مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 46  | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 46 | أ.د علي جمعة

19 دقيقة
  • قسّم الإمام الغزالي العلوم إلى ثلاثة أقسام: علم مذموم قليله وكثيره، وعلم محمود قليله وكثيره، وعلم يُحمد منه مقدار الكفاية دون الزيادة.
  • العلم المذموم ما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا أو يغلب ضرره نفعه كالسحر والطلسمات وعلم النجوم المبني على الأوهام.
  • العلم المحمود إلى أقصى غاياته هو العلم بالله وصفاته وأفعاله وسننه وحكمته، وهو مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة.
  • العلم المكنون لا يُسطر في الكتب ويُعان عليه بالتعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة، ثم بالمجاهدة والرياضة وتصفية القلب.
  • العلم المنضبط هو ما يمكن نقله للآخرين، أما الفكر فهو طليق يغذي العلم.
  • الأذواق والملكات حالات تحدث للعالم ولا يستطيع التعبير عنها باللغة، وتتكرر مع البشر عبر العصور.
  • يجب الرجوع إلى الشريعة كأساس، فإذا خالف الفهم الشريعة فالفهم خطأ والشريعة صحيحة.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

مقدمة الدرس والشروع في قراءة كتاب إحياء علوم الدين

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نقرأ إن شاء الله في كتاب [إحياء علوم الدين].

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله به وبعلومكم في الدارين، آمين.

بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة وأقسام العلم الثلاثة

بيان القدر المحمود من العلوم المحمودة. اعلم أن العلم بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:

  1. قسم هو مذموم قليله وكثيره.
  2. وقسم هو محمود قليله وكثيره، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل.
  3. وقسم يُحمد منه مقدار الكفاية، ولا يُحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه.

وهو مثل أحوال البدن؛ فإن منها ما يُحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال، ومنها ما يُذم قليله وكثيره كالقبح وسوء الخلق، ومنها ما يُحمد الاقتصاد فيه كبذل المال؛ فإن التبذير لا يُحمد فيه وهو بذل، وكالشجاعة؛ فإن التهور لا يُحمد فيها وإن كان من جنس الشجاعة، فكذلك العلم.

تفصيل أقسام العلم بين المحمود والمذموم والمتردد بينهما

[الشيخ]: إذن، فالعلم منه محمود خالص، ومنه مذموم خالص، ومنه ما تردد بينهما فيُحمد على قدر، فإذا زاد على ذلك القدر فإنه يُذم. وكما قالوا: كل شيء زاد عن حده انقلب إلى ضده.

وسيُبيّن [الإمام الغزالي] حال العلوم الثلاثة: المحمود، والمذموم — المحمود لفعله، والمذموم لاجتنابه — والثالث للأخذ بالقدر المحمود وترك المذموم. نعم.

القسم المذموم من العلوم وأمثلته كعلم السحر والنجوم

[الشيخ محمد وسام]: فالقسم المذموم منه قليله وكثيره هو ما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا؛ إذ فيه ضرر يغلب نفعه كعلم السحر والطلسمات والنجوم.

فبعضه لا فائدة فيه أصلًا، وصرف العمر — الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان — إليه إضاعة، وإضاعة النفيس مذمومة. ومنه ما فيه ضرر يزيد على ما يُظن أنه يحصل به من قضاء وطر في الدنيا؛ فإن ذلك لا يُعتد به بالإضافة إلى الضرر الحاصل عنه.

العلوم المبنية على الأوهام وعلم النجوم وعلاقته بالحوادث الأرضية

[الشيخ]: إذن، هناك علوم ومعلومات لكن مبناها الأوهام، فهي وهم لا حقيقة له، أو حقيقتها ضارة. فإذا كانت من هذا القبيل فهي مذمومة تمامًا.

وضرب المثال بعلم النجوم؛ فإنه كما قال العلماء: هناك علاقة ما بين جريان النجوم وبين أحداث ما يحدث في الأرض، لكن هذه العلاقة لا يعلمها إلا الله، وإن كان قد أنشأ الخلق عليها، لكن اختلّ إدراكها. واختلال إدراكها ناتج من عدم معرفة حسابات تتعلق بها.

دلالة تعقيد الخلق على وجود مدبر حكيم سبحانه وتعالى

الله من شدة حكمته سبحانه وتعالى وكمالها؛ فإنه خلق أشياء وتداخلت هذه الأشياء ليست بصورة بسيطة، بل بصورة معقدة. وكلما اطلعت أنت على تعقيدها كلما قلت: سبحان الله، كيف يتم هذا!

لا بد من مدبر حكيم وراء هذا الخلق؛ فإن الأمر ليس بالبساطة التي يمكن أن تكون بالصدفة، وليس بالتضاد الذي يكون بالاتفاق هكذا. فكلما رأيت الحكمة معقدة أدركت أن هناك مدبرًا حكيمًا وراء هذا الترتيب.

انقطاع السبيل لإدراك قواعد النجوم بعد سيدنا إدريس وما ذكره ابن القيم

ولكن هل تتوصل بها [بحركة النجوم] إلى إدراك الحوادث؟ قالوا إن هذا كان بالأمر الأول، وكان قد أوتي سيدنا إدريس هذا الأمر. وفي البخاري:

«إن أول من خط بالقلم إدريس، فمن وافق خطه فذاك»

يعني إذا أدركت قواعد إدريس ستصل إلى النتائج، وإلا كان معممًا [غير دقيق].

فهذا المعنى يشير إليه ابن القيم في كتاب [زاد المعاد]، ويُقرِّر أن هذه الدنيا بُنيت فعلًا على الحكمة المتناهية، إلا أنه قد انقطع بنا السبيل لإدراك تلك القواعد، فأصبح السعي في تحصيلها من باب الأوهام والحدس، وليس من باب ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول.

تعليل اختلال حساب النجوم بردّ الشمس لبعض الأنبياء والأولياء

وعللوا ذلك بعلل لعلها تكون صحيحة ولعلها لا تكون، منها أن الشمس رُدّت لمجموعة من البشر. فعندما رُدّت الشمس لمجموعة من البشر بأن كانت على وشك الغروب ثم رجعت، اختلّ الحساب؛ حيث كان الحساب منضبطًا على سيرها الأول.

وكما نعلم الآن أن الشمس تسير بسير الأرض — تسير في ظاهر العين بسير الأرض — فكأن الأرض قد توقفت بل ورجعت على عكس الاتجاه. فعندما حدث هذا ليوشع وحدث هذا لسليمان وحدث هذا لسيدنا علي، اختلّ النظام ولم ندرك بعد ذلك الحساب ولا كيفية التحصيل. وعلى ذلك أصبح تحصيل ذلك من باب الأوهام.

كذب المنجمين وبيان أن علمهم مبني على الوهم لا على قاعدة علمية

فأصبح علم النجوم غير مقبول، وكذب المنجمون ولو صدفوا، أي لو وافقهم الصواب بالمصادفة فهم أيضًا كاذبون؛ لأنهم لا يسيرون على قاعدة مطردة ولا على قاعدة علمية، إنما يسيرون على أمور وهمية، ولعلها تكون رمية من غير رامٍ.

فهذا يبين لنا أنواع العلوم المذمومة؛ فكل علم بُني على التخمين والاحتيال والأسطورة والخيال، دون أن يكون له واقع محسوس مدرك له قواعد، فهو علم من العلوم المذمومة الذي يُذم كثيره وقليله.

خلط الإعلام بين الخبر والرأي والرغبة وأثره في شيوع العلوم المذمومة

ولقد رأينا شيئًا من هذا عندما خلط الإعلام ما بين الخبر والرأي والرغبة والمُراد، وجعل الكل على حد سواء، فجعل الرأي خبرًا وجعل الخبر رأيًا وجعل الرغبة كذلك، فاختلّ النظام.

فأصبحت هذه العلوم هي علوم مذمومة كلها، ويجب أن نرجع إلى الأصل: أن الخبر خبر وأن الرأي رأي وأن الخدمة خدمة، وهكذا؛ لأن الإعلام في أصله كان هكذا.

ذم التصدر للعلم قبل التعلم وشيوع الفتنة بسبب الكلام بلا تحقيق

وهناك آلاف من العلوم التي يبنيها المتكلم من غير بيان، وهذا الذي قالوا فيه أنه تصدّر قبل أن يتعلم، ومن تصدّر قبل أن يتعلم كمن تزبّب قبل أن يتحصرم، وشاعت الفتنة.

فكل من هبّ ودبّ يتكلم بأسطورة في ذهنه من غير تدقيق ولا تحقيق، ويظن في نفسه أنه عرف وهو قد جهل. وهكذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. تفضل.

القسم المحمود من العلوم وهو العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله

[الشيخ محمد وسام]: وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا؛ فإن هذا علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة.

وبذل المقدور فيه إلى أقصى الجهد قصور عن حد الواجب؛ فإنه البحر الذي لا يُدرك غوره، وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يُسّر لهم. وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم، على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوتهم وتفاوت تقدير الله تعالى في حقهم.

العلم المكنون الذي لا يُسطَّر في الكتب وسبل تحصيله بالمجاهدة

وهذا هو العلم المكنون الذي لا يُسطَّر في الكتب، ويُعين على التنبه له التعلُّم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة — كما سيأتي علامتهم — هذا في أول الأمر.

ويُعين عليه في الآخرة المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبه فيها بالأنبياء والأولياء، ليتضح منه لكل ساعٍ إلى طلبه بقدر الرزق لا بقدر الجهد. ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد؛ فالمجاهدة مفتاح الهداية، لا مفتاح لها سواها.

الفرق بين العلم المقيد والفكر الطليق وكيف يغذي الفكر العلم

[الشيخ]: هنا هناك علم، والعلم هو المنضبط القابل للتكرار الذي يستطيع الشيخ أن يعلمه لتلاميذه، وهو في صورة قواعد وفي صورة جمل مفيدة وفي صورة مسائل وفي صور يستطيع فيها العالم أن ينقله لمن بعده.

وهناك ما يسمى بالفكر، والفكر طليق. تأتي الفكرة في ذهن الإنسان فيعبر عنها، ويجوز أن يعبر عنها بتعبير آخر وثالث ورابع إلى أن يصل إلى تعبير دقيق يساوي هذه الفكرة ويضعها فيه فتصير علمًا. الفكر هو الذي يغذي العلم؛ الفكر طليق والعلم مقيد.

الأذواق والملكات التي تحصل بالدربة وعجز اللغة عن التعبير عنها

هذا العلم [المقيد] وذلك الفكر الطليق، والمقيد — العلم المقيد — والفكر الطليق، كلما سعى فيه الإنسان فإنها تُحدِث له دربة، فيحدث له ما يُسمى بالأذواق والملكات.

وهذا هو الذي يتكلم عنه الشيخ الغزالي؛ يتكلم عن الأذواق. والأذواق تحدث للإنسان وقد لا تحدث لغيره، ولذلك قد تصل في مرتبة من مراتبها إلى أن تعجز اللغة عن أدائها، فلا تستطيع مفردات اللغة أن تعبر عن الذوق الذي شعرت به. أنت تشعر به وتدركه ولكن لا تستطيع أن تعبر عنه باللغة.

تشبيه الأذواق بحال المحدث والصيرفي في إدراك ما لا يُعبَّر عنه

وهذا حال يحدث للمحدثين في شأن العلة التي تكتنف الحديث، فيقولون: أمر ينقدح في نفس المحدث لا يحسن التعبير عنه، كالصيرفي؛ فإنه يضرب الدينار ويعرف إذا كان مزيفًا أم لا، ومن أين وزنه كما هو.

ما الذي جعل الصيرفي يضرب هكذا الرنة؟ حسنًا، قل لي كيف يبدو شكل الرنة لكي أتعلم. يقول لك: لا أعرف، هذه تحتاج إلى الممارسة. تأتي بمائة دينار سليمة وتظل ترنّهم، ترنّهم، ترنّهم الرنة، أذنك اعتادت عليها.

وعندما تأتي وترنّ المزيف أو المغشوش، تجد أنه مزيف. لماذا؟ كيف عرفت؟ من أين؟ إنه هو هو شكلًا ووزنًا وهكذا إلى آخره. يقول: إن رنته ليست مضبوطة، رنته غير مضبوطة.

الأذواق الربانية التي لا يُعبَّر عنها واللجوء إلى الرمز في التعبير

والتي هي ماذا؟ أين الرنة الأولى والرنة الثانية؟ لا يعرف كيف يتكلم، ولا يحسن التعبير عنه. فهذا يكون من قبيل الأذواق.

فيحدث هناك معارف بالله سبحانه وتعالى لا يستطيع الإنسان أن يعبر عنها؛ لأنها خاصة به. فينتقلون إلى الرمز في بعض الأحيان، أو يكتمونها. وإذا انتقلوا، انتقلوا إلى الرمز.

كما تقول إن الشيء الفلاني أحلى من العسل وهو لا علاقة له بالعسل، إنما هو رمز يقرب لك الحال: أن العسل طعمه حلو، أما هذا الذي يتكلم عنه فلا علاقة له بتلك الحلاوة الحسية، فيلجؤون إلى الرمز.

دليل أحقية الأذواق تكرارها عبر العصور كما ذكر الإمام السيوطي

وهذا الرمز قد يكون بين أولئك الذين شعروا بذات الشعور. ويقول الإمام السيوطي في [تأييد الحقيقة العلية بالطريقة الشاذلية]: إن مما يدل على أحقية هذه الأذواق أنها تتكرر مع طائفة من البشر عبر العصور.

فإذا قرأ كلام الأول فهمه دون سواه، حتى قالوا: كتبنا حرام على غيرنا؛ لأن الغير إذا قرأها فهم منها شيئًا آخر، وقد يكون هذا الشيء — والعياذ بالله — مخالفًا في ذهنه، في قائمة ذهنه، للشريعة. وهذا لا يجوز؛ لأن الشريعة مصونة محمية تبقى كما هي وهي الأساس.

ضابط فهم الأذواق: الشريعة هي المعيار ولا يجوز الخروج عنها

فإذا فهمت شيئًا وجاء هذا الشيء مخالفًا للشريعة، فاعلم أن فهمك خطأ وأن الشريعة هي الصحيحة، فلا يمكن الخروج عن الشريعة بأي حال من الأحوال.

ولذلك من كتبوا في تلك الأذواق والفتوحات وضعوا المعيار أولًا في كتبهم، كـمحيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه في [الفتوحات]؛ فإنه خصص بابًا في الأول ترجع إليه، فإذا فهمت شيئًا مخالفًا لهذا الأول ففهمك هو الخطأ، وأنت لم تصل بعد لمعرفة حقيقة هذا.

هذا كان فيه إشارة أو رمز يوصلك إلى معنى يوافق هذا، لكنه إذا جاء في ذهنك ما يخالفه، فذهنك مخطئ. وضعوا هذا وضبطوه وتكلموا.

تكرار الأذواق عبر القرون دليل أحقيتها وسبل الوصول إليها بالتقوى والذكر

فلمّا يذكرون تلك الأذواق، لا داعي لذلك [أي لا داعي لإنكارها]. قالوا حرصًا منهم على هذه الحال لمن بعدهم، التي هي الكلام الذي ذكره السيوطي في تأييد الحقيقة: أن مما يدل على أحقية تلك الأمور أنها تتكرر مع البشر عبر القرون والسنين والدهور والأماكن.

وهذا التكرار يبين أحقيتها؛ لأن هذا الذي في عصرنا كيف وصل إليها؟ كيف وصل إلى ما وصل إليه ابن العربي منذ ثمانية قرون أو تسعة قرون، وهكذا، من غير أن يكون له به تعليم؟ لأنها لا تُعلَّم، إنما يُتوصل إليها من كثرة التقوى والاستمرار على الذكر والالتزام الظاهر بالشريعة وتخلية الباطن من كل قبيح إلى آخر ما هنالك.

إشارة الإمام الغزالي إلى الأذواق في عبارته القصيرة والختام

يشير إلى كل ذلك الإمام الغزالي في تلك العبارة القصيرة، إلا أنها أخذت من أولياء الله مباحث كثيرة وكتابات كثيرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.