مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 77 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 77 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • ألّف الإمام الغزالي كتاب "إحياء علوم الدين" ليعيد الروح إلى علوم الدين التي فقدت جوهرها، مركزاً على الباطن والعلاقة بين العبد وربه.
  • بدأ الغزالي كتابه بالعلم، وهو ما تعلمه الغرب من المسلمين وأسموه "الإبستمولوجيا" أو نظرية المعرفة.
  • تحدث عن أنواع المعارف وتصنيفاتها وما يترتب على كل منها، وأجاز تعلم بعض العلوم للضرورة كتعلم القاضي للسحر دون العمل به.
  • مشكلة العصر الحالي هي عدم التفكير أصلاً، بينما وضع علماؤنا أسس التفكير المستقيم.
  • كان العلماء يحتاطون في الفتوى، فكان ابن عمر يحيل السائل للأمير، وقال ابن مسعود: "من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون".
  • جنة العالم قول "لا أدري"، فإن أخطأها أصيبت مقاتله.
  • وصف الأبدال بأن "أكلهم فاقة ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة"، وطريق السالكين: قلة الطعام والمنام والكلام والأنام.
  • كان الإمام النووي مثالاً للعالم المجتهد الزاهد، يجاهد نفسه في العبادة والعلم.
محتويات الفيديو(21 أقسام)

مقدمة الدرس والتعريف بكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع نفحات كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وقد مات في سنة خمسمئة وخمسة وألف.

كتاب الإحياء كمشروع نهضوي لإعادة الروح إلى علوم الدين

هذا الكتاب كمشروع للنهضة؛ هذا الكتاب أُلِّف إحياءً لعلوم الدين التي كادت أن تخلو من روحها ويبقى جسدها، فأراد [الإمام الغزالي] أن يعيد الروح إلى الجسد، وأن يُحيي هذه العلوم مرة أخرى.

فالتفت إلى الباطن، إلى القلب، إلى العلاقة بينك وبين ربك، إلى مرتبة الإحسان التي فيها تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وردَّ الناس إلى ذلك في دقائق الأمور.

بداية الكتاب بالعلم وتأثير المنهج الإسلامي على الغرب في الإبستمولوجيا

بدأ [الإمام الغزالي] بالعلم، والبدء بالعلم تعلَّمه الغرب الذي تعلَّم من المسلمين في طليطلة وصقلية والأندلس، تعلَّم روجر بيكون المنهج من هنا، ثم أنكرونا وتركونا ورفضونا وكذبونا ووقفوا حائلًا بين الخلق والخالق، لكنهم تعلَّموا منه.

فأول المنهج عندهم أن يبتدئوا بما أسموه الإبستمولوجيا، والإبستمولوجيا هي علم نظرية المعرفة عندما يريدون ترجمتها بالعربية. فالإبستمولوجيا قومٌ يتحدثون عن نظرية المعرفة، فالرجل [الغزالي] يتحدث عن نظرية المعرفة ومصادر المعرفة وأنواع المعرفة وأقسام المعرفة.

أقسام المعرفة بين ما يترتب عليه العمل وما يترتب عليه الفساد

[من أقسام المعرفة:] التي يترتب عليها العمل، والمعرفة التي يترتب عليها الفساد، والمعرفة التي يمكن أن يترتب عليها شيء من الفساد إلا إذا منعناها.

تعلَّم السحر ولا تعمل به؛ فالعلم بالشيء خيرٌ من الجهل به، وأجاز [الغزالي] تعلُّم السحر دون العمل به للقاضي حتى يحكم على من قتل بالسحر، وعلوم الغيب حتى يحكم على من قتل بالعين.

العين كذلك؛ لأن العين حق، أفهذا قتلَ أم لم يقتل؟ قصدًا أم لم يقصد؟ هناك علومٌ تحكم هذه القضية، فإن القاضي فقط بتعلُّمها، لا تتعلمها أنت ليس لك شأنٌ بها.

