مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 79 | أ.د علي جمعة
- •تناول الإمام الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين آفات العلم، منها اهتمام العالم بعلوم الباطن ومراقبة القلب.
- •المجاهدة والمراقبة تفضي إلى المشاهدة وتفتح ينابيع الحكمة، بينما الكتب والتعليم لا تكفي وحدها.
- •العلم ثلاثة أنواع: علم سطحي يرى الظاهر، وعلم عميق يرى حقائق الأشياء، وعلم مستنير يوصل إلى الله.
- •العلماء جمع عليم وليس عالم، فالعليم هو من وصل إلى الله بعلمه وخشيته.
- •القلب يعلو العقل، والعقل يعلو السلوك، وانقلاب هذا الترتيب يبعد الإنسان عن الله.
- •تنكشف أسرار القرآن للمتجردين للذكر والفكر، وتخلو منها كتب التفاسير.
- •وصف علي رضي الله عنه العلماء بأنهم ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع.
- •العلم الحقيقي يُستفاد أكثره من العمل والمجاهدة، ويرتبط باليقين الذي هو رأس مال الدين.
مقدمة الدرس مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
نعيش مع كتاب العلم، ووصلنا إلى آفاته التي يفصلها تفصيلًا. اقرأ.
أهمية الاهتمام بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق الآخرة
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين:
ومنها أن يكون أكثر اهتمامه بـعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة؛ فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة في دقائق علوم القلوب، وتتفجر بها ينابيع الحكمة من القلب.
وأما الكتب والتعليم لا تفي بذلك، بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تنفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله تعالى في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكر، والانقطاع إلى الله تعالى عما سواه؛ فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف.
الفرق بين المتعلم السطحي والمقتصر على العمل ومراقبة القلب
فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل ومراقبة القلب، فتح الله له من لطائف الحكم ما تحار فيه عقول ذوي الألباب.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم»
وفي بعض الكتب السالفة:
«يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به، ولا في تخوم الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحار من يعبر يأتي به، العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يديّ بآداب الروحانيين، وتخلقوا لي بأخلاق الصديقين، أُظهر العلم في قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم»
أنواع العلم الثلاثة: السطحي والعميق والمستنير الموصل إلى الله
[الشيخ]: يبقى إذن العلم قالوا على ثلاثة أنواع العلم: علمٌ سطحيٌّ يرى الظاهر، وعلمٌ عميقٌ يرى حقائق الأشياء على ما هي عليه، وعلمٌ مستنير.
وهذا العلم المستنير هو الذي يوصل إلى الله، وهو العلم الحقيقي؛ فكل علمٍ لا يوصل إلى الله هو مجرد معلومات لم يستطع صاحبها - لأن الله لم يوفقه - أن يربطها ليصل بها إلى الله.
ولذلك قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
فالعلماء يخشون الله سبحانه وتعالى.
الفرق بين عالم وعليم وعلماء في اللغة ودلالتها على المبالغة
فالعلماء جمع عليم، هذا الجمع مثل شهداء جمع شهيد، علماء جمع عليم. وعليم صيغة مبالغة من عالم؛ فعلماء ليست جمع عالم، فعالم جمعها عالمون.
لكن علماء إنما هي جمع عليم الذي هو صيغة مبالغة من العالم؛ ليس عالمًا فقط، بل هو عالم وأيضًا وصل إلى الله بعلمه بإذن الله تعالى.
العلم المعتبر هو الذي يدفع صاحبه إلى خشية الله ومشاهدته في كل شيء
فكل ما هنالك سترى فيها هذه الأنواع الثلاثة: إما أن يكون علمًا سطحيًا لا يستطيع أن يتجاوز ما سمع، وإما أن يكون علمًا عميقًا يعرف حقائق الأشياء، لكن لا هذا ولا ذاك هو المعتبر.
إنما المعتبر هو العلم الذي دله ودفعه وجعله يخشى الله سبحانه وتعالى، يرى الله سبحانه وتعالى في كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
فإذا شاهد هذا وكان طبيبًا فجعل الطب محرابًا للإيمان، أو كان مثلًا مهندسًا فرأى الله سبحانه وتعالى في هذه السنن الكونية والإلهية التي بُنيت عليها الكون، أو كان لغويًا فرأى الله في هذه اللغة وأن الله سبحانه وتعالى علَّم آدم الأسماء كلها، لا يعرف هذا كمعلومة إنما يعرفها كمشاهدة باطنية تؤدي به إلى خشية الله سبحانه وتعالى وإلى عبادته وإلى الوقوف عند حدوده.
العالم الحقيقي هو العليم الذي يخشى الله ومعنى قوله تعالى وفوق كل ذي علم عليم
فهذا هو العالم الذي يسمى في الحقيقة عالمًا، وجمعها بعد أن صار عليمًا علماء.
