مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 47 | أ.د علي جمعة
- •العلوم التي لا يُحمد منها إلا مقدار مخصوص هي علوم فروض الكفايات، وتنقسم إلى اقتصار واقتصاد واستقصاء.
- •ينبغي للإنسان إصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، ومن أهم العلوم المهملة علم صفات القلب المحمودة والمذمومة.
- •انشغال الناس بالأعمال الظاهرة دون تطهير القلوب كمن يعالج ظاهر الجسد دون معالجة أصل المرض.
- •الإسلام جاء بالحنيفية السمحة وبالتيسير، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يختار أيسر الأمرين.
- •التعمق المفرط في الألفاظ والتشقيقات مخالف لروح الإسلام القائمة على اليسر والبساطة.
- •العلوم الظاهرة من فقه وحديث وقرآن تحتاج إلى التصوف الحقيقي الذي هو تربية القلب وإخلاص العمل لله.
- •الوسواس في العبادات مخالف لهدي النبي والصحابة، والمقصود الأساسي هو تعلق القلب بالله.
- •المهم التركيز على المقصود من العبادات وهو الله، وليس التشقيق والتعقيد المؤدي للوسوسة.
المقدمة والبسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
العلوم التي لا يُحمد منها إلا مقدار مخصوص وفروض الكفايات
[الشيخ محمد وسام]: وأما العلوم التي لا يُحمد منها إلا مقدار مخصوص فهي العلوم التي أوردناها في فروض الكفايات؛ فإن في كل علم منها اقتصارًا وهو الأقل، واقتصادًا وهو الوسط، واستقصاءً وراء ذلك الاقتصاد لا مردّ له إلى آخر العمر.
فكن أحد رجلين: إما مشغولًا بنفسك، وإما متفرغًا لغيرك بعد الفراغ من نفسك. وإياك أن تشتغل بما يُصلح غيرك قبل إصلاح نفسك.
أولوية تعلم فروض العين والأعمال الظاهرة من صلاة وطهارة وصوم
فإن كنت المشغول بنفسك، فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك، وما يتعلق منه بالأعمال الظاهرة من تعلم الصلاة والطهارة والصوم.
أهمية علم صفات القلب المحمودة والمذمومة وخطر إهمالها
وإنما الأهم الذي أهمله الكل هو علم صفات القلب وما يُحمد منها وما يُذم؛ إذ لا ينفك إنسان عن الصفات المذمومة مثل الحرص والحسد والرياء والكبر والعُجب وأخواتها. وجميع ذلك مهلكات، وإهمالها من الواجبات.
مع أن الاشتغال بالأعمال الظاهرة يُضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب والدمامل، والتهاون بإخراج المادة بالفصد والإسهال.
الفرق بين حشوية العلماء وعلماء الآخرة في علاج أمراض القلوب
وحشوية العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة، كما يشير الطُّرُقية من الأطباء بطلاء ظاهر البدن. وعلماء الآخرة لا يشيرون إلا بتطهير الباطن وقطع مواد الشر بإفساد منابتها وقلع مغارسها من القلب.
وإنما فزع الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب لسهولة أعمال الجوارح واستصعاب أعمال القلوب، كما يفزع إلى طلاء الظاهر من يستصعب شرب الأدوية المُرّة، فلا يزال يتعب في الطلاء ويزيد في المواد وتتضاعف به الأمراض.
الإسلام جاء بالحنيفية السمحة واليسر دون التدقيق الفلسفي في الألفاظ
هذا كلام نفيس طويل، فيه أن الإسلام جاء بالحنيفية السمحة، وأن من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه علّم الناس السهولة واليسر، وما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. وأنه لم يقف بهم عند التدقيق في الألفاظ وما تقتضيه من مراتب.
فهذا لا يعرفه أهل العربية، كما يقول الإمام الباجوري: هذا تدقيق فلسفي لا تعرفه أهل العربية، لما وقفوا عند الألفاظ وتمادوا في شرحها وتناقضها بحيث أنه لا تستقر حقيقة.
التشقيق والتوغل في الألفاظ مضاد لدين الإسلام الذي يأخذ بالظاهر والسهل
وهذا التشقيق والوقوف عند الألفاظ والتوغل فيها بحيث لا تستقر حقيقة، مضادة لدين الإسلام. فدين الإسلام يأخذ بالظاهر والسهل والبسيط دون غيره، ويعلّم الناس ولا يشقق إلى هذه الحدود التي قد وصل إليها بعض المتأخرين.
قصة الشيخ علي الكومي في الأزهر وتشقيقه في العبارات العلمية
كان عندنا في الأزهر شخص اسمه الشيخ علي الكومي، والشيخ علي الكومي - رحمه الله تعالى - كان قبل أن يدخل الطالب امتحان العالمية يدرس له، والذي يدرس له الشيخ علي الكومي ينجح.
ولكن كانت فيه خصلة أنه لا يترك عبارة إلا اعترض عليها وشقق فيها. "بسم الله الرحمن الرحيم"، يقول لك: فقط، كفاية، كفاية هكذا. "الله" مطلق أم مقيد؟ عام أم خاص؟ جزئي أم كلي؟ فإذا قلت مطلق خطَّأك، وإذا قلت مقيد خطَّأك، وإذا قلتُ [شيئًا آخر] يخرج لكل حاجة حاجة.
قصة دخول الشيخ علي الكومي امتحان العالمية واتفاق المشايخ على إسقاطه
فالوضع هذا، المهم أنه انتشر صيته وكان من كبار العلماء. فقالوا له: يا شيخ علي، أنت تُدَرِّس للناس، وبعد ذلك عندما تأتي أنت ليس معك شهادة عالمية، فلماذا لا تدخل وتحصل عليها؟ هذا لن يأخذ منك شيئًا.
فدخل [الامتحان]، والمشايخ اتفقوا على إسقاطه حتى لا يتلاعب بدين الله.
قصة الشيخ الدسوقي العربي والنشوق وطريقة إبلاغ الطالب الراسب
وكان الشيخ الدسوقي العربي - رحمه الله تعالى - كان يستخدم النشوق، هذا النشوق كان يشبه الدخان. وكان الطالب الذي تظهر عليه علامات الغباء وهو راسب، يقول له: استنشق، أي أصبحنا أصدقاء، أي استنشق. فيفهم الطالب أنه راسب، فيأخذ النشوق ويمضي.
مناظرة الشيخ الدسوقي للشيخ علي الكومي في لفظ الجلالة وطلب النشوق
فالشيخ علي [الكومي]، الشيخ الدسوقي العربي، [سأل] علي الكومي هذا بهذه الطريقة. قال [الشيخ علي]: بسم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله. قالوا: لا، يكفي هكذا يا شيخ علي، يكفي هكذا. "الله" مطلق أم مقيد؟
قال [الشيخ علي] له: الله سبحانه وتعالى مطلق. قال [الشيخ الدسوقي] له: كيف يكون مطلقًا وهو مشخص؟ يعني هو لا وجود له يا شيخ علي! قال له: لا، خلاص، نقول مقيد. قال له: مقيد يعني قامت به مواصفات، أي هو كائن [مخلوق] يا شيخ علي!
قال له: يا شيخ الدسوقي. قال له: نعم. قال له: هات علبة النشوق، هات علبة النشوق! دعنا ننتهي مادمت ستُدخلني في هذه التفاصيل والتشقيقات. حسنًا، لقد عرفنا أننا لن نصل إلى نتيجة جيدة. قال له: خذ علبة النشوق، وقام الشيخ علي [منسحبًا من الامتحان].
لوم المشايخ للجنة وعقد مجلس توبة للشيخ علي الكومي في الأزهر
فجاء المشايخ يلومون اللجنة وقالوا له: هذا الشيخ علي الكومي، يعني أنتم أسقطتموه، وهذا لا يصح! قالوا: حتى يتوب.
وعقدوا له مجلسًا في الأزهر للتوبة، وجلس وأعلن توبته وأنه لا يتلاعب بدين الله، ولا يشقق بهذه التشقيقات التي تجعل الكلام يضرب بعضه بعضًا ولا تصل إلى شيء.
خطورة السفسطائية التي تحول الحقائق الثابتة وتقنع بالباطل
وحقائق الأشياء ثابتة، هذا يكون سفسطائية. هذا لا يوجد فيه شيء [ثابت]، سيصبح يستطيع أن يقنعك أن هذا العامود حجر وبعد قليل يصبح ذهبًا. هل هو حجر أم ذهب؟ هذا العمود حجر.
حسنًا، سأتكلم حتى أقنعك أنه ذهب، فهذا باطل، هذا ضلال.
توبة الشيخ علي الكومي وحصوله على العالمية والتحذير من تعقيد الدين
فإذن تاب [الشيخ علي الكومي] إلى الله ودخل وحصل على العالمية، الشيخ علي الكومي رحمه الله والجميع.
فانظر إلى العلماء من أجل هذا، إنه هناك من يحوّل السماحة إلى أمور معقدة وتشقيقات وظواهر ما أنزل الله بها من سلطان، ويزيد على الناس التكاليف ويضيّق عليهم.
وجوب التنبه إلى المقصود الأهم وهو تخلية القلب وتحليته بالصحيح
ولذلك يجب على طلبة العلم أن يتنبهوا إلى المقصود الأهم من عبادة الله، من أن هذه الأمور توصل إلى الله، تؤدي إلى تخلية القلب من القبيح وتحليه بالصحيح.
خطورة العلوم الظاهرة بدون التصوف والتربية القلبية والإحسان
ولذلك فإن العلوم الظاهرة من فقه وحديث وقرآن من غير التصوف أمر خطير. لازم التصوف الذي هو التربية، الذي هو علاقتك مع الله، أن تكون تفعل هذا لوجه الله وليس لوجه الكبر ولا الشهرة ولا الفخر ولا المراء ولا الغلبة على إخوانك أو غير ذلك إلى آخره.
من غير التصوف، من غير درجة الإحسان، تضل الطريق ويتحول الفقه إلى تاريخ: الشافعي قال، ومالك قال، والشافعي استدل، فأبو حنيفة استدل، وهكذا تاريخ حصل هكذا فعلًا في التاريخ. فأنت تدرس تاريخًا وليس دينًا، حوّلت المسألة إلى مجرد معلومات.
اتصال القلب بالله والتقوى سبيل العلم الحقيقي ومقصود الكل هو الله
لكن هذا نسق علمي يتصل فيه قلبك بالله.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
كلام هنا كلام الحقيقة، كلام طويل لأجل أن نشرح الكلام الذي سمعناه، كلام طويل. لكن المهم أن تعلّق قلبك بالمقصود، ومقصود الكل هو الله.
ولذلك كانوا عندما يسألون هكذا: ما مقصود الكل؟ يجيبون فورًا: الله هو مقصود الكل، يعني ينبغي أن يكون مقصود الجميع.
الحد المقصود من العلم هو ما نستعمله لعبادة الله دون التشقيق
فهنا يتكلم [الإمام الغزالي] عن أن الحد المقصود هو ما نستعمله لعبادة الله: تعرف تصلي وتتوضأ وتزكي إلى آخره.
أما عندما تدخل في أمور [دقيقة]، يقول لك: حسنًا، النية محلها أين؟ محلها القلب. وزمانها ماذا؟ أول الفعل. حسنًا، أول فعل الصلاة ماذا؟ التكبير: الله أكبر. حسنًا، أول "الله أكبر" ما هو؟ الهمزة من "الله أكبر".
حسنًا، النية يجب أن تكون مع أول الفعل، أي مع الهمزة. حسنًا، ماذا إذا تقدمت قبل الهمزة قليلًا؟ وماذا إذا تأخرت بعد الهمزة قليلًا؟
الصحابة لم يشققوا في مسألة النية والتكبير بل دخلوا الصلاة ببساطة
هكذا نكون قد دخلنا في أوضاع لم تكن عليها الصحابة بهذا الشكل. دخلنا في أوضاع لم تكن عليها الصحابة، لم يسألوا عن الهمزة ولم يسألوا أصلًا حتى عن التكبير. قال [النبي ﷺ]: ادخل الصلاة وانتهى الأمر ببساطة هكذا.
لكن عندما يأتي [الوسواس]، أصاب بعض الشافعية الذين يقولون هذا الكلام الوسواس، فرأيناه يقول: آه الله، آه! إنه يريد أن يوازن النية التي في القلب مع لفظ "الله" الذي سيقوله بلسانه، فيجلس يزن الكلمات ثلاث أو أربع مرات إلى أن تأتي هكذا.
هذا ليس حال النبي ولا الصحابة والصلاة تكون بمنتهى السهولة
ليس هذا حال الصحابة، وليس هذا حال النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هذا ما علَّمه لأمته من أن يظل يقول: قال الله، انتظر، الله أكبر. هذا لن ينفع هكذا، لن ينفع.
نحن دائمًا وبمنتهى السهولة: ما الذي نريد؟ أن نصلي صلاة الظهر، الله أكبر، خلاص. كانوا يفعلون هكذا.
قاعدة النية عند أول العمل لا ينبغي أن تتحول إلى مشكلة بالتشقيق
أما وضع هذا في صورة قاعدة أن النية تكون عند أول العمل، النية عند أول العمل، يعني لا تتحول بالتشقيق والتعمق والتناقض إلى مشكلة؛ لأنها لم تكن مشكلة قط.
الوسواس في الطهارات نقص وشيطان ووجوب الأخذ بالحنيفية السمحة
في الطهارات كان مشايخنا يقولون: إنه من لم يُؤتَ الوسواس في الطهارات فهو مرحوم من عند الله؛ لأنك لو أتيت وقرأت كمية الطهارات وتريد تطبيقها بعقلية التعمق هذه، خلاص يصبح كل شيء نجسًا ما بين الأرض والسماء.
وشاهدنا من كان كذلك وأُصيب بالوسواس. الوسواس هذا نقص، الوسواس هذا شيطان هو الذي يوسوس. فيجب علينا إذن ماذا؟ الحنيفية السمحة.
خلاصة الدرس: الأخذ بالحنيفية السمحة والتركيز على المقصود وهو الله
[الشيخ]: هنا وهو يتكلم عن أننا يجب علينا أن نأخذ بالحنيفية السمحة، وأن نركز على المقصود، مقصود الكل وهو الله، وأن هذا الأمر إنما هو وسيلة للوصول إلى الله وليس للتشقيق وللعب، فليس فيها لعب.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
