مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 56 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 56 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • تحدث الإمام الغزالي عن آداب المتعلم والمعلم، موضحاً أن أركان العلم خمسة: الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي.
  • المسلمون أنشؤوا نظام الحلقات في المساجد للتعليم، وكل حلقة تختص بعلم من العلوم، مع نظام متكامل للكتب من المتن إلى الشرح فالحاشية فالتقرير.
  • ميّز الغزالي بين العلم والمعلومات، فالعلم ليس مجرد حفظ وكثرة رواية، بل هو نور يقذفه الله في القلب.
  • العلم الحقيقي يتجلى في خشية الله، ونتيجته تقوى الله وعمارة الكون وتزكية النفس.
  • العلم يحتاج إلى التربية والتلقي والبركة والاتصال بسلسلة العلماء المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
  • يشترط للطالب آداب ضرورية لتحصيل العلم الحقيقي الذي يوصله إلى الله سبحانه وتعالى.
  • العلم (بمفهومه الإسلامي) لا يترجم بكلمة "ساينس" الإنجليزية لاختلاف المفهوم.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الدرس وأركان العلم الخمسة في كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الأئمة الغزالي، وهو يتحدث في آداب المتعلم والمعلم. ونعلم أن أركان العلم خمسة:

  1. الطالب.
  2. الأستاذ — وهذان ركنان.
  3. المنهج.
  4. الكتاب — وهذان ركنان.
  5. الجو العلمي.

لا بد من الجو العلمي، وكان لكل عصر جوٌّ ينشئه الأساتذة الكبار.

أرسطو وتعليم تلاميذه في حديقة أكاديموس وأصل كلمة أكاديمية

أرسطو كان يعلّم تلاميذه في حديقة أكاديموس، كان يسير بهم ويرى أن الحركة تساعد الفكر على التنشيط، فهو يرى هذا. فكان يسير في وسط الحدائق والورود والخضرة مع تلاميذه، يستمعون إليه ويناقشهم ويناقشونه، وتخطر في بال أحدهم فكرة فيتحدث بها، وهكذا.

ومن هنا جاءت كلمة أكاديمية؛ هذا الكلام أكاديمي أم غير أكاديمي؟ يعني علمي أم غير علمي؟ جاءت من حديقة أكاديموس التي تخص أرسطو، وهؤلاء سُمُّوا بالمشّائين.

الحلقات العلمية في المساجد وتعدد العلوم في الأزهر قديمًا

جوٌّ علميٌّ [أنشأه المسلمون]؛ المسلمون أنشؤوا الحلقات. هذه الحلقات لم تكن موجودة بهذه الصفة، كما نحن جالسون في حلقة الآن هكذا، متناسبة مع جو المسجد الذي هو مؤسسة علمية، متناسبة مع تعدد الحلقات في المسجد الواحد.

كنتَ عندما تدخل الأزهر قديمًا — وهناك بعض الصور — تجد هذه حلقة فيها عشرون شخصًا، وهذه حلقة فيها خمسة، وهذه حلقة فيها مائتان، وهذه حلقة، وهكذا. وكل حلقة تدرس علمًا من العلوم، حتى أطلقوا على أستاذ الكرسي — كورس التي في الإنجليزية — هذه معناها الكرسي، أتت من عندنا نحن. وأستاذ العمود؛ لأنه كان يَسَعُ المتعلمَ والمعلمَ أكثر لطفًا؛ لأنهم قريبون من بعضهم البعض.

المنهج والكتاب المقرر وأصل مفهوم التكست بوك عند المسلمين

والمنهج والكتاب ضروري في أشياء نأخذها، أي الأساسيات. أخذها أهل الغرب وذهبوا فأطلقوا عليه تكست بوك. وتكست بوك يعني ماذا؟ يعني الكتاب الذي يحتوي على المبادئ والأساسيات التي يجب أن تعرفها كي تبدأ العلم.

ووضعوا له شروطًا ووصفوه وألّفوه في هذه الشروط أيضًا: كيف تصنع تكست بوك. هذا كنا نسميه المتن، ونحن صنعناه هكذا. المتن صنعناه قبل التكست بوك هذا بزمن طويل وله شروط.

منظومة المتن والشرح والحاشية والتقرير في التراث الإسلامي

وهذا المتن نوسّعه بالشرح، والشرح نوسّعه بشرح الشرح الذي نسميه الحاشية، والحاشية نوسّعها بشرح شرح الشرح الذي هو التقرير. وكل هذا مرتبط بالأستاذ والطالب.

وعندما ضعفت ملكة العربية فاستُبدلت بهذه الشروح المهمة ذات الدوائر المتسعة؛ دائرة خارج دائرة خارج دائرة خارج دائرة.

آداب الطالب وشروطه وغاية العلم الموصل إلى الله تعالى

الإمام الغزالي معنا اليوم وهو يتحدث عن أدب المتعلم والمعلم. الطالب كيف يكون الطالب؟ له شروط وله آداب لا بد علينا أن نعلّمها للطالب، ومن دون هذه الآداب فإنه لن يحصل على العلم الذي نريده.

وما العلم الذي نريده؟ علمٌ يوصله إلى الله، هذه هي الحكاية في النهاية. يتعلم الطب فيصل إلى الله، يتعلم الفلك فيصل إلى الله، يتعلم الرياضيات فيصل إلى الله. إذن لا بد أن يُربّى.

منظومة التعليم والتدريب والتربية عند الغربيين وسبق الإمام الغزالي

الجماعة الغربيون يقولون هكذا أيضًا، يقولون إن هذه هي منظومة: (ليرنينج، تريننج، إيديوكيشن)، أي التربية وقبلها التدريب وقبل ذلك التعليم، يعني شيئًا واحدًا. هؤلاء هم، والشيخ [الغزالي] ها هو يقول قبل أن يقولوا أو يفكروا فيها.

حتى عندما تُرجم الكتاب [إحياء علوم الدين] لم يترجموه هكذا، لم يترجموه إلى الإنجليزية بحيث أنه يُفهمهم أصول هذا الكلام. موجود ها هو، ولكن روجرز بيكون وفرانسيس وإخواننا دافنشي وغير ذلك من الكتّاب الأوائل، جميعهم كانوا يعرفون العربية، جميعهم واطّلعوا على الشيخ الغزالي وهو سابق عليهم بأكثر من مائة سنة أو مائتين أو ثلاثمائة حسب موعد كل واحد منهم.

تأثر دانتي بأبي العلاء المعري وأخذ الغرب من التراث الإسلامي

اطّلعوا على العربية وعاشوا فيها. يقول لك إن هناك أوجه شبه كبيرة بين دانتي وبين أبي العلاء في رسالة الغفران. دانتي وهو يؤلف في الجحيم قارئٌ [لـ] أبي العلاء، قارئٌ [لـ] أبي العلاء.

ليس من الممكن، ليس من الممكن أن يكون توافق الأفكار إلى هذا الحد؛ هذا رجل اطّلع على هذا [التراث العربي]. هضم حقنا فلا بأس، لا بأس.

لكن نحن نقرأ هذا لأن فيه الحكمة الأولى، نحن نبحث عن الحكمة الأولى. فهذا الكتاب فيه الحكمة الأولى، فيه أصول الأشياء.

كلام الإمام الغزالي في أن رديء الأخلاق بعيد عن العلم الحقيقي النافع

فماذا يا شيخ محمد يقول الإمام الغزالي في آداب المتعلم؟

[الشيخ محمد وسام]: يقول الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه — ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين —: فإن قلتَ كم من طالب رديء الأخلاق حصّل العلوم، فهيهات! ما أبعده عن العلم الحقيقي النافع في الآخرة الجالب للسعادة.

فإن من أوائل ذلك العلم أن يظهر له أن المعاصي سموم قاتلة مهلكة. وهل رأيتَ من يتناول سمًّا مع علمه بكونه سمًّا قاتلًا؟

الفرق بين العلم الحقيقي وترديد المعلومات عند المترسمين

إنما الذي تسمعه من المترسّمين حديثٌ يتلقّفونه بألسنتهم مرة ويردّدونه بقلوبهم أخرى، وليس ذلك من العلم في شيء.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يُقذف في القلب.»

وقال بعضهم: إنما العلم الخشية؛ لقوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

وكأنه أشار إلى أخصّ ثمرات العلم.

معنى قولهم تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله

ولذلك قال بعض المحققين معنى قولهم: «تعلّمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله»، أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته، وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه.

كلمة العلم لا تُترجم بكلمة ساينس ولا نوليدج بل هي مفهوم مستقل

[الشيخ]: فتقرّر أن كلمة العلم هنا لا تُترجم بالإنجليزية ساينس أبدًا، ولا علاقة لها بكلمة ساينس. كلمة علم تُترجم «علم»، ما لها ترجمة إلا «علم»، ويجب أن تدخل في اللغة الإنجليزية «علم» حتى تأتي بهذا المعنى.

هذا معنى لا وجود له لا في كلمة نوليدج ولا في كلمة ساينس. الساينس هي العلم التجريبي؛ علم المختبرات، الكيمياء والفيزياء والتشريح وكذا.

الفرق بين العلم والمعلومات في رواية ابن مسعود والعلم هو الخشية

لكن هو [الإمام الغزالي] يتحدث عن الخشية، هو يقول إن العلم هو الخشية، الخوف من الله هو العلم الذي إطاره المعلومات.

إذن هنا فرّق الإمام [الغزالي] في رواية عن ابن مسعود بين العلم والمعلومات. معلومات — في الإنجليزية يقولون انفورميشن — معلومات. لكن العلم ما هو؟ هم [الغربيون] لم يدرسوا العلم أبدًا هكذا، لم يخطر في بالهم هذا المفهوم.

