مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 65 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 65 | أ.د علي جمعة

15 دقيقة
  • يستعرض النص وظيفتين من وظائف المعلم في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي.
  • الوظيفة السابعة تتعلق بالتدرج في تعليم المتعلم حسب قدراته، فلا يُذكر للقاصر ما يفوق إدراكه حتى لا يُشوش عليه فهمه.
  • ينبغي ترك العوام على عقائدهم البسيطة المأثورة عن السلف دون تشويشها بتأويلات وتدقيقات تعجز عقولهم عن حملها.
  • يُقتصر مع العوام على تعليم العبادات والأمانة في صناعاتهم وملء قلوبهم بالرغبة والرهبة.
  • يحذر من تصدر الجهلاء للفتوى والتعليم دون علم صحيح أو أصول متينة.
  • الوظيفة الثامنة أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يخالف فعله قوله.
  • العلم يُدرك بالبصائر والعمل يُدرك بالأبصار، ومخالفة العمل للعلم تمنع الرشد.
  • وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل لأن كثيرين يقتدون به.
  • لا بد للمعلم من تزكية القلب وجعل العلم لوجه الله تعالى.
محتويات الفيديو(18 أقسام)

مقدمة الدرس واستكمال وظائف المعلم من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. وما زلنا في كتاب العلم في وظائف المعلم، قال: إنها ثمانية، وعددنا منها سبعة. اقرأ يا شيخ محمد.

الوظيفة السابعة للمعلم: مراعاة مستوى المتعلم القاصر وعدم تشويشه

[الشيخ محمد وسام خضر]: قال رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين.

الوظيفة السابعة: أن المتعلم القاصر ينبغي أن يُلقى إليه الجلي اللائق به، ولا يُذكر له أن وراء هذا تدقيقًا وهو يدخره عنه؛ فإن ذلك يُفتِّر رغبته في الواضح، ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه.

إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علمٍ دقيق، فما من أحد إلا وهو راضٍ عن الله سبحانه في كمال عقله، وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلًا هو أفرحهم بكمال عقله.

حكم تشويش عقائد العوام بالتأويلات وضرورة تركهم على إيمانهم الفطري

وبهذا يُعلم أن من تقيّد من العوام بقيد الشرع، ورسخت في نفسه العقائد المأثورة عن السلف من غير تشبيه ومن غير تأويل، وحَسُنَت مع ذلك سريرته، ولم يحتمل عقله أكثر من ذلك؛ فلا ينبغي أن يشوش عليه اعتقاده، بل ينبغي أن يُخلّى وحرفته.

فإنه لو ذُكر له تأويلات الظاهر انحلّ عنه قيد العوام، ولم يتيسر قيده بقيد الخواص، فيرتفع عنه السد الذي بينه وبين المعاصي، وينقلب شيطانًا مريدًا يهلك نفسه وغيره.

الاقتصار مع العوام على تعليم العبادات والترغيب والترهيب دون فتح باب البحث

بل لا ينبغي أن يُخاض مع العوام في حقائق العلوم الدقيقة، بل يُقتصر معهم على تعليم العبادات وتعليم الأمانة في الصناعات التي هم بصددها، ويُملأ قلوبهم من الرغبة والرهبة في الجنة والنار كما نطق به القرآن، ولا يُحرَّك عليهم شبهة.

فإنه ربما تعلقت الشبهة بقلبه ويعسر عليه حلها فيشقى ويهلك. وبالجملة لا ينبغي أن يُفتح للعوام باب البحث؛ فإنه يعطل عليهم صناعاتهم التي بها قوام الخلق ودوام عيش الخواص.

نقد تصدر غير المتعلمين للفتوى والإرشاد وأثره على الأمة

[الشيخ]: هذا [الأدب في التعليم] افتقدناه فكدنا أن نهلك. هذا الذي يقوله الإمام [الغزالي] منذ نحو ألف سنة، بدلًا من أن نتقدم تأخرنا بدعوة السلفية وبدعوة المتشددين وبدعوة النابتة إلى آخره. تصدّروا قبل أن يتعلموا.

انتبه إلى أنهم جميعًا غير متعلمين [في العلوم الشرعية]؛ الذي يعمل بائعًا، والذي يعمل في مجال السيراميك، والذي يعمل لا أعرف ماذا، والذي تخرّج من كلية الإعلام، والذي تخرّج من كلية الآداب، والذي تخرّج من كلية لا أعرف ماذا، لم يدرس أحدهم الطب [أي العلم الشرعي المتخصص]، وأين درسوا الباقي يا عيني!

