مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 75 | أ.د علي جمعة
- •يتحدث الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين عن موقف سعد بن أبي وقاص من الدخول على السلاطين، حيث كان يفضل العزلة طلباً للسلامة.
- •اختلف العلماء في حكم الدخول على السلاطين، فمنهم من منع مطلقاً بسبب شيوع الفساد، ولأن الحاكم قد يضطر للكذب وإخفاء الحقائق.
- •من قواعد التعامل مع السلطة: عدم طلبها، فمن طلبها تُرك وشأنه، ومن جاءته بغير طلب أعين عليها.
- •الحاكم يواجه معضلة: إذا تكلم بالحق ذهبت هيبته، وإذا سكت عن الباطل أضر بالناس، فيحتاج إلى حكمة من الله.
- •الخلفاء الراشدون حققوا التوازن بين المبادئ والمصالح، فلم يتركوا المبادئ لأجل المصالح فيغضبوا الله، ولم يتركوا المصالح لأجل المبادئ فيهلكوا الخلق.
- •ينبغي قراءة النصوص بتفكر وشمولية دون تطرف، مع وضع كل شيء في سياقه المناسب زماناً ومكاناً وحالاً.
افتتاح مجالس إحياء علوم الدين في رمضان والتعريف بالإمام الغزالي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
نكمل على ما جرت عليه العادة في رمضان، وقد أهللنا هذا أول يوم فيه، مجالس إحياء علوم الدين التي كتبها الإمام حجة الإسلام وركن الشافعية، الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله [به] في الدارين، آمين.
وقد أراد [الإمام الغزالي] وقد صدّر كتابه بكتاب العلم أن يُخلص أحدنا سعيه لله سبحانه وتعالى، عملًا بقوله تعالى:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]
قصة سعد بن أبي وقاص ونفوره من الدخول على السلاطين
اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
وقال الحسن [البصري]: كان فيمن كان قبلكم رجلٌ له قدمٌ في الإسلام وصحبةٌ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال عبد الله بن المبارك: عنى به سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. قال: وكان لا يغشى السلاطين وينفر عنهم، فقال بنوه: يأتي هؤلاء من ليس هو مثلك في الصحبة والقدم في الإسلام، فلو أتيتهم! فقال: يا بنيّ، آتي جيفةً قد أحاط بها قوم!
موقف سعد بن أبي وقاص من تفضيل الإيمان مع الهزال على النفاق مع السمنة
والله لئن استطعت لا أشاركهم فيها [أي في تلك الجيفة التي هي الدنيا عند السلاطين]. قالوا: يا أبانا، إذن نهلك! إذن نهلك هزالًا!
قالوا: يا أبانا، إذن نهلك هزالًا! قال: يا بنيّ، لأن أموت مؤمنًا مهزولًا أحبُّ إليّ من أن أموت منافقًا سمينًا.
هذا [القائل هو] الحسن البصري، وهو الذي في السند في طريق أهل الله؛ فأهل الله عندما يُسندون أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر ذلك في سند الحسن البصري رضي الله تعالى عنه عن سيدنا علي عليه السلام.
نشأة الحسن البصري وإثبات المحدثين سماعه من سيدنا علي
فالحسن البصري تربّى في بيت أم سلمة ونشأ فيها صغيرًا، وأخذ عن [سيدنا] علي [بن أبي طالب]، وأثبت المحدثون سماعه من علي، حتى ألّفوا [في ذلك كتابًا بعنوان] "القول الحسن في سماع الحسن"، يعني [أن] الحسن البصري سمع من علي.
لأن بعضهم كأنه يُشكّك في سماع الحسن من سيدنا علي، لكن الثابت عند المحدثين أن الحسن البصري قد سمع من علي [بن أبي طالب رضي الله عنه].
