مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 43 | أ.د علي جمعة
- •يحذر الإمام الغزالي من تحريف مصطلحات العلم والفقه والذكر، ومن نسيان علوم الآخرة التي توصل إلى الله.
- •ينتقد صنفين من الشطح: الأول دعاوى الاتحاد والحلول مع الله وسقوط التكليف، وهي عقائد باطلة دخلت الإسلام من أديان أخرى.
- •الرسول صلى الله عليه وسلم لم يسقط عنه التكليف رغم مكانته العظيمة، بل فرض عليه قيام الليل وكان يواصل الصيام.
- •يوضح أن من يدعي سقوط التكليف بعد الوصول لمقام الإحسان فقد وقع في غباوة وباطل.
- •الصنف الثاني من الشطح: كلمات غامضة مشوشة للقلوب مدهشة للعقول، إما لخلل في عقل قائلها أو لعجزه عن التعبير.
- •يستشهد بأحاديث تحذر من تحديث الناس بما لا يفقهون، وبقول عيسى عليه السلام في عدم وضع الحكمة في غير أهلها.
مقدمة الدرس وموضوع تحريف المصطلحات الشرعية عند الإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وهو يتحدث عن مصطلح العلم، وعن مصطلح الفقه، وعن مصطلح الذكر والتذكير.
ويرى [الإمام الغزالي] أن شيئًا ما قد أصاب هذه المصطلحات أوجبت تلبيسًا وتدليسًا، ونُسيت في هذه المعاني الجديدة علومُ الآخرة. نُسيت علوم الآخرة، وعلوم الآخرة هي التي توصل إلى الله وهي المقصود الأهم، وهي مع أن علوم الدنيا مهمة إلا أن الأهم هو علوم الآخرة، فكلاهما لا بد منه. اقرأ يا شيخ محمد.
الصنف الأول من الشطح: دعاوى الاتحاد والحلول عند بعض المتصوفة
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية. أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا وقلنا كذا.
ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صُلِب لأجل إطلاقه كلماتٍ من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: «أنا الحق»، وبما حُكِي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: «سبحاني سبحاني».
خطورة كلام الشطح على العوام وانتشار البطالة عن الأعمال
وهذا فن من الكلام عظيمٌ ضرره في العوام، حتى ترك جماعةٌ من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوى؛ فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال.
فلا تعجز الأغبياء عن ادعاء ذلك لأنفسهم، ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة. ومهما أُنكِر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يظهر إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق.
حكم من نطق بالشطح وموقف الغزالي من أبي يزيد البسطامي
فهذا ومثله مما قد استطال في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة.
وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يُحكى، وإن سُمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه، كما لو سمع وهو يقول:
﴿إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا فَٱعْبُدْنِى﴾ [طه: 14]
فإنه ما كان ينبغي أن يُفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية [أي حكاية كلام الله تعالى لا ادعاء الألوهية].
بيان أن دعوى الاتحاد والحلول كفر مخالف لعقيدة المسلمين
[الشيخ]: إذن هؤلاء أقوام ملاحدة تزيّوا بالإسلام، وهؤلاء الملاحدة يدّعون أمرين:
الأمر الأول: الاتحاد والحلول، وحاشا لله. فالمستقر في العقيدة وخلاف ذلك كفر: أن الرب ربٌّ وأن العبد عبدٌ، وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق، ومن قال غير ذلك فليس بمسلم.
هؤلاء يحدث لهم خلل نفسي أو عقلي أو ذهاني؛ إما نفسي وإما ذهاني وإما عقلي، فيدّعي أنه قد اتصل بالإله. وهي عقائد غير المسلمين من البوذية ومن الشنتو، ولكن المسلمين لا يعرفون هذا الصنف.
أصل دخول عقائد الاتحاد إلى الإسلام من الديانات الشرقية
وهذا [الانحراف] دخل من دخول بعضهم إلى الإسلام، وكان يستلذ فيما هو فيه مما يفعلونه في الزن وما يفعلونه في اليوجا وما يفعلونه من الاتصال بالطاقة العليا، إلى آخر ما هنالك من أساطير، وهي أحوال نفسية لا أكثر ولا أقل.
والأمر الثاني: سقوط التكليف. ولو كان الله سبحانه وتعالى قد حدّد حدًّا يسقط التكليف عمن وصل إليه، لكان أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الكائنات، وقد وصل إلى ما لم يصل إليه بشر، أن لا يصلي ولا يصوم وهكذا.
النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس عبادة وتكليفاً رداً على دعوى سقوط التكليف
وعلى العكس كان [النبي ﷺ]، فقد فُرض عليه صلى الله عليه وسلم قيام الليل فرضًا:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]
وكان صلى الله عليه وسلم يواصل في الصيام، أي يضاعف الصيام. وكان صلى الله عليه وسلم إذا ابتُلي بالمرض تَوَجَّع بقدر رجلين، أي أن المرض الذي يصيبه يكفي لإصابة اثنين.
وكان صلى الله عليه وسلم كما قال عنه الصحابة: «كنا إذا اشتد أو حمي الوطيس احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم»، مثل الأسد. فأي أسد هذا الذي يشبه النبي عليه الصلاة والسلام!
شجاعة النبي في القتال وبطلان دعوى سقوط التكليف بالآية الكريمة
إذن فقد كان [النبي ﷺ] متقدم الصفوف وكانوا يحتمون وراءه؛ لأنهم خائفون أو غير قادرين، فكان يحميهم جميعًا صلى الله عليه وسلم. هكذا كان عمله، كان يفعل هذا.
﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]
الذي هو الموت. إذن فسقوط التكليف خرافة جاءت ودخلت في الذهن المسلم عن طريق من أسلم من هذه الأقوام الذين يريدون هدم الدين والتلبيس، يدّعون أن سلوك مرتبة الإحسان يؤول بنا إلى الحلول والاتحاد وسقوط التكليف، لا يقولون إلا هذا.
تنبيه الإمام الغزالي على بطلان سقوط التكليف ووجوب اتباع السنة
يقولون لك: هل ستقول بسقوط التكليف؟ هذه غباوة نبّه عليها الإمام الغزالي أن هذا باطل من القول وزور، وأن هذا غير مقبول، وأننا نفعل هذا [العبادة] عبادةً لله مخلصين على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ليس هناك طرفة عين قالها الصوفية [الحقيقيون] إلا وهم يستدلون بالحديث كالفقهاء. فلما رأى هؤلاء النابتة [المتشددون الجدد] ذلك، ابتدعوا حكاية مساواة الحديث الضعيف بالموضوع، والتي لم يقلها أي إمام من أئمة المسلمين، لا البخاري ولا مسلم ولا أبو بكر بن العربي ولا أبو شامة ولا ابن حزم.
إجماع العلماء على العمل بالحديث الضعيف وتجرؤ النابتة على تضعيف صحيح مسلم
يأتيك أحدهم ويقول: لعله موضوع. لا، ليس هناك من العلماء من يقل بهذا، فكلهم جميعًا قد أخذوا بالحديث الضعيف.
فاضطرت النابتة - هذه مشكلة - أن يُضعّفوا ما في صحيح مسلم! فضعّفوا رواية أبي الزبير المكي عن جابر في صحيح مسلم. احترنا الآن! صحيح مسلم الذي أجمعت الأمة عليه، قال [أحدهم]: لا، هكذا أريد هذا، أريد أن يكون ضعيفًا. حسنًا، أنعمل بالهوى؟!
الخلل في الاستدلال بتضعيف الحديث لإبطال المسألة: مثال السبحة
وأيضًا عندهم شيء آخر، يقولون: حديث «نِعْمَ المذكِّر السبحة» ضعيف. طالما ضعيف، فماذا يكون؟ باطل! وما دام باطلًا فالسبحة بدعة! «نِعْمَ المذكِّر السبحة» ضعيف، فما الذي جعل السبحة بدعة؟
نفترض مثالًا: أنه وُجد حديث يقول: «صلِّ الظهر»، لا يوجد حديث يقول: «صلِّ الظهر»، فهل هذا يعني أن صلاة الظهر بدعة؟ ما علاقة نفي الحديث؟!
الحديث ينص على قول. مثال: حديث يُنسب إلى رسول الله يقول: «قولوا لا إله إلا الله»، نص الحديث: «قولوا لا إله إلا الله» فقط وانتهى. من أخرجه؟ لا أحد. فهل هذا يعني أن قول لا إله إلا الله بدعة؟! هذا خلل في الاستدلال، وخلل في المعقول، وشيء لا يصدقه عقل عاقل، وهو موجود.
أدلة مشروعية السبحة من فعل الصحابة والسيدة صفية
راجعوا كتبهم، يقول لك: «نِعْمَ المذكِّر السبحة» ضعيف فالسبحة بدعة. هل عندما يبطل شيئًا يستدل به شخص ما، هل تصبح المسألة باطلة؟ من الممكن أن يكون لها أدلة أخرى.
ألّف فيها السيوطي في الحاوي للفتاوى، وقالوا إن خمسة من الصحابة اتخذوا السبحة. ها هو دليل آخر: فاطمة بنت الحسين وأبو هريرة وسعد بن أبي وقاص، وجاءوا بدليل أصيل عند السيدة صفية وهي تسبح بالنوى أو بالحصى.
فما الذي تفعلونه هذا؟ لماذا؟ حتى ولذلك لكي يقولون عني مبتدع عندما يجدوني ممسكًا بسبحة، وما دمت مبتدعًا فلا تستمع إليّ وأغلق قلبك على الفور.
السبحة ليست بدعة بل نِعْمَ المذكِّر وهي تذكر بالله تعالى
[الشيخ محمد وسام]: هذا خلل في العقيدة.
[الشيخ]: بل خلل في طريقة التفكير، والله خلل في طريقة التفكير. حسنًا، نُظهر السبحة ونلفها لهم هكذا! ما دامت السبحة أصبحت بدعة، السبحة!
يا أخي، «نِعْمَ المذكِّر السبحة» هذا كلام صحيح؛ طالما السبحة في يدي أتذكر ذكر الله، وعندما لا تكون في يدي أنشغل بملهيات الدنيا. فقال أحدهم: «نِعْمَ المُذكِّر السبحة» وحسب. هل يجب أن يكون هذا حديثًا؟ شخص قال كلمة حق.
قصة عالم الفلك وقاعدة يوم صيامكم يوم نحركم وخلل نسبتها للنبي
وآخر من أعضاء الهيئة - أي علم الفلك - قال: يوم صيامكم هو يوم نحركم، هو يوم سنتكم الجديدة. هذا ليس حديثًا. فقال أحدهم: قال رسول الله! لماذا نسبته إلى رسول الله؟ فأجاب: لقد درستها لمدة ثلاثين سنة ووجدتها صحيحة.
نعم، إنها قاعدة فلكية من علماء الفلك يقولونها: إنّ يوم صيامكم كان يوم الثلاثاء، ستجد أن يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) يوم الثلاثاء أيضًا، وستجد أن أول السنة (الأول من المحرم) يوم الثلاثاء، إذا كانت الرؤية تسير بشكل صحيح.
واستمرت هذه القاعدة ثلاثين سنة، فقلتُ أنا: إن هذه القاعدة حديث [أي نسبها للنبي ﷺ خطأً].
الخلل في اعتبار بطلان الحديث دليلاً على بدعة المسألة
فيقولون لك: لا، هذا باطل، حديث باطل. هذا صحيح بالفعل، ليس حديثًا أصلًا وهو حديث باطل.
ويظهر هنا الخلل إذن: وما دام الحديث باطلًا فهو بدعة! وما هي البدعة؟ هؤلاء أناس يحسبون حسابات ويرون مرئيات في الكون، ما شأن هذا وما شأن البدعة؟! وهذه هي حجتهم دائمًا.
والله إن هذا لتُسقِط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع! هذا الكلام، وكل هذا يُقال بمسلّمات، بمسلّمات! وترى لحية كل واحد منهم ما شاء الله تملأ صدره. قال: هذه سنة حسنة.
العلم بالتعلم لا بالمظاهر وحكم إطلاق اللحية عند المذاهب الأربعة
ليس بطول اللحى يستوجبون القضاء، إن كان هذا بذا فالتيس عدل الرضا! لماذا تفعل هكذا يا أخي؟
العلم بالتعلم وليس بإطلاق اللحية. اللحية واجب إطلاقها عند الإمام مالك وعند أبي حنيفة وعند أحمد بن حنبل، وسنة عند الإمام الشافعي. لكن أتظن أنه عندما يُقبض عليك [أي تطول لحيتك] شهرين أنك أصبحت عالمًا؟ والآخر عندما يرتدي الجلباب القصير أصبح عالمًا؟
خطورة التصدر للعلم بعد دورة واحدة دون تعلم حقيقي
قالوا لي: نعم. فقلت لهم: لماذا؟ قالوا: إنك لا تنتبه، أنه يذهب ليدرس لهم من الفجر للعشاء يوم واحد فقط، ثم يخرج الإنسان.
مَن عنده فقيها؟ الله! ولا كبار أولياء الله الصالحين [يستطيعون أن يفعلوا ذلك]! لا يستطيع أن يفعله كبار أولياء الله الصالحين! كيف؟
قالوا: إن لديه متنًا لا أعرف اسمه، لشخص مجهول، ويدرّسونه منذ الفجر، يجلسون للدراسة اثنتي عشرة ساعة، وبعد ذلك تصبح فقيهًا! ونحن نقول له: ستدرس أربعين سنة؟! بالتأكيد ذلك الشخص سيفضل أن يأخذ هذا العلم السريع أفضل منك.
التحذير من التصدر بلا علم والافتراء على دين الله
إذا كان هناك شخص يقول له: أنت عالم بعد اثني عشر ساعة! ونحن نقول له: احذر، احذر، احذر.
نعم، أنا أحذره من النار، لكنه مع صاحبه الذي أعطاه الإجازة هما الاثنان في النار إن شاء الله؛ لأنه تصدّر قبل أن يتعلم، لأنه افترى على دين الله سبحانه وتعالى.
وقد ظهر الكلام بعد أن سكتنا نحو ثلاثين أو أربعين سنة، ظهر الكلام واتضح وفاحت الرائحة الكريهة. لماذا؟ لأنه رفض أن يتعلم، لم يرضَ [بالتعلم الحقيقي].
أهمية السند المتصل في العلم الشرعي وافتقار النابتة إليه
ماذا يعمل الأخ؟ يقول لك: طبيب. ماذا يعمل الأخ؟ مهندس. من أي كلية تخريج الأخ؟ إعلام. وماذا عن هذا السيد؟ زراعة. وماذا عن هذا الأخ؟ تجارة. حسنًا، لماذا لم تتعلموا [العلم الشرعي]؟ هل هناك أحد منعكم من التعليم؟
فقال له: نحن متعلمون، ولدينا مشايخ. مَن هو شيخكم؟ شيخ فلان والشيخ فلان. من هو شيخه؟ قالوا: لا يوجد. يكفي هذا! هذا ما يحدث يا إخواننا.
أليس لديكم سند متصل يُسمى سند المتشددين إلى رسول الله؟ ليس لديهم سند ولا سند واحد! أنا لدي سند متصل بالشافعي، ولدي سند متصل بالمصريين، ولدي سند متصل بالمحدثين، ولدي سند متصل. فماذا لديكم أنتم؟
قصة تمزيق الإجازة العلمية والافتخار بتحطيم العلم
قالوا: لا، هذه مجرد أسانيد، ليس لها أهمية.
ذات مرة ذهب أحد مشايخهم إلى الشيخ راغب الطباخ، فأعطاه إجازة، ولكن عندما ابتعد قليلًا ندم وقال: هذه الإجازة ستفضحني، ليست في صفّي. فقطعها وأصبح بلا إجازة، وكتب هذا بيده!
فيفتخرون بذلك! يفتخرون أنهم حطّموا العلم! انظر الفرق بين هذا وبين الذي نقرأه الآن. اقرأ يا شيخ محمد.
الصنف الثاني من الشطح: كلمات غير مفهومة صادرة عن خلل عقلي أو ذهاني
[الشيخ محمد وسام]: الصنف الثاني من الشطح: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل. وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه.
[الشيخ]: لدينا ثلاثة أنواع من الأمراض: أمراض نفسية، وتليها أمراض ذهانية (من الذهن يعني)، وتليها الأشد: أمراض عقلية.
وكل ذلك يصيب الإنسان بخلل في الإدراك؛ إما إدراك الزمان أو المكان أو الأشخاص أو الأحوال. فإذا فقد الجميع فقد وصل إلى المرض العقلي الذي هو الجنون إن كان مطبقًا مستمرًّا، أو العته.
التفريق بين الخلل العقلي والذهاني في كلام الغزالي وعلماء النفس
ولذلك الشيخ [الغزالي] هنا يقول: إما في عقله أو في مخيلته، يقصد الذهاني الذي سماه علماء النفس لاحقًا بالذهاني.
[الشيخ محمد وسام]: قال: وهذا هو الأكثر. وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره؛ لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريقة التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة.
ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوّش القلوب ويدهش العقول ويحيّر الأذهان، أو يحمل على أن يُفهم منها معانٍ ما أُريدت بها، ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه.
النهي عن تحديث الناس بما لا يفقهون وأحاديث النبي في ذلك
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«ما حدّث أحدكم قومًا بحديث لا يفقهونه إلا كان فتنة عليهم»
هذا الحديث رواه العقيلي في الضعفاء وابن السني وأبو نعيم في الرياء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد ضعيف، ولمسلم في مقدمة صحيحه موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«كلّموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله»
وهذا الحديث رواه البخاري موقوفًا على علي رضي الله عنه، ورفعه أبو منصور الديلمي [صاحب مسند الفردوس] في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم.
حرمة ذكر ما لا يفهمه المستمع وقول عيسى عليه السلام في وضع الحكمة
وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله؟ فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره.
وقال عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء.
وفي لفظ آخر: من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل، ومن منعها أهلها فقد ظلم. إن للحكمة حقًّا وإن لها أهلًا، فأعطِ كل ذي حق حقه.
إكثار الغزالي من الرواية عن عيسى عليه السلام وأهمية جمعها
[الشيخ]: كان الشيخ [الإمام] الغزالي يُكثر الرواية عن عيسى [عليه السلام]، ولو اُنتُدب باحث لجمع ما ورد في هذا الكتاب [إحياء علوم الدين] منسوبًا إلى سيدنا عيسى، لصحّح كثيرًا من المفاهيم، والله تعالى أعلى وأعلم. شكرًا.