أهمية دراسة الحديث لتعلم التوثيق والتمييز بين الصحيح والضعيف

ضحكوا على شخص هنا أو هناك أو هناك من الذين درسوا وهم لم يدرسوا هذا الشيء [العلم الشرعي بأصوله].

المخرج من هذا [الجهل] دراسة الحديث؛ لأن الحديث يُعلّم الناس التوثيق، ولذلك تجد هؤلاء الناس يحاولون أن يتمسحوا بالحديث. تدرس الحديث فتتعلم التوثيق، وتعرف أن كل هذا الكلام مثل الرجل الذي قال له الطبيب: امشِ على الدواء، فوضعه على الأرض ومشى عليه.

هذا ما نحن فيه: لا لغة، ولا أصول، ولا عقيدة، لا معقول ولا منقول.

نقد حصر العلم في أشخاص بعينهم وتبديع سائر الأمة

وكأن الدنيا قد خلت ليس فيها علم حتى ظهر الشيخ ابن تيمية، وبعد الشيخ ابن تيمية خلت الدنيا من العلم، ليس هناك أحد، بل الكل مبتدع إلى أن ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبعد ذلك انتهت الدنيا إلى أن ظهر الشيخ ابن باز فقط.

يا سيدي، ليس هكذا! كل شخص يُؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر الشريف صلى الله عليه وسلم.

«وإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار»

لا، هذا الحديث ضعيف! لابد أن يكون ضعيفًا عندهم. نُضعِّفه هكذا قبل أن ننظر فيه. لماذا؟ لأنه ضدهم.

تضعيف الأحاديث بالهوى لا بالعلم ومثال حديث حملة العلم

حتى ضعّفوا حديث:

«يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»

قال: إنه حديث ضعيف. لماذا؟ لأنه [أي المُضعِّف] ليس من هؤلاء الخلف، وليس هو من الحملة، فقام بتضعيفه. إذن هذا تضعيف بالهوى وليس بالعلم.

حسنًا، أليس الله تعالى يقول لك [كذا وكذا]؟ لا، ليس لنا شأن بـ"قال تعالى"! نحن نريد السُّنة. والسُّنة على هواهم؛ يأخذون منها ما يريدون ويتركون ما لا يريدون.

حقيقة البدعة وردها على السنة بالبطلان في مسألة أدعية الطواف

الخير كل الخير في اتباع مَن سلف، والشر كله الشر في ابتداع مَن خلف. فهؤلاء بدعة. لماذا؟ لأنهم زادوا على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما هو منهج رسول الله [في التلبية]؟ قال: فكان يسمع تلك التلبية. التلبية، كل شخص أصبح يقول ما لديه ويدع الناس. فيأتي ويقول لك: ماذا تقول أنت؟ تعالَ وأنت في الطواف، تقول له: هذا في كتاب [أدعية الطواف]، أهو يذكر أدعية الطواف، كل دعاء الشوط الأول.

يقول: هذا بدعة، هذه الأدعية! صحيحٌ أنها غير واردة عن رسول الله، إنما هي واردة عن الصالحين الذين وُجدت قلوبهم مع الله فوضعوها، استفدنا منها؛ لأن منهج الدعاء قائم على السعة، فجعلوه ضيقًا. فالبدعة من هنا.

ما هي البدعة؟ هي التي تَكِرُّ على السنة بالبطلان حكمًا أو منهجًا. فهذه [الأدعية] ردّت على السنة بالبطلان [عندهم].

الرد على من يمنع ذكر اسم الله المفرد بالأدلة القرآنية والنبوية

يقول لك: ماذا تقول؟ أذكار: يا الله، يا الله، يا الله، يا الله. فيقول لك: لا، هذه بدعة. لماذا؟ بدعة لماذا؟

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

لكنها لم ترد! إذن ماذا تريد أكثر من ذلك؟ يقول لك: ولله الأسماء الحسنى وردت، فادعوه بها. يا الله، ما المشكلة في ذلك؟

قال: لا، على كل حال "يا الله" مقبولة، لكن "الله الله الله الله الله" هذه غير مقبولة. لماذا؟

حسنًا:

﴿قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91]

كيف سينفذها؟ نفّذ لي هذه الآية هكذا: قل هكذا: الله، الله، الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.