سعد بن أبي وقاص من المبشرين بالجنة وحديث جبل أحد
والحسن البصري يتحدث عن واحد من المبشرين بالجنة، [وهو] سعد بن أبي وقاص، أليس كذلك؟ فيقول عبد الله بن المبارك: قصد به سعد بن أبي وقاص.
وسعد من المبشرين العشرة الذين بشّر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء في حال حياتهم وحياته الشريفة صلى الله عليه وسلم بالجنة. والنبي صلى الله عليه وسلم بشّر بالجنة أقوامًا كثيرين، منهم هؤلاء العشرة الذين كانوا مجتمعين على جبل أحد فاهتزّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«اثبُت أُحُد، فليس عليك إلا نبيٌّ أو صدّيقٌ أو شهيد»
وكان هؤلاء العشرة، ومنهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
مذاهب العلماء في الدخول على السلاطين بين المنع والإباحة المشروطة
سعد [بن أبي وقاص] لا يريد أن يدخل على السلاطين إجمالًا وتفصيلًا، أي يسدّ الباب [تمامًا]. والعلماء في هذا [الأمر] يعني على مذهبين:
منهم من منع مطلقًا الدخول على السلاطين؛ لشيوع الفساد فيهم، ولأنهم أعانهم الله فيما أقامهم فيه [فهم] يضطرون إلى الكذب وإلى إخفاء الحقائق وإلى معاملة الجمهور حتى لا يثور، وأنواع هكذا من البلاء، ربنا لا يُرينا إياه.
نسأل الله السلامة؛ لأن من تصدّى لهذا المقام عرف أنه إذا قال الصدق يهلك، وإذا قال الكذب نجا. والأمر عند الله ليس كذلك؛ فإن من قال الصدق نجا، ومن قال الكذب هلك.
معاناة الحاكم بين قول الحق وإرضاء الناس وحاجته إلى الحكمة
ولذلك هو [الحاكم] يفعل ما ليس عند الله، لكنه لمّا يرى مصلحة الناس يخاف من الله أيضًا، يعني هو في موقف حرج، يعني كأنه يكذب لله، ما لا ينفع.
قال النبي ﷺ: «ومن كذب متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»
أيكذب المؤمن؟ قال: لا. حسنًا، وأنت لماذا أدخلت نفسك في هذه الورطة؟ لماذا تدخل نفسك في هذه الورطة؟ هذه ورطة كبيرة؛ إذا تكلمت فلا ينفع، وإذا سكت فلا ينفع. هذا شأن الحاكم وطوال عمره هكذا.
وأدرك سعد [بن أبي وقاص] بما وهبه الله له من شفافية أن الدخول على السلاطين يجب [معه] السكوت؛ لأنه لو تكلم أمامه [أي أمام الحاكم] لذهبت هيبة الحاكم، ونحن نريد هيبة الحاكم حتى تستقر الأمور.
حاجة الحاكم إلى أهل الحكمة والنور للتوفيق بين الحق والمصلحة
لكنه [أي سعد] لو سكت على الباطل، ولو تكلم أضرّ بالناس، فهل يسكت أم يتكلم؟ يحتاج إلى من أنار الله قلبه وآتاه الحكمة.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
تريد شيئًا كذلك [يحتاج] في مقام وقامة عمر بن الخطاب [رضي الله عنه]. تريد شيئًا كذلك هو فقط. نحن معنا من هذا [الحديث]، نحن معنا سعد بن أبي وقاص، شيء يعني كبير، ولكن سعدًا كان أميل إلى العزلة وطلب السلامة، وهذا أمر محمود وهو من أهل الجنة.
النهي عن طلب الولاية والإعانة عليها إذا جاءت بغير طلب
ولذلك فمن صفات أهل الجنة آها كما هو سعد [بن أبي وقاص] أن نبتعد عن هذه [أي الولاية والسلطة]. ولذلك قال [النبي ﷺ]: لا تطلبها؛ فإنها إذا أتتك من غير طلب أُعنت عليها، وإن طلبتها تُركت وشأنك.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
فكان من دعاء الصالحين: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
وكان من الأمر أنك لا تطلب [الولاية]، فإذا أتتك وأُعنت عليها فقد نصّ العلماء على وجوب الأخذ بما هو موجود، ولكن أنت ستُحاسب هكذا، ولكن حينئذ اعلم أنك ستعاني.