حكمة الغزالي في البدء بالعلم ومشكلة غياب التفكير في العصر الحالي

انظر لماذا وضع [الإمام الغزالي] بداية العلم في أول الكتاب، وجالسون نقرأ فيه منذ سنتين؛ هو هذا المدخل الصحيح لمنهج التفكير المستقيم.

ونحن الآن ما مشكلتنا في العصر الذي نحن فيه؟ أننا لا نفكر أصلًا، لا بطريقة مستقيمة ولا بطريقة سقيمة، لا يوجد شيء!

وفي حديث أبي موسى الأشعري [رضي الله عنه]:

«ومعهم عقولهم يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: يومئذٍ يسلب الله عقولهم» رواه أحمد

وقد كان، صدق الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم.

تقليد الغرب للغزالي في منهج الإبستمولوجيا وأهمية التفكير المستقيم

لكن فلسفةٌ وحكمةٌ كبيرة من الإمام الغزالي أن يبدأ بكتاب العلم، الذي هم بعد ذلك قلَّدونا فيه وأصبح اسمهم يسمونها في لغتهم إبستمولوجي.

فعندما تقول لأحدٍ من هؤلاء "إبستمولوجي" يا سلام! يفرح بك كثيرًا، هكذا يقول لك: هذا أنت تعرف لغات! وهو لا ينتبه إلى أن التفكير المستقيم هو الذي وضعه هؤلاء الذين نوَّر الله قلوبهم.

قراءة نص الغزالي في التوقف والاحتراز عند الفتوى وعدم المسارعة إليها

اقرأ يا شيخ محمد.

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:

ومنها ألَّا يكون مسارعًا إلى الفتيا، بل يكون متوقفًا ومحترزًا ما وجد إلى الخلاص سبيلًا. فإن سُئل عما يعلمه تحقيقًا بنص كتاب الله أو بنص حديث أو إجماع أو قياس جلي أفتى، وإن سُئل عما يشك فيه قال: لا أدري.

وإن سُئل عما يظنه باجتهاد وتخمين احتاط ودفع عن نفسه وأحال على غيره إن كان في غيره غنية.

الحزم في الفتوى وأن لا أدري نصف العلم وأقوال السلف في ذلك

هذا هو الحزم؛ لأن تقلُّد خطر الاجتهاد عظيم. وفي الخبر:

«العلم ثلاثة: كتابٌ ناطق، وسنةٌ قائمة، ولا أدري»

قال الشعبي: لا أدري نصف العلم. ومن سكت حيث لا يدري لله تعالى فليس بأقل أجرًا ممن نطق؛ لأن الاعتراف بالجهل أشدُّ على النفس.

فهكذا كانت عادة الصحابة والسلف رضي الله عنهم. كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سُئل عن الفتوى قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تولَّى أمور الناس فضعها في عنقه.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.

جُنَّة العالم لا أدري ومعنى الدرع الذي يقيه المصائب

وقال: جُنَّة العالم لا أدري، فإن أخطأها فقد أُصيبت مقاتله.

[الشيخ]: جُنَّة العالم تعني الدرع الذي يقيه المصائب، مثل الدرع حين يقيه ضربات السيف، نعم.

قول إبراهيم بن أدهم في أن سكوت العالم أشد على الشيطان من كلامه

[الشيخ محمد وسام]: وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: ليس شيءٌ أشدَّ على الشيطان من عالمٍ يتكلم بعلم ويسكت بعلم. يقول [إبراهيم بن أدهم]: انظروا إلى هذا، سكوته أشدُّ عليَّ من كلامه.

ووصف بعضهم الأبدال فقال: أكلهم فاقة، ونومهم غلبة، وكلامهم ضرورة. أي لا يتكلمون حتى يُسألوا، وإذا سُئلوا ووجدوا من يكفيهم سكتوا، فإذا اضطُرُّوا أجابوا.

وكانوا يعدُّون الابتداء قبل السؤال من الشهوة الخفية للكلام.