مفهوم أن العلم هو نسق من الخشية الربانية توضع فيه المعلومات. بل هم جرّدوا المعلومات فأصبحت معلومات لا رابط ولا ضابط بينها، ربطوا فيما بينها ظاهريًّا فأصبحت ساينس.

خطأ ترجمة ساينس إلى علم وعلم إلى ساينس جريمتان لا جريمة واحدة

فمن الخطأ أن نترجم ساينس إلى كلمة علم، وأن نترجم علم إلى كلمة ساينس؛ هاتان جريمتان وليس جريمة واحدة. لأن هذا الساينس سمِّه شيئًا آخر، سمِّه معلومات التجريب، سمِّه التجريب ولا بأس.

لكن العلم الذي يتحدث عنه الإمام الغزالي هذا علمٌ عرّفه بأنه نور يلقيه الله في القلب، وليس بكثرة الرواية التي هي المعلومات.

العلم الحقيقي هو تأثير المعلومات في القلب فتُنتج خشية الله

فأنا أحفظ مائة حديث، أي معلومات. أين العلم إذن؟ العلم أن تؤثر هذه المعلومات في قلبك فتخشى الله، هذا هو العلم.

هو [العلم] ناتج عن المعلومات، ناتج عنها في ماذا؟ في تقوى الله. وناتج عنها في ماذا أيضًا؟ في عمارة الدنيا. وناتج عنها في ماذا أيضًا؟ في تزكية النفس.

مثلث العلم: تقوى الله وعمارة الكون وتزكية النفس

فالعلم مثلث يشتمل على تقوى الله، ويشتمل على عمارة الكون التي سأستفيدها من معلوماتي، ويشتمل على تزكية النفس. هكذا تصبح عالمًا.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

طبعًا، ما هو العالم؟ هو الذي معه الخشية والعمارة والتزكية، هكذا يصبح عالمًا. وهكذا قطعًا، ما هو؟ كأنك تقول: إنما يخشى الله من عباده الخاشون. ما هي نفسها؟ العلماء هم الذين يخشون؛ لأنه لا يمكن أن يكون عالمًا إلا بالخشية.

التنبيه على الفرق العظيم بين العلم والمعلومات عند المسلمين

فإذن هنا نبّه [الإمام الغزالي] على شيء عظيم وهو الفرق بين العلم والمعلومات. احفظها هكذا: هناك فارق عند المسلمين بين العلم وبين المعلومات.

فالمعلومات وإن كثرت — التي هي كثرة الرواية — اقرأ كلام ابن مسعود يا شيخ محمد:

[الشيخ محمد وسام]:

«ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يُقذف في القلب.»

[الشيخ]: فقط، هذا هو العلم. والمعلومات التي أجهدنا أصواتنا فيها يا جماعة — هناك فرق بين العلم والمعلومات — كل واحد لديه بعض المعلومات التي هي كثرة الرواية، فيتصدّر ويصبح عالمًا من غير خشية، وهذا لا ينفع، فهذا ليس عالمًا.

العلم نسق وتربية وتقوى وبركة متصلة بسلسلة إلى النبي ﷺ

فكيف إذن وهو يعرف مائة معلومة؟ نعم هو يعرف مائة معلومة، ولكن المعلومات شيء والعلم شيء آخر. العلم هذا نسق، العلم هذا تربية، العلم هذا يحتاج إلى تقوى، العلم هذا تلقٍّ، العلم هذا بركة.

هذا يوجد في سلسلة بيننا وبين النبي ﷺ تسير فيها البركة هكذا. فإذا لم تتصل بهذه السلسلة ستفقد البركة. إذا لم تكن — إذا كانت علاقتك مع الله قوية — ستفقد العلم [إن لم تتربَّ]. إذا لم تتربَّ على يد الشيخ فإن جزءًا من العلم الأهم سيضيع، ولن تكون عالمًا ولا شيئًا.

الفرق بين المنهج الأزهري وغيره في الاتصال بسلسلة العلم إلى النبي ﷺ

ولذلك يقول لك: ما الفرق بين الأزهري — المنهج الأزهري — والمنهج الذي ليس أزهريًّا؟ الاتصال. الله! أنا لي شيخ وهو له شيخ إلى سيدنا النبي ﷺ، هناك سلسلة.

ففي اتصال [بالسلسلة يكون العلم]، واحد ظهر هكذا نابتًا من غير اتصال لا ينفع، ليس هذا هو العلم.

خلاصة الدرس: الإمام الغزالي وضع يده على مفتاح الفرق بين العلم والمعلومات

ولذلك الإمام الغزالي وضع يده على مفتاح من المفاتيح العظيمة، وهي الفرق بين العلم وبين المعلومات.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم.