مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 7 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 7 | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • العلم في معناه النافع هو أساس تقدم الأمة وتمكنها، فلا تطور بدون علم.
  • قال علي رضي الله عنه: "ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء".
  • العلماء أحياء والناس أموات، فمن اختار العلم نال المال والملك معه كما اختار سليمان عليه السلام.
  • الخاصية التي تميز الإنسان عن سائر البهائم هي العلم، وليس القوة أو الشجاعة أو عظم الجسد.
  • القلب غذاؤه العلم والحكمة، فمن فقدهما فقلبه مريض، كما قال فتح الموصلي.
  • مداد العلماء يوزن بدم الشهداء فيرجح، كما قال الحسن البصري.
  • ابن مسعود حث على طلب العلم قبل أن يرفع بموت العلماء، وقال: "ليودن شهداء أن يبعثهم الله علماء".
  • العلم ملكة تكتسب بالتدرب والممارسة، فما من أحد يولد عالماً إنما العلم بالتعلم.
  • تنكشف للعالم الحقائق وتنزل على قلبه الأنوار، ومن أدرك العلم لم يفته شيء.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

أبيات سيدنا علي في فضل العلم وشرف أهله

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الغزالي:

[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين.

وقال علي رضي الله تعالى عنه نظمًا:

ما الفخرُ إلا لأهل العلم إنهمُ ... على الهدى لمن استهدى أدلّاءُ وقدرُ كلِّ امرئٍ ما كان يُحسنُهُ ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ ففُز بعلمٍ تعِش حيًّا به أبدًا ... الناسُ موتى وأهلُ العلم أحياءُ

العلم النافع أساس عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس

[الشيخ]: الله! الناس موتى وأهل العلم أحياء، العلم بمعناه النافع الذي ينفع الناس في عبادة الله وفي عمارة الأرض وفي تزكية النفس.

العلم، وأول كلمة نقولها في البداية: العلم، لا بدّ من العلم. ولذلك ما تخلّفنا كل هذا التخلف وما حدثت كل هذه الأحداث إلا بأن العلم عندنا قد قُدِح، ضُرِب في مقتل.

فلا بدّ مرة أخرى أن نعيد بناء منظومة العلم؛ فلا تطوّر ولا تقدّم ولا تمكّن ولا مشاركة في العالم إلا بالعلم، نعم.

العلماء حكام على الملوك وسليمان اختار العلم فأُعطي المال والملك

[الشيخ محمد وسام]: وقال أبو الأسود: ليس شيء أعزّ من العلم، الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خُيِّر سليمان بن داود عليهما السلام بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأُعطي المال والملك معه.

المدخل الصحيح للملك والغنى هو العلم لا غيره

[الشيخ]: المدخل الصحيح هكذا. ماذا أنت تريد أن تكون؟ قال له: أريد أن أصبح ملكًا، قال له: تعلّم تصبح ملكًا. ماذا تريد أن تكون؟ قال له: غنيًّا، قال له: تعلّم تصبح ملكًا.

إنما يمكن أن تكون ملكًا جاهلًا وهي أيام تنقضي في متعة، يمكن أن تكون غنيًّا ولكن الغنى لا يأتي بالعلم، وإنما الذي يأتي بالمال وبالملك هو العلم، نعم.

سؤال ابن المبارك عن حقيقة الناس والملوك والسفلة

[الشيخ]: وسُئل ابن المبارك: من الناس؟ فقال: العلماء. قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهّاد. قيل: فمن السَّفَلة؟ قال: الذين يأكلون الدنيا بالدين.

ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هي العلم. فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس ذلك بقوة شخصه فإن الجمل أقوى منه، ولا بعِظَمه فإن الفيل أعظم منه، ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه، ولا بأكله فإن الثور أوسع بطنًا منه، ولا ليُجامع فإن أخسّ العصافير أقوى على السِّفاد منه، بل لم يُخلق إلا للعلم.

وقال بعض العلماء: ليت شعري أيّ شيء أدرك من فاته العلم، وأيّ شيء فاته من أدرك العلم.

من أدرك العلم انكشفت له الحقائق وتنزلت على قلبه الأنوار

[الشيخ]: من أدرك العلم لم يفُته شيء، وتنكشف له الحقائق وتتنزّل على قلبه الأنوار، ويُكشف أمام عقله، تُكشف الأسرار وتزول الحُجب والأستار.

ولذلك عند الاختيار تختار العلم بلا مِراء ولا تردّد؛ لأن العلم شرفه فوق كل شرف، نعم.

تشبيه القلب بالجسد في حاجته إلى غذاء العلم والحكمة

[الشيخ محمد وسام]: وقال فتح الموصلي رحمه الله: أليس المريض إذا مُنع الطعام والشراب يموت؟ قالوا: بلى. قال: كذلك القلب إذا مُنع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت.

الفرق بين بلى ونعم في الإجابة على السؤال المنفي والمثبت

[الشيخ]: إذن، عندما نُسأل [سؤالًا] ليس بالنفي وتريد أن تقول: أي [نعم]، تقول: بلى.

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾ [الأعراف: 172]

لا تقل "نعم"؛ لو قلت "نعم" فتكون: نعم لستَ بربنا، والعياذ بالله تعالى، لا يصح. أليس المريض إذا مُنع الطعام والشراب مات؟ قالوا: بلى، أي نعم يموت.

فإذن إجابة النفي تكون في "بلى"، ونفيها في "نعم". تريد أن تقول: لا يموت، تقول: "نعم"، ليس يموت، معناها كذلك. نعم، أما الإثبات فجوابه "نعم"، عكس النفي.

إذن ونفيه "لا". أجئتَ أمس هنا؟ تقول: "لا"، أي ما جئتُ أمس. وهكذا عندما ترى النفي تُجيب في الإيجاب بـ"بلى"، وعندما ترى الإثبات تُجيب فيه بـ"نعم"، ونفي النفي "نعم"، ولكن نفي الإثبات "لا"، مربّعة كذلك. وضع هذين الاثنين هكذا وأمامهما الاثنان هكذا فيصبح مربّعًا، نعم.

غذاء القلب العلم والحكمة ومن فقدهما فقلبه مريض وموته لازم

[الشيخ محمد وسام]: ولقد صدق [فتح الموصلي]؛ فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته، كما أن غذاء الجسد الطعام. ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم، ولكنه لا يشعر به؛ إذ حبّ الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه.

كما أن غلبة الخوف قد تُبطل ألم الجراح في الحال وإن كان واقعًا. فإذا حطّ الموت عنه أعباء الدنيا أحسّ بهلاكه وتحسّر تحسّرًا عظيمًا ثم لا ينفعه.

وذلك كإحساس الآمن من خوفه والمُفيق من سُكره بما أصابه من الجراحات في حالة السُّكر أو الخوف. فنعوذ بالله من يوم كشف الغطاء؛ فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

[الشيخ]: نسأل الله السلامة، نعم.

ترجمة الحسن البصري ونشأته في بيت أم سلمة وتربيته على يد سيدنا علي

[الشيخ محمد وسام]: وقال الحسن رحمه الله: يُوزن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء.

[الشيخ]: الحسن إذا أُطلق في كتب السلف الصالح فهو الحسن البصري. والحسن البصري كانت أمه تخدم عند أم سلمة أم المؤمنين عليها السلام، فتربّى في بيت أم سلمة السيدة وهي تخدم سيدتنا أم سلمة، جاءت بالولد معها.

من هو هذا الولد؟ إنه الحسن البصري الذي هو سيد كبير من سادة التابعين. فنشأ الحسن البصري في بيت أم سلمة، أيّ شيء عظيم هذا!

فأم سلمة كانت من الفقهاء العظام من أمهات المؤمنين، هي والسيدة عائشة. والسيدة عائشة أكثرت من الرواية ومن التصدّر للفتوى، وكان الصحابة يسألونها والتابعون. وأم سلمة كذلك، لكنها كانت تأتي في المرتبة الثانية بعد السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها.

فالسيدة أم سلمة ربّت الحسن البصري عندها. وليس المقصود بإطلاق "الحسن" الحسنَ بن علي رضي الله تعالى عنهما؛ لما يقول لك: "قال الحسن" لا يذهب ذهنك إلى الحسن بن علي؛ لأنه لو قصد ابن علي لصرّح وقال: "الحسن بن علي"، لكن لمّا لم يصرّح وأشار إليه قال: "الحسن"، يبقى هو الحسن البصري.

سماع الحسن البصري من سيدنا علي وأخذه طريق الله عنه

[الشيخ]: والحسن البصري سمع من علي [بن أبي طالب]؛ لمّا انتقل سيدنا علي كان الحسن البصري شابًّا يافعًا هكذا، عنده خمسة عشر عامًا. وكان علي قد اهتمّ به وبتربيته، فأخذ من علي، وأخذ من علي رضي الله تعالى عنه طريق الله.

فخرج من كبار الزهّاد والعلماء والحكماء، فتراه في رواياته وفي نقله للعلم منيرًا. فكثيرًا ما يُنقل في كتب الأخلاق عن سيدنا الحسن البصري رضي الله تعالى عنه.

وجمعوا فقهه فوجدوه في ثمان مجلدات، وهو فقه الحسن البصري، واسمه دائمًا موجود وله آراء في كتب الفقه، ترى: "قال الحسن"، قال: يعنون الحسن البصري رضي الله تعالى عنه. اقرأ الحكم.

مقولة يوزن مداد العلماء بدم الشهداء وأصلها النبوي

[الشيخ محمد وسام]: وقال الحسن رحمه الله: يُوزن مداد العلماء بدم الشهداء فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء.

[الشيخ]: الحسن البصري هو مَن قال هذا، لكن لا بدّ أنه قد سمعها؛ فإنها مقولة لا تنتج عن رأي ولكن تأتي من السمع، ولقد تربّى في بيت أم سلمة وتربّى على يد سيدنا علي كرّم الله وجهه.