صفات الأبدال في الأكل والجوع وحال علماء الأزهر في القرن التاسع عشر

[الشيخ]: هذا حال الأبدال، مرتبة من مراتب التقوى مع الله سبحانه وتعالى. أكلهم فاقة يعني يأكل عندما يجد الطعام فقط، فيبقى جائعًا غير منتظم، لا يوجد ترتيب للطعام؛ الجوع هذا رقم واحد، والرزق هذا رقم اثنان.

وكان الناس على هذا من علماء الأزهر الشريف كلَّ القرن التاسع عشر وهم أكلهم فاقة، جائع. فيأتي اثنان هكذا ومعهما قليلٌ من الفول النابت يأكلون بجانبه، فيقولون له: تفضَّل، فيقول لهم: طيب بسم الله، ويأكل معهم.

فهو ليس لديه شيء بعد، ولكن لماذا تفضَّل؟ إنها إشارة ربانية أن يأكل لأنه جائع يريد أن يأكل، فيأكل معهم.

حكايات المشايخ عن فقر العلماء وعدم تصديقهم لمن أكل فولًا بالزيت والليمون

وقد حكيتُ لكم من قبل حكايات؛ كان المشايخ يقولون له: انظر يا شيخ فلان، صاحبنا هذا هو... كأنهم لا يصدقونه! يدَّعي أنه أكل أمس فولًا بالزيت والليمون!

يعني انظر إلى المبالغة! كان طعامهم فقيرًا، فلم يصدقوه. قال: أنت تمزح معنا! بالزيت والليمون؟! ويفعلون هكذا ويضعون النبر على الزيت والليمون، هذا يعني متحسرين له وللزيت والليمون؛ لأنه لم يروا هذا الأمر.

قصة الشيخ أحمد الشامي الذي لم يعرف البطيخ من شدة انشغاله بالعلم

وأريد أن أحكي لكم قصة الشيخ أحمد الشامي الذي خرج وقال: ما هذا؟ خرج من الأزهر وبعد ذلك وجد في طاولة كانوا يصنعونها قديمًا، الصينية وفيها قليلٌ من قطع البطيخ.

فرأى شيئًا أحمر في أخضر، فقال: ما هذا؟ فقال له: هذا بطيخ. قال له: البطيخ ما هو؟ في اللغة بالكسر، وهو بالداخل جالسٌ يتعلم طوال النهار، وسمع عن البطيخ وكان يأكل البطيخ بالخيار أو بالتمر.

فهذا البطيخ! والله وأنت يعني يا عم الشيخ أحمد، لك الآن عندك أربعون سنة، ألستَ تعرف البطيخ؟ ألم تره؟!

بكاء الراوي لسوء ظنه بالشيخ أحمد الشامي الذي لم يعرف البطيخ حقًا

فشيخي الذي يروي لي رحمه الله قال: يعني أنا قلتُ في نفسي الرجل يتظاهر بالغباء؛ لأنه يعني يريد البطيخ، هذا يأكل قطعتين ثلاثة.

قال له: حاضر سأشتريه. وهو وقع في ظنه أنه يسخر منه. فلما اشتراه فيقطعها من الصلب وليس من الطري، فعرف أنه لا يعرفه فعلًا!

فبكى. بكى لماذا؟ قال: لأنني ظننتُ به سوءًا، ظنَّ أنه ماذا يفعل له؟ هكذا يقول له: هذا هو البطيخ، أنه يريد أن يأكله، أي ولكنه فعلًا لم يره من قبل.

اعتذار الراوي عن سوء ظنه بالشيخ أحمد وعودة إلى صفة الأبدال في الأكل

أكل [الشيخ أحمد] قطعة البطيخ، كانت بمليم. وقال له: أأُحضر لك واحدة أخرى؟ قال له: ماذا؟ يريد أن يعتذر له على سوء الظن الذي ظنَّه فيه، أي ظنَّ فيه هكذا.

إذن أكلهم فاقة. هؤلاء من؟ هؤلاء الأبدال.

الصفة الثانية للأبدال نومهم غلبة وحال الإمام النووي في طلب العلم

الصفة الثانية: ونومهم غلبة، ونومهم غلبة، ونومهم غلبة. يعني يغلب عليهم النوم، ما لهم يعني وقتٌ للنوم.

كان الإمام النووي رضي الله تعالى عنه يطلب العلم، فجلس لا ينام على جنبه سنتين حتى يغلبه النوم. يعني هو يذاكر ويكتب هكذا، ينام هكذا ويذهب في النوم، وبعد ذلك يصحو، ما وضع جنبه على الأرض!

فكان في هزال، كان مثل القلم الرصاص هكذا. لم يكن متزوجًا، فهو ممن آثر العلم على الزواج، ومات صغيرًا لأنه أجهد جسده، مات وعمره خمسة وأربعون عامًا، الإمام الكبير هذا الذي هو ركن المذهب الشافعي.

حياة الإمام النووي الزاهدة وقرص أمه من قرية نوى وشجرة قبره

وكان [الإمام النووي] يعيش على قرصٍ يأتيه من أمه في قرية نوى على بُعد ستين كيلومترًا من دمشق، حفظها الله وسلَّم ديار الشام.

تنزل هكذا تذهب تزور الإمام النووي، تجد فيه شجرة نبتت من قلبه على هيئة الكبار، أولياء الله الصالحين أنهم ينبتون من القبر شجرة في الوسط هكذا كأنها تحيط بقلبه الشريف.

الإمام النووي هذا هو ما كان يأكل الفاكهة التي في دمشق؛ لأن عنده شبهة فقهية حولها، وكان يأخذ القرص من أمه في النوى ويعود مرة أخرى، يأكلها الشهر كله.

أربع قواعد للوصول في طريق الله: قلة الطعام والمنام والكلام والأنام

نومهم غلبة، ولذلك قال لك: كيف ستصل في طريق الله؟ اترك السمن. إذا ماذا أفعل؟ قال:

  1. قلة المنام
  2. قلة الكلام
  3. قلة الطعام
  4. قلة الأنام

أربعة. قلة الطعام [وهو] الصيام، هو كان يصوم كل يوم الإمام النووي. قلة المنام كان يقوم الليل.

قلة الكلام والأنام وارتباط الأربعة بشهر رمضان المبارك

وقلة الكلام؛ فقد ألَّف ابن أبي الدنيا كتابًا كبيرًا في الصمت فيما ورد في الصمت من الأحاديث.

وقلة الأنام التي هي الاعتكاف. والأربعة موجودة في رمضان، الله! أربعة موجودة في رمضان، الله!

قلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الكلام، هذا وقال له:

أنؤاخذ بألسنتنا؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم في معناه: «وهل يكبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم»

وقلة الأنام الذي هو الاعتكاف، كان [النبي ﷺ] يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد. هذه أصول المسائل.

تلخيص صفات الأبدال ومعنى البدل في درجات التربية مع الله تعالى

فهؤلاء الأبدال قال لك: طعامه فاقة، ونومه غلبة، وكلامه للضرورة. هذه صفة الأبدال.

ما الأبدال؟ هؤلاء درجة من درجات التربية، من درجات علاقتك مع الله سبحانه وتعالى. سُمِّي بذلك كما يقولون لأنه كلما مات واحدٌ منهم أبدله الله بآخر؛ أي من أجل أن تبقى الدنيا مقبولة في الملأ الأعلى؛ لأن هذه الدنيا نكدٌ أصلًا.

فكلما مات واحدٌ أقام الله واحدًا ليكون في مكانه لله، حتى عندما ينظرون إلى الأرض ينظرون إليها وفيها الصالحون الطيبون، والله سبحانه وتعالى يُكثر من الأبدال.

ختام الدرس وتأجيل إكمال القراءة إلى اللقاء القادم

[الشيخ محمد وسام]: ومرَّ على عليٍّ وعبد الله رضي الله عنهما.

[الشيخ]: طالما مرَّ على [هذا الموضع] فلنتركها للمرة القادمة إن شاء الله. إلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله.