مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 53 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 53 | أ.د علي جمعة

18 دقيقة
  • يتحدث الإمام الغزالي في كتاب العلم عن آفات المناظرة، موضحاً الشرط الثامن للمناظرة الصحيحة وهو مناظرة من يُتوقع الاستفادة منه.
  • المناظرة التي تكون بقصد الغلبة والإفحام والمباهاة هي منبع الأخلاق المذمومة عند الله، ونسبتها للفواحش الباطنة كنسبة الخمر للفواحش الظاهرة.
  • من آفات المناظرة المذمومة الحسد الذي يأكل الحسنات، فالمناظر لا ينفك عن الحسد تجاه من يُحمد كلامه أو يُظن أنه أقوى نظراً.
  • ومن آفاتها التكبر والترفع على الأقران، مع أن التواضع هو ما أثنى الله عليه وعلى أنبيائه.
  • يتغاير العلماء فيما بينهم كما تتغاير التيوس، لذلك نبه ابن عباس إلى عدم قبول كلام الفقهاء بعضهم في بعض.
  • ينبغي عدم استصغار الأخلاق المذمومة، فمعظم النار من مستصغر الشرر والجبال من الحصى.
محتويات الفيديو(19 أقسام)

مقدمة الدرس ومراجعة ما سبق من شروط المناظرة في كتاب الإحياء

[الشيخ علي جمعة]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الإحياء، مع الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، وفي كتاب العلم وهو الذي صدَّر به إحياءه.

وما زال [الإمام الغزالي] يتكلم ويُدندن حول العلم المحمود والعلم المذموم وما بينهما، وأن المحمود إنما هو الذي يوصل إلى الله وهو الذي نلتزم فيه الأدب مع الله سبحانه وتعالى، والمذموم بخلافه. وما تردد بينهما إذا مال إلى الأول فهو منه، وإذا مال إلى الآخر فهو منه.

وهو يُعدِّد أنواع وشروط المناظرات ويُبيِّن عيوبها، وقد تناولنا في حلقات سابقة سبعة من الشروط أو الأنواع، واليوم ندخل في الثامن. اقرأ.

الشرط الثامن للمناظرة: أن يناظر من يتوقع الاستفادة منه من أهل العلم

[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

الثامن: أن يُناظر من يتوقع الاستفادة منه ممن هو مشتغل بالعلم، والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول والأكابر خوفًا من ظهور الحق على ألسنتهم، فيرغبون فيمن دونهم طمعًا في ترويج الباطل عليهم.

ووراء هذه شروط دقيقة كثيرة، ولكن في هذه الشروط الثمانية ما يهديك إلى من يُناظر لله ومن يُناظر لعلة.

ضرورة إخلاص النية لله في المناظرة والبعد عن آفات القلوب

[الشيخ علي جمعة]: نعم، فينبغي أن يكون الناظر لله مقصود العلم الممدوح عند الله، وأن تتعلم الأدب مع الله، وأن تفعل الشيء لله وليس لغرض الرياء والسمعة والتفاخر والجدل والمداهنة ونحو ذلك من آفات القلوب.

من يترك مناظرة الشيطان ويشتغل بمناظرة غيره فهو ضحكة للشيطان

[الشيخ محمد وسام]: واعلم بالجملة أن من لا يُناظر الشيطان وهو مُستولٍ على قلبه وهو أعدى عدو له، ولا يزال يدعوه إلى هلاكه، ثم يشتغل بمناظرة غيره في المسائل التي المجتهد فيها مصيب أو مُساهم للمصيب في الأجر، فهو ضحكة للشيطان وعبرة للمخلصين.

[الشيخ علي جمعة]: إذن الضمير هنا عائد على الشيطان، يعني الشيطان مُستولٍ عليه وهو لا يُناظره، فذهب يُناظر أخاه المسلم وهو لا يُناظر الشيطان [الذي يُوسوس له ويدعوه إلى الهلاك].

شماتة الشيطان بمن غمسه في ظلمات الآفات والدعاء بحسن التوفيق

[الشيخ محمد وسام]: ولذلك شَمِتَ الشيطان به لما غمسه فيه من ظلمات الآفات التي نُعدِّدها ونذكر تفاصيلها، فنسأل الله حسن العون والتوفيق، آمين يا رب.

بيان أن المناظرة لقصد الغلبة والإفحام منبع الأخلاق المذمومة

[الشيخ محمد وسام]: بيان آفات المناظرة وما يتولد منها من مُهلِكات الأخلاق: اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس، وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس، هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله، المحمودة عند عدو الله إبليس.

ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعُجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها، كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة.

تشبيه حب الغلبة في المناظرة بشرب الخمر الذي يجر إلى بقية الفواحش

وكما أن الذي خُيِّر بين الشرب وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم عليه، فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سُكره، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والإفهام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة، دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيَّج فيها جميع الأخلاق المذمومة.

وهذه الأخلاق ستأتي أدلة مذمتها من الأخبار والآيات في ربع المهلكات، ولكننا نُشير الآن إلى مجامع ما تُهيِّجه المناظرة.

تشبيه الخمر بأم الخبائث وتحذير الغزالي من استصغار المعاصي

[الشيخ علي جمعة]: إذن لا تحقرنَّ صغيرة، إن الجبال من الحصى. وسمَّوا الخمر أم الخبائث؛ لأنها إذا شُربت ذهب العقل، وإذا ذهب العقل ارتكب الإنسان المحظورات دون سيطرة على نفسه أو دون وعي الموبقات، فيقتل ويرتكب الفاحشة ويكذب ويُضيِّع المال إلى آخره.

فلماذا سُمِّيت الخمر أم الخبائث بالرغم من أن شربها في حد ذاته لا يضر أحدًا؟ هذا في ذاتها، يعني أنها مجرد قليل من الخمر شربه، لكن لا، فهي تحجب العقل، وعند حجبها للعقل تجعل الإنسان مندفعًا لفعل كل موبقة ضد الآخرين أيضًا، فهي أم الخبائث.

أخلاق الباطن التي هي أم الخبائث والتحذير من استصغار الأمور

فكذلك في عالم الباطن هناك أخلاق هي أم الخبائث، منها هذا الخلق الذي أشار إليه [الإمام الغزالي]، فإنه إذا ما استجاب له تسلطت عليه كل أنواع الخبائث الباطنية: الحقد، الحسد، الكذب، الكبر.

من هذا المدخل فلا تحقر أبدًا صغيرًا، لا تستصغر الأمور؛ لأنهم قالوا هكذا، قالوا: معظم النار من مستصغر الشرر، وقالوا: لا تحقرنَّ صغيرة، إن الجبال من الحصى.

الحسد من آفات المناظرة وحديث الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب

[الشيخ محمد وسام]: فمنها الحسد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، وقال البخاري: لا يصح، وهو عند ابن ماجه من حديث أنس بإسناد ضعيف، وفي تاريخ بغداد بإسناد حسن.

ولا ينفك المناظر عن الحسد؛ فإنه تارة يَغلِب وتارة يُغلَب، وتارة يُحمَد كلامه وأخرى يُحمَد كلام غيره. فما دام يبقى في الدنيا واحد يُذكَر بقوة العلم والنظر، أو يُظَن أنه أحسن منه كلامًا وأقوى نظرًا، فلا بد أن يحسده ويحب زوال النعم عنه وانصراف القلوب والوجوه عنه إليه.

والحسد نار محرقة، فمن ابتُلي به فهو في العذاب في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأعظم.

قول ابن عباس في تغاير الأقران وقاعدة لا يُسمع قول الأقران بعضهم في بعض

ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما:

«خذوا العلم حيث وجدتموه، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة».

[الشيخ علي جمعة]: يعني هذه راعاها علماء الجرح والتعديل وقالوا إنه لا يُسمع قول الأقران بعضهم في بعض؛ لأن المعاصرة حجاب.

فهو لأنه معاصري يسمع عني، فيتكلم فيَّ بشيء من الانتقاص. فمن الذي سيعرف علمي من غير مؤاخذة ولا من غير تحيز ولا من غير ضدية؟ من بعدنا؛ يأتي الذي بعدي يقرأ الكتب ويقول: الله، هذا كان عالمًا جيدًا، في حين أن المعاصر قال: لا، هذا ليس عالمًا أبدًا، إنه يختلف معي في كذا وكذا، ويتغاير بدلًا من أن يقول: هذا وجه وهذا وجه أو كذا، لا يقبل.

فقالوا: لا يُسمع قول الأقران، يعني الأقران الذين في عصر واحد. لماذا؟ قالوا: لأن المعاصرة حجاب يحجب الحقيقة عن الناس.

مثال الإمام مالك وابن أبي ذئب في تغاير الأقران وعدم سماع كلامهم في بعض

واستدلوا أن الإمام مالك كان بينه وبين ابن أبي ذئب كلام، فالإمام مالك ينتقد ابن أبي ذئب، وابن أبي ذئب ينتقد الإمام مالك، فلم يُسمع كلام كل واحد منهما في الآخر. لماذا؟ لأن الإمام مالك هذا رجل كبير وواضح علمه وكل شيء، لكنه كان غاضبًا بعض الشيء من ابن أبي ذئب.

وكذلك ما تكلم فيه الإمام مالك في محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى، فمحمد بن إبراهيم بن أبي يحيى يقول عنه الشافعي: حدثني الثقة. [بينما] الإمام مالك غاضب منه، قال: لا، إنه كان فاسقًا.

تحقيق الإمام البيهقي لمرويات محمد بن إبراهيم وإثبات سلامتها

هكذا هو، الإمام البيهقي جاء بعدهم بقرنين أو ثلاثة قرون وقليل، وبحث في مرويات محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى فوجدها كلها سليمة. إذن هذا البحث بيَّن أن الرجل كان متنبهًا، ولم يكن الإمام مالك متنبهًا له.

فقالوا: لا تسمع كلام الأقران في بعضهم. وعندما سألوهم قالوا: الله! وماذا عن الإمام الشافعي الذي يقول: حدثني الثقة، والإمام مالك يُفسِّقه؟ قالوا: لعله أخذ منه صغيرًا فهابه، يعني الشافعي جالس والرجل محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى رجل كبير، فالإمام الشافعي جالس أمامه متأدبًا وهابه، يعني عليه شيء من الجلال والمهابة.

قاعدة من عرفته صغيرًا لا توقره كبيرًا ومنهج السلف في الأخذ من الجميع

لكن الإمام مالك سنه مساوٍ لسنه [سن محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى] فليس هناك مهابة. قال: من عرفته صغيرًا لا توقره كبيرًا؛ لأنك كنت تلعب معه فلن يحدث شيء. قالوا هكذا.

لكن كل هذا، ها هو ابن عباس يقول: لا تسمعوا كلام الأقران بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير التيوس في الزريبة. التيس مع التيس ينطحان بعضهما هكذا، يجلسان ينطحان بعضهما. فهذا لا، لا تأخذ بالنطحة، هؤلاء يلعبون، يلعبون مع بعضهم، هذان التيسان الصغيران يلعبان معًا فليُمرِّرها.

ولذلك درج العلماء على أنهم لا يكرهون أحدًا، فيذهبون إلى الكل ويأخذون من هنا ومن هناك، حتى لو شتم الشيخ الكبير أو فعل شيئًا ما للشيخ الثاني، وهم على دراية ببعضهم، فأنا لا أتدخل، وإنما أذهب إلى هنا وإلى هناك وإلى هناك. كان السلف الصالح يفعل هكذا.

التكبر والترفع من آفات المناظرة وأحاديث النبي في ذم الكبر

[الشيخ محمد وسام]: ومنها التكبر والترفع على الناس، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«من تكبَّر وضعه الله، ومن تواضع رفعه الله» رواه الخطيب من حديث عمر بإسناد صحيح، وقال: غريب من حديث الثوري، ولابن ماجه روى نحوه من حديث أبي سعيد بسند حسن.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم حكاية عن الله تعالى:

«العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته» رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة، وهو عند مسلم بلفظ: «الكبرياء رداؤه» من حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما.

تقاتل المناظرين على المجالس وتعللهم بعزة العلم لتبرير التكبر

ولا ينفك المناظر عن التكبر على الأقران والأمثال والترفع إلى فوق قدره، حتى إنهم يتقاتلون على المجالس ويتنافسون فيها في الارتفاع والانخفاض والقرب من وسادة الصدر والبعد عنها، والتقدم في الدخول عند مضايق الطرق.

وربما يتعلل الغبي والمكَّار والمخادع منهم بأنه يريد صيانة عز العلم، وأن المؤمن منهي عن إذلال نفسه، كما جاء في الحديث:

«لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفسه» رواه الترمذي وصححه وابن ماجه من حديث حذيفة.

فيُعبِّر عن التواضع الذي أثنى الله عليه وسائر أنبيائه بالذل، وعن التكبر الممقوت عند الله بعز الدين، تحريفًا للاسم وإضلالًا للخلق به، كما فعل في اسم الحكمة والعلم وغيرهما.

قصة الشيخ الأحمدي الظاهري وتلميذه الذي خلط بين عزة العلم والتكبر

[الشيخ علي جمعة]: يحكي لنا مشايخنا أن أحد [العلماء]، كان الشيخ الأحمدي الظاهري من شيوخ الأزهر الكبار، توفي [ولم يبقَ من] الناس ولم يعرف أحد عنهم. وكانت عند الشيخ الأحمدي الظاهري خادمة ضعيفة تعمل في البيت، فتوسلت إليه أن يأخذ الولد [ابنها] عنده لمدة خمس سنوات في الأزهر، فأخذه وعلَّمه القرآن وأنفق عليه حتى حصل على شهادة العالمية.

وفي يوم حصوله على العالمية، كان الذي يمتحنه الشيخ الظواهري أحد أعضاء اللجنة، وبعد ذلك أصبح الشيخ الظواهري شيخًا للأزهر، أي أنه كان شيخًا للأزهر، كان في العالمية، انتهى منها وحصل على العالمية.

موقف التلميذ المتكبر مع شيخه الأحمدي وتعليق الشيخ علي جمعة عليه

ونطقوا بالحكم، فقام هذا الولد وقال له: يا شيخ الأحمدي، فأجابه: نعم. فقال له: الآن تساوت الرؤوس! كيف تساوت الرؤوس؟ ما هذا؟ هذا أبوك الذي رباك، شيخك! الآن مباشرةً!

فيقولون للولد: أنت تقول هكذا، العزة للعلم! هذا نفس الكلام الذي يقوله [الإمام الغزالي] هنا: عزة للعلم. هذه ليست عزة للعلم، هذه قلة أدب! وتُجرِّئ الناس بدلًا من أن تقول له: شكرًا يا شيخ هكذا.

فالشيخ الظواهري قال له: نعم يا بني، تساوت الرؤوس، حسنًا. هذا هو الشيخ الظواهري نعرفه، هذا الولد مَنْ؟ نحن لا نعرفه، ذهب في التاريخ، لا نعرفه ولا نعرف ما اسمه ولا القصة ولا الرواية ولا أي شيء، وليس له شيء ولا له كتاب ولا له نفع أو غير ذلك. الله كريم.

خاتمة الدرس والتحذير من الخلط بين التواضع المأمور به والتكبر المذموم

لأن الشيخ الأحمدي رجل عالم، وهو لم يفعل شيئًا يستحق أن يُعاقب عليه، لقد زلَّ [هذا التلميذ]، يعني أستميحك عذرًا وأنت تريد رد الإهانة بعزة.

فإذا هذا المسكين قد اختلط عليه الفرق بين التواضع وهو مأمور به، وبين التكبر الذي اعتقد أنه عزة للعلم.

فقال [الإمام الغزالي]: هذا مكَّار خدَّاع، هذا الصنف؛ لأنه يخدع نفسه ويُبرِّر لنفسها ما ليس لها.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.