مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 52 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 52 | أ.د علي جمعة

25 دقيقة
  • العلم المحمود هو الموصل إلى الله تعالى، وما سواه إشغال للزمان بغير واجب الوقت، فالمؤمن المفلح يعرض عن اللغو.
  • يجب الاهتمام بالفروض المهملة كالطب والأمر بالمعروف، وليس المناظرة في مسائل بعيدة عن واقع الناس وحاجاتهم.
  • التوفيق الرباني هو الذي يرشد المرء إلى واجب وقته، ويورثه الطمأنينة والسعادة.
  • أدب المناظرة عند السلف كان مبنياً على البحث عن الحق في الخلوة بعيداً عن الرياء والسمعة.
  • اعتبار المناظر رفيقاً معيناً على طلب الحق، وليس خصماً يُشكر إذا أظهر الحق كما فعل الصحابة.
  • كان الصحابة رضي الله عنهم يسارعون إلى الرجوع للحق عند ظهوره، كقول عمر: "أصابت امرأة وأخطأ رجل".
  • المناظرة الحقيقية تكون بإظهار كل ما يعرفه الطرفان من أدلة ووجوه للمسألة، بخلاف المماحكات الجدلية المبتدعة.
محتويات الفيديو(25 أقسام)

مقدمة الدرس وموضوع العلم المحمود والمذموم في كتاب الإحياء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الأئمة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وهو ما يزال يتحدث في كتاب العلم الذي صدّر به هذا الكتاب [الإحياء].

ما زال يتحدث عن العلم المحمود والعلم المذموم وما يتردد بينهما، وملخص ما يقول: إن العلم المحمود هو الذي يوصل إلى الله، وأن ما سواه إنما هو نافلة؛ فإن كان يوصل إلى الله ولو بواسطة فبها ونعمت، وإلا فهو مذموم وإشغال للزمان الذي لا يبقى.

واجب الوقت عند أهل الله وضرورة الاشتغال بالباقيات الصالحات

الزمان لا يبقى؛ [فالاشتغال بغير ما ينفع] إشغال للزمان بغير واجب الوقت. وأهل الله يتكلمون عن واجب الوقت، وواجب الوقت أن تشغل نفسك بالباقيات الصالحات، بشيء يوصلك إلى الله.

فإذا أنت لغوت وملأت الأزمان بغير هذا فقد ضيعت على نفسك فرصة عظيمة.

﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1]

ومن صفات هؤلاء المؤمنين:

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]

الشرط الثاني للمناظرة المحمودة: تقديم فروض الكفاية الأهم على المناظرة

نعم، اقرأ.

[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

الثاني: ألا يرى فرض كفاية أهم من المناظرة؛ فإن رأى ما هو أهم وفعل غيره عصى بفعله. وكان مثاله مثال من يرى جماعة من العطاش أشرفوا على الهلاك وقد أهملهم الناس، وهو قادر على إحيائهم بأن يسقيهم الماء، فاشتغل بتعلم الحجامة وزعم أنه من فروض الكفايات.

ولو خلا البلد منها لهلك الناس، وإذا قيل له: إن في البلد جماعة من الحجّامين وفيهم كفاية، فيقول: هذا لا يُخرج هذا الفعل عن كونه فرض كفاية.

إهمال فروض الكفاية المهمة كالطب والأمر بالمعروف والاشتغال بالمناظرة

فحال من يفعل هذا ويهمل الاشتغال بالواقعة الملمّة بجماعة العطاش من المسلمين كحال المشتغل بالمناظرة، وفي البلد فروض كفايات مهملة لا قائم بها.

فأما الفتوى فقد قام بها جماعة، ولا يخلو بلد من جملة الفروض المهملة، ولا يلتفت الفقهاء إليها. وأقربها الطب؛ إذ لا يوجد في أكثر البلاد طبيب مسلم يجوز اعتماد شهادته فيما يُعوَّل فيه على قول الطبيب شرعًا، ولا يرغب أحد من الفقهاء في الاشتغال به.

وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من فروض الكفايات، وربما يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدًا للحرير ملبوسًا ومفروشًا وهو ساكت، ويناظر في مسألة لا يتفق وقوعها قط، وإن وقعت قام بها جماعة من الفقهاء.

حديث أنس في ترك الأمر بالمعروف وعلامات فساد الأمة

ثم يزعم [المناظر] أنه يريد أن يتقرب إلى الله تعالى بفروض الكفايات.

وقد روى أنس رضي الله عنه أنه قيل: يا رسول الله، متى يُترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

«إذا ظهرت المداهنة في خياركم، والفاحشة في أشراركم، وتحوّل الملك في صغاركم، والفقه في أراذلكم» رواه ابن ماجه بإسناد حسن.

التوفيق الرباني في إدراك واجب الوقت وعلاماته

[الشيخ]: إذن هو [الإمام الغزالي] يتحدث عن واجب الوقت؛ فدائمًا الإنسان يكون مدركًا لواجب الوقت. وعندما فهم بعض الناس هذه القضية أيضًا تحايلوا عليها وبدأوا يختلفون في واجب الوقت.

ولذلك فغاية المراد من رب العباد التوفيق الرباني؛ فإن التوفيق الرباني هو الذي يرشدك إلى واجب وقتك. وكلما وفقك الله سبحانه وتعالى إلى واجب وقتك الصحيح، كلما شعرت بالطمأنينة، وكلما شعرت بالسعادة فيما تفعل، وكلما شعرت بأنك تؤدي ما عليك، وكلما زال عنك قضية الكبر وقضية النظر إلى الآخرين.

هناك بعض الناس ينظرون إلى الآخرين، يريد أن يجادل معه طوال النهار والليل، فتعرف أنك لست قائمًا بواجب الوقت. أما إذا شعرت أنك تفعل شيئًا في السر كما تفعله في العلن، وأن الأمر استوى عندك، فهذا هو واجب الوقت الذي ينبغي أن يقوم فيه.

الشرط الثالث للمناظرة: أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب بعينه

نعم.

[الشيخ محمد وسام]: الثالث: أن يكون المناظر مجتهدًا يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له، كما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم والأئمة.

فأما من ليس له رتبة الاجتهاد -وهو حكم كل أهل العصر- وإنما يفتي فيما يُسأل عنه ناقلًا عن مذهب صاحبه، فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه، فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وليس له الفتوى بغيره؟

وما يُشكل عليه يلزمه أن يقول: لعل عند صاحب مذهبي جوابًا عن هذا؛ فإني لست مستقلًا بالاجتهاد في أصل الشرع.

المباحثة في المسائل ذات الوجهين أو القولين لصاحب المذهب الواحد

ولو كانت مباحثته عن المسائل التي فيها وجهان أو قولان لصاحبه لكان أشبه به؛ فإنه ربما يفتي بأحدهما فيستفيد من البحث ميلًا إلى أحد الجانبين.

ولا يرى المناظرات جارية فيها قط، بل ربما ترك المسألة التي فيها وجهان أو قولان وطلب مسألة يكون الخلاف فيها مبتوتًا.

الاختيار الفقهي بين المذاهب وحاجته إلى التمكن والتوفيق

[الشيخ]: وهذا هو قضية الاختيار الفقهي، وكان هذا شأن السلف الصالح. والإمام الغزالي ينبّه إلى أن مرتبة الاختيار الفقهي تحتاج إلى مزيد آلة وإلى مزيد نظر وإلى تمكّن في هذا، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

ومن تمرّس بالفقه يدرك هذا المعنى، ويدرك أنه يُفتح له ما لم يُفتح لغيره، وأنه عندما يختار بين أبي حنيفة وبين الشافعي فإن المسألة تكون أوضح في ترتيب المقاصد وفي تحصيل المصالح وفي مراعاة المآلات ونحو ذلك.

فالاختيار الفقهي من عادة السلف الصالح، إلا أنه يحتاج إلى رجال قلّما يوجدون.

الشرط الرابع للمناظرة: أن تكون في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع

[الشيخ محمد وسام]: الرابع: ألا يناظر إلا في مسألة واقعة أو قريبة الوقوع غالبًا؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم ما تشاوروا إلا فيما تجدّد من الوقائع أو ما يغلب وقوعه كالفرائض.

ولا نرى المناظرين يهتمون بانتقاد المسائل التي تعمّ البلوى بالفتوى فيها، بل يطلبون الطبوليات التي تُسمع فيتسع مجال الجدل فيها كيفما كان الأمر.

وربما يتركون ما يكثر وقوعه ويقولون: هذه مسألة خبرية، أو هي من الزوايا وليست من الطبوليات. فمن العجائب أن يكون المطلب هو الحق ثم يتركون المسألة لأنها خبرية ومدرك الحق فيها هو الأخبار، أو لأنها ليست من الطبول فلا نطيل فيها الكلام. والمقصود في الحق أن يُقصَر الكلام ويُبلَغ الغاية على القرب، لا أن يطول.

توضيح لغوي لكلمة الطبوليات والنسبة إلى المفرد في اللغة العربية

[الشيخ]: اعترض اللغويون على الطبوليات هذه، وإنما عندما نريد النسب ننسب إلى المفرد، إلا إذا حدث خلل في المعنى. فطبول جمع طبلة، أي طبلي.

وكانوا يطلقون عليها الطبليات، والطبليات جاءت من هذه المسائل ذات الصوت العالي التي تُسمع من بعيد كالطبل، ثم إن الطبل نفسه أجوف لا شيء فيه.

فسُمّيت مثل هذه الأشياء التي تحدث في عصرنا الحاضر: تحويل المسائل إلى قضايا، وهذا يقوم به الإعلام قيامًا فائقًا، وهو تحويل المسائل والتوافه والحبة إلى قبة. فهذه الطبوليات.

قاعدة النسب إلى المفرد واستثناءاتها مثل كتبي وأنصاري

لكن في اللغة تكون الطبليات؛ لأن الطبول إنما هي جمع. ولذلك خطّأوا هذه: سيارة ملوكية، وقالوا: قل ملكية نسبة إلى الملك ليس إلى الملوك. وهذا معرض دولي نسبة إلى الدولة وليس إلى الدول، فلا تقل دُوَلي يكون خطأ.

قالوا: إلا إذا كان فيما يشتبه، كما أطلقنا على بائع الكتب والمشتغل بنشرها كُتُبي؛ لأنني لو أفردت يكون كتابي وينصرف الذهن إلى أصحاب الكتب السابقة كاليهود والنصارى، فنقول كُتُبي وكُتُبي هذه جمع.

وكذلك أطلقوا على الصحابة من أهل المدينة فقالوا: هذا أنصاري، وأنصاري بمعنى أنه هو نصير، فكان يقول نصيري فيشتبه بهذا المذهب المعروف ونحو ذلك.

فهناك استثناءات الغرض منها تحرير المقال، لكن طبولي ليس فيها تحرير مقال. فإذا قلنا طبلي تصح أيضًا. إذن فالنسبة تكون للمفرد، هذه هي القاعدة، إلا إذا حدث اشتباه فنذهب بالاشتباه مثل كُتُبي وأنصاري فتبقى جمعًا أيضًا.

الشرط الخامس للمناظرة: أن تكون في الخلوة أحب من المحافل العامة

[الشيخ محمد وسام]: والخامس: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه وأهم من المحافل وبين أظهر الأكابر والسلاطين؛ فإن الخلوة أجمع للفهم وأحرى بصفاء الذهن والفكر وإدراك الحق.

وفي حضور الجمع ما يحرّك دواعي الرياء ويوجب الحرص على نصرة كل واحد نفسه، محقًّا كان أو مبطلًا. وأنت تعلم أن حرصهم على المحافل والمجامع ليس لله، وأن الواحد منهم يخلو بصاحبه مدة طويلة فلا يكلمه، وربما يقترح عليه فلا يجيب.

وإذا ظهر مقدَّم أو انتظم مجمع لم يغادر في قوس الاحتيال منزعًا حتى يكون هو المختص بالكلام.

أهمية المناظرة في الغرف المغلقة لمنع التلاعب والرياء

[الشيخ]: ولذلك عندما دُعينا كثيرًا للمناظرة [قلنا]: ناظرونا في الغرف المغلقة ونجلس للمناظرة أنا وأنت. أما أن تأتي لتشوّش على الناس وتقوم بتعديل المناظرة وتقطع الكلام وتركبه وتصنعه، لا.

فأضيف أيضًا إلى هذا الرياء والسمعة، كذلك أضيف إليها التلاعب، مما يجعل ما يُسمّى الغرف المغلقة -هذا التعبير المعاصر- أمرًا مهمًّا، ليس فقط لمنع التلاعب بل أيضًا لمنع المباهاة والافتخار وما إلى ذلك.

وهذا أمر مهم؛ لأن من أراد الحق فإنه يريده، ولكن من أراد إثارة هذه الضوضاء فإنه لا ينام.

الشرط السادس للمناظرة: أن يكون طالب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين يده ويد غيره

نعم.

[الشيخ محمد وسام]: السادس: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرّق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحق.

كما لو أخذ طريقًا في طلب ضالته فنبّهه صاحبه على ضالته في طريق آخر، فإنه كان يشكره ولا يذمّه ويكرمه ويفرح به.

نماذج من إنصاف الصحابة في قبول الحق: عمر وعلي وأبو موسى وابن مسعود

فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم، حتى إن امرأة ردّت على عمر رضي الله عنه ونبّهته إلى الحق وهو في خطبته أمام جمع من الناس، فقال: أصابت امرأة وأخطأ رجل.

وسأل رجلٌ عليًّا رضي الله عنه فأجابه، فقال [الرجل]: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا. فقال [عليّ رضي الله عنه]: أصبتَ وأخطأتُ،

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

واستدرك ابن مسعود على أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، فقال أبو موسى رضي الله عنه: لا تسألوني عن شيء وهذا الحَبْر بين أظهركم.

قصة سؤال أبي موسى الأشعري عن القتال في سبيل الله وتصحيح ابن مسعود له

وذلك لما سُئل أبو موسى [الأشعري رضي الله عنه] عن رجل قاتل في سبيل الله فقُتل، فقال: هو في الجنة -وكان أمير الكوفة-.

فقام ابن مسعود رضي الله عنه فقال: أعيده على الأمير فلعله لم يفهم. فأعادوه عليه فأعاد الجواب [نفسه]. فقال ابن مسعود رضي الله عنه: وأنا أقول: إن قُتل فأصاب الحق فهو في الجنة [أي يُشترط أن يكون على الحق].

فقال أبو موسى رضي الله عنه: الحق ما قال. وهكذا يكون إنصاف طالب الحق.

حال المناظرين اليوم مقارنة بإنصاف الصحابة في قبول الحق

ولو ذُكر مثل هذا الآن لأقلّ فقيه لأنكره واستبعده وقال: لا. وقال: لا يحتاج إلى أن يُقال أصاب الحق؛ فإن ذلك معلوم لكل أحد.

فانظر إلى مناظري زمانك اليوم: كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل منه، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذمّ من أفحمه طوال عمره.

ثم لا يستحيي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق.

قصة العالمين في تحرير عبارة الدعاء وأثر الكبر في المناظرة

[الشيخ]: حدث أن كان هناك اثنان، وكانا رحمهما الله من العلماء، فقال أحدهما عندما لقيني: يا شيخ علي، أعطاك الله كل ما تتمناه. فاعترض عليه أخوه العالم الثاني وقال: لعله يتمنى الشر، فلا بد أن تقول: اللهم أعطه كل ما يتمنى في الخير.

أي مشابه لقصة سيدنا ابن مسعود [مع أبي موسى الأشعري]؛ فهناك قيد يجب أن تقيّده للخير. فردّ عليه وقال: أعلم أنه لا يتمنى إلا الخير. فقال له: وهل تعلم الغيب؟

ودخلوا في مناقشة لمدة ساعة في تحرير العبارة وفي تصحيح كلام كل منهم. فيبدو أنهم ليس لديهم اطلاع على [كلام] سيدنا الشيخ الغزالي.

الدرس المستفاد من كمال الصحابة وخطورة الانتقاص منهم

ففي بعض الأحيان انتهى الأمر بسهولة: يقول له في الخير وانتهى، ونتفق ونذكر الله في موضوع آخر. لكن أحيانًا من كثرة العلم وتمكّنه الشديد، أحيانًا تعزّ عليه نفسه أنه نسي كلمة في الخير أو كذلك إلى آخره، أو أطلق ما كان حقه التقييد.

فينبّهنا الإمام الغزالي على أمور تقع فعلًا، ولكن انظر إلى حال كمال الصحابة: أنه لما حدث عنده هذا وأطلق ما كان حقه التقييد رجع على الفور، بل إنه قال: لا تسألوني وهذا الحبر فيكم، وانتهى الأمر.

فإذا كلما اطلعنا كلما وجدنا حال الصحابة على حال الكمال، كلما اطلعنا على شيء جديد نرى أن حال الصحابة على حال الكمال.

الرد على من ينتقص الصحابة وبيان جهلهم بحقيقة أحوالهم

فيعزّ علينا الناس الذين يشتمون الصحابة؛ لأنكم هكذا تكونون كأنكم لم تقرؤوا عن الصحابة أو لم تعرفوا الصحابة.

وهذا هو الحال مع من ينتقص الصحابة أو ينتقدهم أو يسبّهم أو ما إلى ذلك. يبقى يعني نشعر بالجهل؛ لأننا كلما بحثنا عن الصحابة من غير قصد وجدناهم على حال الكمال، ووجدنا أنفسنا على حال يحتاج إلى هذا الكمال.

الشرط السابع للمناظرة: عدم منع المناظر من الانتقال بين الأدلة

نعم.

[الشيخ محمد وسام]: السابع: ألا يمنع معينه في النظر من الانتقال من دليل إلى دليل ومن إشكال إلى إشكال؛ فهكذا كانت مناظرات السلف.

ويخرج من كلامه جميع دقائق الجدل المبتدعة فيما له وعليه، كقوله: هذا لا يلزمني ذكره، وهذا يناقض كلامك الأول فلا يُقبل منك. فإن الرجوع إلى الحق مناقض للباطل ويجب قبوله.

وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات، حتى يقيس المستدل على أصل بعلة يظنها، فيُقال له: ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلّل بهذه العلة؟ فيقول: هذا ما ظهر لي، فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره حتى أنظر فيه.

إصرار المعترض على عدم ذكر ما يعرفه وبيان أنه إما كاذب أو فاسق

فيصرّ المعترض ويقول: فيه معانٍ سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا يلزمني ذكرها. ويقول المستدل: عليك إيراد ما تدّعيه وراء هذا. ويصرّ المعترض على أنه لا يلزمه.

ويتوخّى مجالس المناظرة بهذا الجنس من السؤال وأمثاله، ولا يعرف هذا المسكين أن قوله: إني أعرفه ولا أذكره إذ لا يلزمني كذبٌ على الشرع.

فإنه إن كان لا يعرف معناه وإنما يدّعيه ليُعجز خصمه فهو فاسق كذّاب، عصى الله تعالى وتعرّض لسخطه بدعواه معرفة هو خالٍ عنها. وإن كان صادقًا فقد فسق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع، وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه.

وجوب إظهار العلم الشرعي عند السؤال وبطلان قواعد الجدل المبتدعة

فإن كان [ما ذكره المعترض] قويًّا رجع إليه، وإن كان ضعيفًا أظهر له ضعفه وأخرجه عن ظلمة الجهل إلى نور العلم.

ولا خلاف أن إظهار ما عُلم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم. فمعنى قوله: لا يلزمني، أي في شرع الجدل الذي أبدعناه بحكم التشهّي والرغبة في طريق الاحتيال والمصارعة بالكلام لا يلزمني، وإلا فهو لازم بالشرع.

فإنه بامتناعه عن الذكر إما كاذب وإما فاسق.

مناظرات الصحابة كانت قائمة على حرية الانتقال بين الأدلة وإعانة المناظر

فتفحّص عن مشاورات الصحابة ومفاوضات السلف رضي الله عنهم: هل سمعت فيها ما يضاهي هذا الجنس؟ وهل منع أحد من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن قياس إلى أثر، ومن خبر إلى آية؟

بل جميع مناظراتهم من هذا الجنس؛ إذ كانوا يذكرون كل ما يخطر لهم كما يخطر، وكانوا ينظرون فيه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

فقد كانوا على علم بأدب الاختلاف وأدب المناظرة. وما وضعه المتأخرون من آداب إنما هي للمماحكة ولقلة الكلام في بعض الأحيان، ولكن المثال الأتمّ هو ما كان عليه الصحابة: من أن الإنسان يعين مناظره؛ لأنهما يبحثان عن الحق.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.