حقيقة أن من طلب الولاية تُرك وشأنه ومن لم يطلبها أُعين عليها
وإذا لم تأتك [الولاية] فلا تطلبها؛ فإن من طلبها تُرك هو وهي وشأنهما، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه حقائق الأمور.
ولذلك رأينا هذا بأعيننا وشاهدناه بأنفسنا أن من طلبها تُرك وشأنه، ومن لم يطلبها أُعين عليه. تجد أن الله يرزقكم من حيث لا تحتسبون، يرزقك من حيث لا تحتسب، يرزقك من حيث لا تحتسب أبدًا.
قومٌ يقف عليك أولاد الحلال، يمنع الشرّ ويفتح الخير ويفعل شيئًا عجيبًا.
الخلفاء الراشدون وتوازنهم بين المبادئ والمصالح دون تفريط
وهكذا كان أبو بكر، وهكذا كان عمر، وهكذا كان هؤلاء الخلفاء الذين أسماهم المسلمون الراشدون. راشدون لأنهم لم يخلطوا ما بين المبادئ والمصالح؛ لم يتركوا المبادئ من أجل المصالح، ولم يتركوا المصالح من أجل المبادئ.
لأنك إذا تركت المبادئ من أجل المصالح فقد أغضبت الله، وإذا تركت المصالح من أجل المبادئ أهلكت الخلق.
كيف يكون التوازن المصطفوي النبوي؟ هذا يحتاج إلى شخص تكون الدنيا في يده وليست في قلبه، ويعتني ويحمل همّ المسلمين وهمّ الناس.
عمر بن الخطاب نموذج الحاكم الذي يتفقد رعيته ويقف عند حدود الله
ولو أن شاةً قد تعثّرت في العراق لخشي أن يُسأل عنها عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]. هذا الشعور! وكان يتفقد الناس بالليل، وهكذا.
ثم إنه كان واقفًا عند حدود الله. مرةً شمّ رائحة خمر فتسوّر السور، فقال له الرجل: قم أحضر له [أي أحضر الشهود]، أنا ارتكبت إثمًا واحدًا، لكن أنت ارتكبت ثلاثة!
فخرج عمر وهو حاكم، ورأى الرجل أمامه والخمر ورائحة الخمر تأتي إلى الشارع، إنما لم يكن صحيحًا إلا أن يستأذن. ربما هذه رائحة خلّ بالمناسبة؛ رائحة الخلّ مثل رائحة الخمر؛ لأن الخلّ هو الخمر الفاسد.
حديث نعم الإدام الخل وأخطاء عمر الثلاثة في التجسس وسوء الظن
والنبي ﷺ قال:
«نِعْمَ الإدامُ الخلّ» أخرجه البخاري
لأن الخلّ ذهب إسكاره فطهُر، فأصبح نعم الآدمي الخلّ. [وأما أخطاء عمر الثلاثة التي ذكرها الرجل فهي:] الغموس، يعني دخلت من غير إذن، ورقم اثنين تجسّست عليه، ورقم ثلاثة ظننت فيه الظنّ السيء.
الله! هذا يعمل مع الأولياء. إذن يعني الرجل الذي يسقي نفسه هذا [الخمر] وكان أمامه الخمر، هذا من أولياء الله الصالحين؟ هذا فاهم! طيب، إذن كان أولياؤهم هكذا، أم أن العصاة منهم أولياء؟ فماذا عنّا إذن!
ذكريات المشايخ عن انتشار الأولياء قديمًا وانتشار الفتن في زماننا
كان مشايخنا يقولون لك: كنا نمشي فنجد ثلاثين أربعين وليًّا في الطريق، الرجل وجهه منير هكذا وشكله سمح ويُذكّرك بالله وتطمئن حين تراه.
أما الآن فقد أصبحنا نمشي الآن، وهذا لي منذ أربعين خمسين سنة، ونجد ثلاثين أربعين شيطانًا في [الطريق].
الذي اتصل به أحد الأطباء في المشرحة التابعة لزينهم [أي لقسم] الطب الشرعي، يقول لي: إن هناك أناسًا يرتدون السواد من الشباب ويُربّون شعورهم ويُصفّفونه بالجل حتى كأنها رؤوس الشياطين، وجالسون، فكلما دخلت جثة من ضحايا [أحداث] الاتحادية يهيجون، فلا تعرف أيُكبّرون أم يُزغردون أم ماذا يفعلون!
الفتن كقطع الليل المظلم وموقف سعد بن أبي وقاص من سلّ نفسه منها
فما هؤلاء؟ فابتدأ يعني ما هذا، أهو الترس أم البلاك بلوك أم ماذا؟ حسنًا، وما الذي جاء بالشامي إلى المغربي!
هاهي فتنٌ كقطع الليل المظلم. ماذا تفعل أنت يا مسكين؟ تُبعد نفسك.
فسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ماذا فعل؟ سلّ نفسه [أي أخرج نفسه من هذه الفتن].
لكن العلماء عندما اشتكى إليهم الجماعة هؤلاء السلاطين قالوا لهم: أستتركوننا وحدنا أم ماذا؟ تعالوا احملوا السلة التي أحضرتموها، واثنان يحملانها معًا. انصحونا! وأنت تنصح لوجه الله، سواء سُمعت أم لم تُسمع، فهذه قضية أخرى.
الإمام السيوطي ومؤلفه في الدخول على السلاطين وحالته الروحية مع النبي ﷺ
ولذلك جمعوا أقوال العلماء، والسيوطي له مؤلَّف في هذا الموضوع في الدخول على السلاطين؛ لكي يجمع كلام العلماء، لأن كلام العلماء يقول أنه إذا استنصحك الحاكم فانصح له.
كان الإمام السيوطي يحدث له حال كهذا مع الله، وكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم [في المنام]. والشيخ السيوطي هذا مشتغل بالحديث ويُصحّح ويُضعّف، فكان يسأل سيدنا رسول الله في هذه الرؤى عن التصحيح والتضعيف، فيُرشده إلى الفكرة الخاصة بها [أي] العلة الخاصة بالسند، وهكذا.
أخيرًا يقوم مسرورًا أشدّ السرور؛ لأنه يشغل نفسه بشاغل كبير وهو: هذا الحديث ضعيف أم صحيح؟ هذه علة أم ليست علة؟ قادحة أم غير قادحة؟
منهج السيوطي في تصحيح الأحاديث باسترشاد حالته الروحية مع القواعد الشرعية
فيقوم مسرورًا أنه فعلًا هذا الحديث هذه العلة، أو أنها ليست صحيحة، هذا صحيح أم ما صحته، هذا السند ليس صحيحًا، هذا فيه علة ما هو خفيّ.
ويُصحّح ويُضعّف طبقًا للقواعد المرعية الشرعية الظاهرة وكل شيء، ولكن باسترشاد الحالة الروحية التي ذابت روحه في طلب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هروب الإمام السيوطي من السلاطين حفاظًا على حالته الروحية ورؤية النبي ﷺ
فكان [الإمام السيوطي] عندما يذهب إلى السلاطين - كان السلطان الغوري يستدعيه وغيره لكي يسألوه - حينها لا يرى النبي [ﷺ في المنام]، ويقعد في هذه الحالة المؤلمة، وهم [أي الأحاديث] يراه كل يوم لكي ينهي الأحاديث الخمسة أو الستة التي يعمل عليها.
فلا يرى النبي ﷺ، يأتي إليه النكد ويُكدّر عليه. فتوقف عن الذهاب إلى السلاطين، يقول لهم: لا، أنا لست قادرًا عليه، لست قادرًا، أي كلمة كهذه توريه [أي يتعلل بها]، أنا لست قادرًا، ظهري يؤلمني، لست قادرًا على هذا الأمر.
فكان الإمام السيوطي يهرب من السلاطين هروب سعد [بن أبي وقاص] من السلاطين؛ من أجل أن يحافظ على الحالة الروحانية العالية التي هو عليها.
تفضيل السيوطي نصيحة الأمة بتصحيح الحديث على نصيحة الفرد الحاكم
قال [الإمام السيوطي]: تصحيح الحديث وتضعيفه يفيد عموم المسلمين، ونصيحتي له [أي للحاكم] تفيده هو، وهو فرد من المسلمين. فيبقى فضل نصيحة الأمة على نصيحة الفرد.
إذن العلماء عندما يأتون ليقرؤوا هذا [الكلام]، ما يقرؤونه لا يقرؤونه بتطرف، بل بتفكّر. يعني: لماذا فعل ذلك؟ فهل كل الأصحاب كذلك؟ فهل الشريعة تحثّنا على هذا حثًّا تامًّا أم أنه من الممكن؟ فما هي الشروط الممكنة؟ فكيف نطبّقه؟ فهذا كان في أيام سعد، فماذا عن أيامنا نحن؟
ضرورة الميزان في فهم النصوص وعدم التطبيق الحرفي المتطرف
ألا يُقرأ هكذا! ويأتي فيأخذ ما في الكتاب ويطبّقه فيُفسد الدنيا؟ لا! يجب أن يكون معك ميزان تزن به؛ لتعرف أن هذه من الأخلاق الحسنة، لتعرف أن لكل واحد ظروفه، لتعرف أن هذا مما لا يُنكر، لتعرف أن هذا مما يحتاج إلى عكسه في مواقف مخالفة لهذه.
وهكذا علّمنا مشايخنا أننا عندما نقرأ لا بدّ أن نقرأ بصورة عامة.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
لا، نحن نريد أن نقرأ القرآن كله مع بعضه، والسنة كلها مع بعضها، كأنها آية واحدة وكأنه حديث واحد، لا يضرب بعضها بعضًا.
وضع كل شيء في مكانه وزمانه وعدم التعميم والإطلاق في الأحكام
إذن نضع كل شيء في مكانه، وكل شيء في زمانه، ومع شخصه المناسب، ومع حاله المناسب.
ثانيًا: لا تعميم ولا إطلاق. لا يكون الله في عون الحاكم الذي نحن نهرب منه؟ [بلى] الله يكون في عونه! أما إذا طلبها هو [أي الولاية] الذي أوقع نفسه في المأزق، وأما إذا أتت إليه من غير طلب فالله يعينه.
فلا عملك سينفعه ولا عدمه سيضرّه؛ لأنه إنما يفعل هذا لوجه الله، معونة من عند الله سبحانه وتعالى.
خطورة إخراج الله من المنظومة والاعتماد على الحول والقوة الذاتية
حكاية الله هذه ابتدأنا نُخرجها من المنظومة الخاصة بها، وابتدأنا نحسب كل شيء بحولنا وقوتنا وبإرادتنا وذكائنا، فأصبحنا أغبى الناس؛ لأن [الله] أخرجنا الله من المنظومة كلها.
وإذا أدخلنا الله [فيها] يقول بعض الناس: ما هذه الدروشة؟ ما هذا العمل الذي أنت تفعله؟ لا يا أخي، الله هو المقصود كله! الله سبحانه جلّ جلاله هو صاحب الحول والطول، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ما كان من قصة سيدنا سعد [بن أبي وقاص] رضي الله تعالى عنه، أراد الإمام الغزالي أن يشير إليه. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله.
