون هذا في الأذكار، ويفعلون هذا في العبادات، ويفعلون هذا في كل شيء في حياتهم.

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. سيغنينا الله من فضله ورسوله، لكن آن الأوان أن لا نسكت على هذا الهراء، وأن ندافع عن ديننا وعن نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن نبرز المنهج النبوي الصحيح الذي تلقّيناه كابرًا عن كابر، وتلقّيناه خلفًا عن سلف.

كتاب إحياء علوم الدين غصة في صدور النابتة ويكشف زيفهم

وهذا الإمام الكبير [حجة الإسلام]، والذي سمّته الأمة هكذا [حجة الإسلام]، ينقل لنا هكذا كلام. ولذلك يجب علينا أن نبرز ما كان خفيًّا.

فهذا الكتاب [ويشير الشيخ بيده إلى الكتاب] غصة في صدور أولئك النابتة. فلتجرّب أن تذكر اسم الكتاب أمام النابتة هكذا ذات مرة: إحياء علوم الدين، قل هذا الاسم فقط وكفى، ولا تقل شيئًا آخر، قل له هكذا: إحياء الإحياء! فستجد وجهه قد تغيّر ألوانًا؛ لأنه يكشف زيفهم، لأنه يؤسّس للعقل المسلم المستقيم وللتفكير المستقيم.

فإيّاك إيّاك أن تترك السلف الصالح، وأن تتمسّك بمن أسموا أنفسهم [السلف]، السلف الطالح! فهؤلاء بالاسم فقط، ولا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه.

اقرأ يا شيخ محمد.

قول الحسن البصري في صفات الفقيه الحقيقي وأنه ليس حافظ الفتاوي فقط

[الشيخ محمد وسام]: وقد سأل فرقد الحسنَ [البصري] عن الشيء فأجابه، فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن رحمه الله: ثكلتك أمك فريقد! وهل رأيت فقيهًا بعينك؟

إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الورع، الكافّ نفسه عن أعراض المسلمين، العفيف عن أموالهم، الناصح لجماعتهم.

ولم يقل في جميع ذلك: الحافظ لفروع الفتاوي. ولست أقول إن اسم الفقه لم يكن متناولًا للفتاوي في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستتباع، فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر.

تخصيص اسم الفقه أدى إلى الإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب

فبان من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرّد له [أي لفقه الفتاوي فقط] والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب.

ووجدوا على ذلك معينًا من الطبع؛ فإن علم الباطن غامض، والعمل به عسير، والتوصّل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذّر. فوجد الشيطان مجالًا لتحسين ذلك في القلوب بواسطة تخصيص اسم الفقه الذي هو اسم محمود في الشرع.

الفقه لا بد أن يرتبط بعلوم الآخرة والخطأ في تخصيصه وتضييقه

[الشيخ]: إذن فهذا حال الفقه؛ لا بدّ أن يرتبط بعلوم الآخرة، وأن يكون لوجه الله، وأن نضمّ إليه قضية التخلية والتحلية والنية، وأن يُربط بهم [أي بهذه المعاني].

ولذلك فإن الخطأ هنا هو التخصيص، أي أن الفقه كان دائرة كبيرة فجعلوه دائرة صغيرة [وأشار الشيخ بيديه إلى شكل الدائرة]. وأكّد في آخر كلامه أن الدائرة الصغيرة هي ضمن الدائرة الكبيرة، أي أنها كانت دائرة كبيرة تتضمن [أي تحتوي بداخلها] على دائرة صغيرة، لكنهم اختزلوه وخصّصوه في دائرة صغيرة، فهذا هو الخطأ.

وهنا تلاعب بالمفاهيم بإزاء المصطلحات، وله أساليب. من ضمن هذه الأساليب أولًا: [التخصيص]. هذه واحدة، لنستمع الآن إلى واحدة ثانية. تفضّل [مولانا، يقصد الشيخ وسام].

اللفظ الثاني العلم وتخصيصه بالمناظرة بعد أن كان يطلق على العلم بالله

[الشيخ وسام]: اللفظ الثاني هو [العلم]، وقد كان يُطلق ذلك على العلم بالله تعالى وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه.

حتى إنه لمّا مات [عمر رضي الله عنه] قال [ابن مسعود رحمه الله]: لقد مات تسعة أعشار العلم. فعرّفه بالألف واللام ثم فسّره بالعلم بالله سبحانه وتعالى.

وقد تصرّفوا فيه أيضًا بالتخصيص، حتى شهروه في الأكثر بمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الفقهية وغيرها، فيُقال: "هو العالم على الحقيقة، وهو الفحل في العلم". ومن لا يمارس ذلك ولا يشتغل به يُعدّ من جملة الضعفاء، ولا يعدّونه في زمرة أهل العلم.

فضائل العلم للعلماء بالله وتخصيص لفظ العلم بالجدل سبب مهلك

وهذا أيضًا تصرّف بالتخصيص، ولكن ما ورد من فضائل العلم والعلماء أكثره في العلماء بالله تعالى وبأحكامه وبأفعاله وصفاته.

وقد صار الآن مطلقًا على من لا يحيط من علوم الشرع بشيء سوى رسوم جدلية في مسائل خلافية، فيُعدّ بذلك من فحول العلماء، مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب وغيره. وصار ذلك سببًا مهلكًا لخلق كثير من أهل طلب العلم.

[الشيخ]: والله تعالى أعلى وأعلم.