ولذلك هنا في هذه الحالة الحسن هو من قال ذلك، لكن لا بدّ أن يكون قد سمعها؛ لأن هذه الأشياء لا تُقال بالرأي، لا تأتي بالعقل لكنها تأتي من السماء، وهو قد تربّى في بيت أم سلمة وتربّى على يد سيدنا علي.

كتاب القول الحسن في إثبات سماع الحسن البصري من علي

[الشيخ]: القول الحسن في سماع الحسن [البصري من علي]، أيضًا الحسن البصري بعض الناس يُشكّكون ويقولون لك: الحسن لم يسمع من علي. فجمع العالم الهندي هذا الكتاب [القول الحسن في سماع الحسن]، أي السماع من علي؛ حتى يكون السند متصلًا.

[الشيخ محمد وسام]: رُوي مرفوعًا، هذا الحديث مرويّ.

[الشيخ]: هذا الحديث قاله الحسن، إنما يا أخي يبدو أنه سمعه في بيت النبوة.

عظمة مداد العلماء وترجيحه على دماء الشهداء وأصل المقولة

[الشيخ]: حسنًا، نحن معنا الآن، أنا أقول لكم كيف دُوّنت هذه العلوم. والشيخ الإمام [الغزالي] يقول: قال الحسن: يُوزن مداد العلماء بدماء الشهداء.

دماء الشهداء هذه عندنا شيء عالٍ جدًّا كبير تمامًا، ما من شيء أعلى منها. يرجح مداد العلماء، يا له من أمر عظيم!

كما تقول لشخص: أنت مثل القمر، إن القمر جميل وهذا أجمل منه، أي أنك تجعل هذا أرجح من هذا، أمر عظيم جدًّا. حسنًا، أنت أجمل من القمر، قل له هكذا: أجمل من القمر! ماذا يعني به؟ كيف يكون أجمل من القمر؟ فالقمر يُضرب به المثل وهذا أجمل، فهذا هنا هكذا.

أي المقصود أن مداد العلماء — حبر العلماء — لو وُزن سيُوزن بدماء الشهداء، يا له من شيء نفيس جدًّا، فإذ به هو يرجح، يا له من أمر عظيم جدًّا!

هذا الكلام نبوي المذاق ولا يقوله إلا صاحب وحي

[الشيخ]: هذا الكلام الذي قاله الحسن، وما أدراك يا حسن بهذا الكلام! هذا كلام لا يقوله إلا صاحب الوحي، لا بدّ أن يكون موحى به إليه.

فمن أين عرفته؟ يمكن أن يكون نقله من الكتب السابقة، يمكن أن يكون سمعه من سيدنا علي، أو سمعه من السيدة أم سلمة، أو ممّن يترددن عليها من الصحابيات، أو كذلك إلى آخره، فعلق في ذهنه فنُسب إليه هذه المقولة.

وعندما تأتي لتبحث أكثر فتجد هذا الكلام بالفعل قد رُوي حديثًا مرفوعًا. فما تأكّدنا منه مائة في المائة أن الحسن هو الذي قاله، ونصف نصّ أن سيدنا [النبي ﷺ] هو الذي قاله. فنقول: الحسن الذي قاله لا يوجد شك، ولكن المذاق الخاص به أنه نبوي؛ وذلك لأنه متعلّم هكذا، نعم.

قول ابن مسعود في فضل العلم وتمني الشهداء أن يُبعثوا علماء

[الشيخ محمد وسام]: وقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يُرفع، ورفعُه موت رواته. فوالذي نفسي بيده، ليودّنّ رجال قُتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم. فإن أحدًا لم يُولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلّم.

العلم بالتعلم والتدرج كالقطّارة حتى ترسخ الملكة

[الشيخ]: قاعدة صارت قاعدة: العلم بالتعلّم، لا بالعنف والشدة. وكان شيخنا رحمه الله يقول: العلم بالقَطّارة لا بالكوم.

ليس العلم أن تقرأ المُغني في شهر، لا، هذا العلم بالقَطّارة. فتقول هكذا: "كتاب العلم"، مضاف ومضاف إليه، ما هو الكتاب؟ ونظلّ نفسّر معناه. ما العلم؟ ونظلّ نفسّر فيه كتابًا. الباب الأول في فضل العلم، فكيف يكون؟ وما معنى "في"؟ والباب ما هو؟ نعم.

إن العلم بالتعلّم حتى ترسخ فيك الملكة. ولذلك يأخذون الأولاد الصغار هكذا في الحرفة: هذا حدّاد وهذا نجّار وهذا كذا إلى آخره، يده لكي تعتاد يده عليها.

بعد أن يتدرّب مرة والثانية والثالثة والعاشرة والعشرين، حتى يصبح حِرَفيًّا كبيرًا ويصبح أستاذًا كبيرًا. لماذا؟ لأن يده أصبحت لها ملكة، تمسك بالشيء مثله.

وأنت تنظر إليه هكذا وتحاول تقليده فلا تعرف كيف فعلها! الله، هذا عفريت أم ماذا؟ قال: لا، هذا متدرّب. فكذلك العلم ملكة لا بدّ أن نراعيها، والله أعلم.