الاستدلال بحديث النبي على مشروعية ذكر الله بالاسم المفرد والرد على المنكرين

النبي عليه الصلاة والسلام قال:

«حيث لا يُقال في الأرض: الله، الله»

أي أنه كان يُقال: الله، الله. لا، ولكن لم ترد! ما الذي لم يرد؟

إذن هذا الذي أقول له: ما هذا؟ لا، لا، لا، لا، لا. يعني لم نرَ في العالم بل ولا في التاريخ أتعس من هذا [المنهج]. ها هو [القرآن] والكتاب، وها هي السنة. يقول لك: أبدًا، لم ترد!

لماذا هو يفعل هكذا؟ لأنه جاهل، لم يتعلم. إذن يجب علينا أن نستفيق. أفِق يرحمك الله! اقرأ يا شيخ محمد.

الوظيفة الثامنة للمعلم: أن يكون عاملًا بعلمه قدوة حسنة

[الشيخ محمد وسام]: الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم عاملًا بعلمه، فلا يكذب قوله فعله؛ لأن العلم يُدرك بالبصائر، والعمل يُدرك بالأبصار، وأرباب الأبصار أكثر.

فإذا خالف العمل العلم منع الرشد، وكل من تناول شيئًا وقال للناس: لا تتناولوه فإنه سمٌّ مهلك، سخر الناس به واتهموه، فزاد حرصهم على ما ابتعدوا عنه، فيقولون: لولا أنه أطيب الأشياء وألذها ما كان يستأثر به.

مثل المعلم كالنقش في الطين والظل من العود وأثر القدوة السيئة

ومثل المعلم المرشد مع المسترشدين كمثل النقش في الطين والظل من العود؛ فكيف ينتقش الطين بما لا نقش فيه؟ ومتى استوى الظل والعود أعوج؟

ولذلك قيل في المعنى:

لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

وقال الله تعالى:

﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]

ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل؛ إذ يزلّ بزلته عالَمٌ كثير ويقتدون به.

«ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها»

قول علي رضي الله عنه في العالم المتهتك والجاهل المتنسك

ولذلك قال علي رضي الله عنه:

«قصم ظهري رجلان: عالمٌ متهتك، وجاهلٌ متنسك»

فالجاهل يغرّ الناس بتنسكه، والعالم يغرّهم بتهتكه. والله أعلم.

تعليق الشيخ على وجوب أن يكون المعلم أسوة حسنة واتصال العلم بالتقوى

[الشيخ]: وهذا هو الثامن من وظائف المعلم: أن يكون أسوة حسنة. وأيضًا هذا ضُربنا فيه في مقتل.

وكثير من العلماء بعد تحصيلهم العلم لا يدركون أن هذا العلم متصل بالتقوى، وأنه لا يُعدّ [علمًا نافعًا] إلا بذلك، وأن المجتهد لو كان فاجرًا لا يُؤخذ باجتهاده.

وهل يمكن أن يكون المجتهد كافرًا؟ بحث الأصوليون في هذا وقالوا: وهل المجتهد معصوم؟ المجتهد غير معصوم. اليوم كان مجتهدًا ثم كفر في اليوم الثاني، يحصل شيء [كهذا] من الكفر؟ قدّر الله عليه هكذا.

إذن اجتهاده لا يُسلَّم؛ لأن الاجتهاد معلومات وقوة ذهن وحضور وهكذا إلى أهمية اجتهاد الكافر، لكن لا يُؤخذ منه حتى لو كان مجتهدًا؛ إلا أنه كافر.

ارتباط التقوى بالعلم والقدوة الحسنة في ضوء القرآن والسنة

وكذلك [قال الله تعالى]:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

فالقضية هنا أيضًا في تكليف للمتصدرين والمرشدين إلى أن يكونوا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

فلا بد على المرشد أن يذكر الله كثيرًا.

أثر الإمام الغزالي في ربط الفقه بالتصوف وضرورة تزكية القلب للمرشد

وهذا هو في النهاية الذي جعل الفقهاء بعد الإمام الغزالي كلهم أصبحوا صوفيين، كلهم أصبحوا صوفية. فالفقيه يجب أن يعمل فيه التصوف.

حتى دُفن ابن تيمية في مقابر الصوفية؛ لأنه كان معدودًا منهم، وكان له ورد، وهكذا دُفن في مقابر الصوفية في دمشق، ما أنت تعرف يا شيخ عبد.

فإذن لا بد من التصوف. فتصوف الذي هو ماذا؟ تزكية القلب، يعني تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح. لا بد لكل المشارب والطوائف، خاصة المرشد، أن يتمسك بهذا حتى يجعل العلم لوجه الله.

فإذا جُعِل ذلك بورك فيه ووُفّق وأُعين من عند الله سبحانه وتعالى.

ختام الدرس والتوديع

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.