مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 49 | أ.د علي جمعة
- •يبحث الغزالي في كتاب العلم عن العلم الممدوح والمذموم، ويوضح أن ما يُطلب لغيره ينبغي عدم نسيان مقصده الأصلي.
- •اللغة العربية واسعة جداً، حيث قال الشافعي: "لا يحيط باللغة إلا نبي"، وقد جمع ابن منظور في "لسان العرب" ثمانين ألف جذر.
- •القرآن الكريم يحتوي على 1820 جذراً فقط، والسنة تشمل 3600 حديث، مما يعني أن ما يحتاجه المسلم من اللغة يمثل حوالي 5% فقط من مجموع اللغة.
- •صنف الغزالي مستويات العلم إلى: الاقتصار (الحد الأدنى)، والاقتصاد (المتوسط)، والاستقصاء (التبحر).
- •في التفسير، الاقتصار يبلغ ضعف القرآن كما في "الوجيز" للواحدي، والاقتصاد ثلاثة أضعافه كما في "الوسيط".
- •في الحديث، الاقتصار هو تحصيل ما في الصحيحين مع تصحيح النسخة على يد خبير.
- •اختلف العلماء في الاحتجاج بالحديث في النحو بين رافض ومؤيد ومشترط لصحة الحديث وقصره.
مقدمة الدرس واستمرار البحث في العلم الممدوح والمذموم من كتاب الإحياء
[الشيخ علي جمعة]: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وما زلنا في كتاب العلم نبحث في قضية العلم الممدوح والعلم المذموم وما تردد بينهما.
قاعدة الاقتصار في علم اللغة والنحو على ما يخدم الكتاب والسنة
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله به وبعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
وكل ما يُطلب لغيره فلا ينبغي أن يُنسى فيه المطلوب ويُستكثر منه، فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم منه كلام العرب وتنطق به، ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث، ودع التعمق فيه.
واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة، فما من علم إلا وله اقتصار واقتصاد واستقصاء، ونحن نشير إليها في الحديث والتفسير والفقه والكلام لتقيس بها غيرها.
سعة اللغة العربية وقول الشافعي لا يحيط باللغة إلا نبي
[الشيخ علي جمعة]: نعم، اللغة العربية واسعة حتى قال الإمام الشافعي: لا يحيط باللغة إلا نبي.
ولمّا جاء المؤلفون يؤلفون في العربية، وجدنا مثلًا الفيروزآبادي في كتابه القاموس المحيط والقابوس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط، سماه هكذا. القاموس يعني وسط البحر، القاموس المحيط يعني البحر الواسع؛ لذلك نسمي المحيط الأطلسي، المحيط الهندي، المحيط الهادئ محيطًا؛ لأنه أوسع من البحر.
القاموس المحيط والقابوس الوسيط، قابوس يعني جميل، جميل المحيا. ولذلك تجد بعض الناس يسمون قابوس، يعني شخصًا جميلًا.
جهود العلماء في جمع جذور اللغة العربية من الفيروزآبادي إلى ابن منظور
[الشيخ علي جمعة]: فالكتاب هذا [القاموس المحيط] جميل في اللغة، فيما ذهب من لغة العرب شماطيط، يعني لن يترك شيئًا، سيأتي بالتائهة [أي المعلومة النادرة] بأربعين ألف جذر، أربعين ألف جذر.
وألّف غيره واحدًا، ألف كتابًا اسمه العباب، والعباب يعني البحر الزخار. والثاني ألّف، والثالث ألّف، وجمعهم ابن منظور في مؤلفه المسمى لسان العرب.
يذكر لسان العرب ثمانين ألف جذر، يعني الفيروزآبادي بعد أن بذل كل الجهد جمع أربعين ألفًا، وآخر غيره جمع أربعين ألفًا أخرى، فأصبح المجموع ثمانين ألف جذر.
عدد جذور القرآن والسنة مقارنة بجذور اللغة العربية الكلية
[الشيخ علي جمعة]: حسنًا، والقرآن كم جذرًا فيه؟ ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا. ما هذا! ألف وثمانمائة وعشرون من أصل ثمانين ألفًا.
طيب، السنة كلها بصحيحها وحسانها وضعيفها وكل شيء الذي ورد كله، كم جذر؟ ثلاثة آلاف وستمائة.
طيب، يعني من ثلاثة آلاف وستمائة، كم منهم من ألف وثمانمائة؟ ألف وثمانمائة كلهم موجودون [في السنة]. يعني نقول الكتاب والسنة ثلاثة آلاف وستمائة. اقسم الآن ثلاثة آلاف وستمائة على ثمانين ألف، هل أنت منتبه؟ كم تكون النسبة المئوية؟ إنها شيء حوالي خمسة في المائة مثلًا، أقل من خمسة في المائة.
كفاية خمسة بالمائة من جذور اللغة لدراسة الكتاب والسنة دراسة متعمقة
[الشيخ علي جمعة]: فيكون لديك لكي تدرس الكتاب والسنة دراسة متعمقة، لا توجد كلمة تفوتك أبدًا، تعرف كل الكلام، خمسة في المائة. وخمسة وتسعون في المائة زيادة.
عندما تعرف منهم عشرة في المائة أيضًا، يعني تصبح: أوه يا ما هنا يا ما هناك! تخيل أنك تملك خمسة في المائة من [جذور] الكتاب والسنة، لو قرأتهم تعرف أي حديث حتى لو كان ضعيفًا، وتعرف القرآن.
يأتي القرآن ويستخدم كلمة قسورة:
﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 51]
يعني أسد.
كثرة أسماء الأسد في اللغة العربية وكتاب الروض المألوف للفيروزآبادي
[الشيخ علي جمعة]: عندما لننتقل الآن لنرى ما جاء به الفيروزآبادي أو ابن منظور، كم جمعوا من أسماء؟ لقد جمعوا مئات الأسماء للأسد. هو أسد، لكن يقولون لك: لا، اسمه درباس، ودربال، وناهد - وناهد من أسماء الأسد - وأسامة من أسماء الأسد، وهندروس، وليث، وسبع، وغضنفر، وهيضم، وهيضام، وأشاوس.
ما هذه الأسماء؟ الفيروزآبادي ألف كتابًا أسماه الروض المألوف فيما له اسمان في لغة العرب إلى ألوف.
تعدد أسماء الفواكه في اللغة العربية كالبطيخ وأسمائه المختلفة
[الشيخ علي جمعة]: هل أنت منتبه؟ ماذا يقول لك في هذا الكتاب [الروض المألوف]؟ يقول لك أنه ما من فاكهة إلا ولها في لغة العرب ثلاثة أو أربعة أسماء، لا يوجد شيء اسمه فاكهة ولها اسم واحد فقط.
فمثلًا الكمثرى، الجماعة الشوام يسمونه إجاصًا. والبطيخ يقولون حبحب ويقولون له رجي، أن يقول دلاع، ويقول له وهو بطيخ بالكسر، بطيخ بالكسر هكذا، ويقول عليه شمام.
هذا البطيخ الأحمر الذي لنا يقولون عليه شمام، وعلى الشمام بطيخ. وشغلانة جبسي، الجماعة في الشمال هناك، ها جبس أهو، شامي أهو، يعرف الجبس. الجبس يعني ماذا؟ البطيخ الأحمر.
خلاصة سعة اللغة وأن المكلف به من جذورها محدود ومقدور عليه
[الشيخ علي جمعة]: ويتكلم قائلًا: كثر الجح والجراوة، الجدال [الذي هو البطيخ الأحمر] والبطيخ الشمام وما شابهه. ما شأننا بكل هذا الكلام؟ حتى البطيخ لا يأتي إلا مرة واحدة في السنة، انتهى الأمر، بطيخ وكفى.
نعم، ولكن أن يكون له ستة أو سبعة أو ثمانية أسماء، هذه مجرد معلومة. إذن اللغة واسعة ولا يحيط باللغة إلا نبي.
أما الذي أنت مكلف بماذا؟ ألف وثمانمائة، خمسة في المائة، مقدور عليه. يعني خمسة في المائة مقدور عليها. قس على هذا في النحو وفي الصرف وفي البلاغة وفي الحديث وفي التفسير وفي الفقه، قس على هذا ستجد أن ما أنت محتاج إليه محدود مقدور عليه.
مراتب العلم الثلاث الاقتصار والاقتصاد والاستقصاء والتحذير من الانشغال
[الشيخ علي جمعة]: وكذلك إذا أردت التمكن ثم أردت التبحر دون أن تصل إلى الانشغال. ماذا يعني هنا؟ صنفهم [الغزالي] ثلاث مرات:
- الاقتصاد
- الاقتصار
- الاستقصاء الذي هو التبحر
وبالرغم من ذلك، لم يصل إلى حد الانشغال، وتذهب فتتوه في هذا.
حتى قالوا: النحاة فساق. قالوا هكذا: النحاة فساق إلا أربعة هم الذين لم يكونوا فساقًا. مَن هم؟ الكسائي - هذا إمام القراءة، نعم، كان رجلًا طيبًا وصالحًا وعالمًا - وأبو عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد وسيبويه. حسنًا، والباقي الله [أعلم بحالهم].
قول النحاة فساق وسبب ذلك مع استثناء العلماء الأتقياء كابن مالك وابن هشام
[الشيخ علي جمعة]: وبعد ذلك في نزهة الألباء في طبقات الأدباء يقول هذا الكلام لابن الأنباري، يقول: والنحاة فساق هكذا. هو طبعًا إلا من رحم ربي؛ لأنه جاء بعدهم نحاة مثل الإمام ابن مالك صاحب الألفية الذي كان من الأتقياء، وابن هشام كان من الأتقياء الأنقياء من أولياء الله الصالحين، وهكذا.
إذن، القاعدة هذه لماذا قالوها؟ قالوها لأن كثيرًا من النحويين توغلوا حتى رد بعضهم على القرآن. هذا أنت غير عاقل أم ماذا؟
مثال على رد بعض النحاة على القرآن في مسألة الباء الظرفية في آية بدر
[الشيخ علي جمعة]: يقول لك [أحد النحاة] مثلًا: الباء لا تكون ظرفية أبدًا. قال له [المعترض]: لكن:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: 123]
ليست ظرفية؟ كيف؟ أليست ببدر تعني وأنتم في بدر، أي أنها ظرفية؟ كان ينبغي حينئذٍ أن يقولوا: حسنًا، تبنا إلى الله.
لكن عندما ينظر هكذا إلى الأعلى وينظر هكذا، هل ترفض القرآن إذن؟ نعم، النحو الذي سيرفض القرآن هذا فاسق.
منهج ابن هشام في جعل القرآن أصلاً للنحو والشواهد النحوية
[الشيخ علي جمعة]: لكن الإمام ابن هشام لم يفعل ذلك، بل جعل كل النحو من خلال القرآن. نعم، في قطر الندى وبل الصدى، أو في كتاب حروف المعاني مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، أو في كتاب شذرات الذهب، جعل كل ذلك من القرآن، والشواهد من القرآن.
نعم، هذا رجل تقي، هذا أصبح عارفًا الحقيقة أنَّ القرآن هو الأصل وأنه هو أبو النحو، أي أنك تأخذ النحو منه، والراجح هو ما ورد في القرآن.
أما أن يأتي شخص ويعترض على القرآن بسبب الأوهام التي في ذهنه، فقد وقع في هذا المأزق الذي نبهنا عليه الإمام الغزالي.
مراتب الاقتصار والاقتصاد والاستقصاء في علم التفسير عند الواحدي
[الشيخ محمد وسام]: ونحن نشير إليها في الحديث والتفسير والفقه وعلم الكلام لتقيس بها غيرها.
فالاقتصار في التفسير ما يبلغ ضعف القرآن في المقدار كما صنّفه علي الواحدي النيسابوري وهو الوجيز. والاقتصاد ما يبلغ ثلاثة أضعاف القرآن كما صنفه من الوسيط فيه. وما وراء ذلك استقصاء مُستغنىً عنه، فلا مرد له إلى انتهاء العمر.
[الشيخ علي جمعة]: إذن عندما نرى واحدًا ألّف الوجيز ثم ألّف الوسيط ثم ألف البسيط، نعلم أن هذه كان وراءها فلسفة وهي فلسفة الاقتصار فالاقتصاد فالاستقصاء.
وبالرغم من ذلك إلا أن الاستقصاء هذا سأجعله قبل الانشغال؛ لأن الانشغال ينقلب فيه الحال، متاهة، ويحدث فيه من الأوهام والترهات ما الله به عليم.
الاقتصار في الحديث بتحصيل ما في الصحيحين والنسخة اليونينية لصحيح البخاري
[الشيخ محمد وسام]: قل: وأما الحديث فالاقتصار فيه تحصيل ما في الصحيحين بتصحيح نسخة على رجلٍ خبيرٍ بعلم متن الحديث.
[الشيخ علي جمعة]: ولذلك الإمام ابن مالك في النسخة اليونينية أحضر الشيخ محمد اليونيني من علماء الحديث - كان مثل مولانا الشيخ أشرف هكذا من علماء الحديث - وجلسوا.
وجلس الشيخ ابن مالك والشيخ محمد اليونيني يقرأ، وابن مالك يسمع ويبين له وجهها في العربية، ويبين حال الروايتان [المختلفتان].
ضبط ابن مالك لروايات صحيح البخاري وتأليفه كتاب مشكلات الصحيح
[الشيخ علي جمعة]: كان [يُسأل مثلًا]: في مهنة أهله أو في مِهنة أهله، وجهان: قوم يقولون له اضبط، اكتب، أيهما الأولى؟ قال له: مِهنة أهله يضبط هكذا.
وعندما انتهى في سبعين مجلسًا وكان العلماء جالسين في هذه المجالس، كان ابن مالك يستمع ويصحح ويختار ويوجه.
وقد حدثت لهم مشكلات في الرواية غير النحو، مشكلات هنا نحلها كيف؟ فقد ألف ابن مالك كتابًا في مشكلات الصحيح. انظر إلى العلم، هذا هو العلم؛ لأنه كل شيء بآيةٍ بعلمها هكذا.
مثال على مشكلات الرواية في حديث كعب بن مالك وزيادة أم لا
[الشيخ علي جمعة]: في حديث كعب بن مالك قال:
«فوالله لا أدري هل رَدَّ عليَّ السلام أم لا»
الرواية هكذا. وهل لا تأخذ هذه التفاصيل الدقيقة؟ تقول:
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]
لكن لا تقل: هل تعلم له سمِيًّا أم لا. كلمة أم لا هذه زائدة. كان يقول: والله لا أدري هل رد عليّ السلام وتنتهي، لكن في صحيح البخاري أم لا تأتي.
مشكلة حذف الفاء بعد أما بعد في رواية صحيح البخاري
[الشيخ علي جمعة]: أما بعد، أول ما نقول أما بعد يجب أن نأتي بالفاء بعدها. فما بال أقوام؟ في صحيح البخاري: أما بعد ما بال أقوامٌ يشترطون إلى آخره.
الله، النبي ﷺ سيقول: أما بعد، ما بال أقوام، ولا يلزم أن يقول فما بال أقوام. النحو يقول فما بال أقوام. فلنحلها ونراها ونحافظ على الرواية كما هي، ثم نعلق عليها خارجًا.
قالوا: هذا من الرواة وليس من كعب بن مالك العربي الفصيح الذي لا يقل أبدًا هل... أم، ولا من سيدنا رسول الله ﷺ الذي هو لا يقول: أما بعد، ما بال... لازم هو قال فما بال، لكن الراوي قال. ما هي؟ مثل هذه [المشكلات من] الرواة.
حكم الاستدلال بالحديث في النحو والأقوال الثلاثة في المسألة
[الشيخ علي جمعة]: بعد ذلك إذن: هل نستدل بالحديث في النحو أم لا؟ نستدل بالقرآن قطعًا. لماذا؟ لأنه محفوظ بقضه وقضيضه بكل حروفه. لكن السنة لا، السنة تُروى بالمعنى.
ثلاثة أقوال:
- قول قال: دعنا نترك السنة تمامًا في الاحتجاج في النحو.
- وقول قال: لا بد علينا أن نأخذ بها في كل شيء.
- وقول قال: لا، إلا بشروط. نأخذ فقط بشروط: أن يكون الحديث صحيحًا، وأن يكون الحديث قصيرًا، وأن يكون الحديث له وجه من الوجوه.
فإذا كان كذلك فما الذي نأخذ به؟ وقد فصّل هذا الكلام عبد القادر البغدادي في بداية خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب فراجعه.
خاتمة الدرس والتوديع
[الشيخ علي جمعة]: وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