ولما قال تعالى:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
فالعليم هذا فوق العالم وفوق ذي العلم. نعم.
قول سهل بن عبد الله التستري في قلوب الصديقين ومفاتح الغيب
[الشيخ محمد وسام]: وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: خرج العلماء والعباد والزهاد من الدنيا وقلوبهم مقفلة، ولم تفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء.
ثم تلا قوله تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]
الآية. ولولا أن إدراك قلب من له قلب بالنور الباطن حاكم على علم الظاهر، لما قال صلى الله عليه وآله وسلم:
«استفتِ قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك»
مراتب القلب والعقل والسلوك عند أهل الله وأهل الدنيا
[الشيخ]: ولذلك قال أهل الله إن القلب يعلو العقل، وإن العقل يعلو الفعل والسلوك. لكن أهل الدنيا يجعلون السلوك هو الذي يتحكم في العقل ويسكته.
فإذا كان القلب يتكلم فالعقل يسكته، فالسلوك أصبح يُسكت العقل، والعقل يُسكت القلب. وهذا الإسكات يجعلك بعيدًا عن الله.
إنما الصحيح أن القلب فوق العقل، هو الذي يوجهه، وإذا خالف العقل القلب أسكت القلبُ العقلَ. والعقل فوق السلوك؛ فهو يعقل الإنسان، أي يمنع الإنسان من فعل المنكرات وانحراف الانحرافات. نعم.
الحديث القدسي في التقرب بالنوافل وانكشاف أسرار القرآن لأهل الذكر
[الشيخ محمد وسام]: وقال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
«لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»
الحديث. فكم من معانٍ دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجردين للذكر والفكر، تخلو عنها كتب التفاسير ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين.
وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب وعُرِض على المفسرين فاستحسنوه، وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكية وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجهة إليه.
علوم المكاشفة والمعاملة بحر لا يدرك عمقه وكل طالب يخوضه بقدر توفيقه
وكذلك في علوم المكاشفة وأسرار علوم المعاملة ودقائق خواطر القلوب؛ فإن كل علم من هذه العلوم بحر لا يُدرك عمقه، وإنما يخوضه كل طالب بقدر ما رُزق منه وبحسب ما وُفِّقَ له من حسن العمل.
وصف سيدنا علي للعلماء الربانيين وأصناف الناس الثلاثة
وفي وصف هؤلاء العلماء قال علي رضي الله عنه في حديث طويل:
«القلوب أوعية وخيرها أوعاها، والناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق»
«العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة»
«محبة العالم دين يُدان به، تُكتسب به الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته»
«العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومنفعة المال تزول بزواله»
«مات خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر»
تنهد سيدنا علي وشكواه من عدم وجود حملة للعلم وأصناف طلابه
ثم تنفّس الصعداء وقال: هاه، إن ههنا علمًا جمًّا لو وجدت له حملة، بل أجد طالبًا غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا، ويستطيل بنعم الله على أوليائه، ويستظهر بحججه على خلقه.
أو منقادًا لأهل الحق لكن ينزرع الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا بصيرة له، لا ذا ولا ذاك.
أو منهومًا باللذات سلس القياد في طلب الشهوات، أو مُغْرَى بجمع الأموال والادخار، منقادًا لهواه، أقرب شبهًا بهما الأنعام السائمة.
وصف سيدنا علي لأولياء الله القائمين بحجته في الأرض وشوقه إلى رؤيتهم
اللهم، هكذا يموت العلم إذا مات حاملوه، بل لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهر مكشوف وإما خائف مقهور؛ لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيِّناته.
وكم وأين أولئك؟ هم الأقلون عددًا الأعظمون قدرًا، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. يحفظ الله تعالى بهم حججه حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم.
هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الغافلون. صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى.
أولئك أولياء الله عز وجل من خلقه وأمناؤه وعماله في أرضه والدعاة إلى دينه. ثم بكى وقال: وا شوقاه إلى رؤيتهم!
فهذا الذي ذكره آخرًا هو وصف علماء الآخرة، وهو العلم الذي يُستفاد أكثره من العمل والمواظبة على المجاهدة.
مكانة سيدنا علي عند رسول الله وتلقيه العلم منه مباشرة
[الشيخ]: كان سيدنا علي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أنت مني بمنزلة هارون من موسى»
يعني أن الذي علّمه مباشرةً هو رسول الله. فكان، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»
فلما تلقى من رسول الله مباشرةً، وصل من إدراك الذكر والفكر ومن إدراك وتمكن اللغة ما أذهل الناس. وكان بليغًا لأنه كان مفكرًا وكان عالمًا عليه السلام.
سيدنا علي أبو نسل النبي وحسن لغته الدالة على وضوح فكره
وهو زوج ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سيدنا الإمام البخاري كلما ذكر فاطمة يقول عليها السلام. فهو أبو نسل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهو أبو الحسن والحسين والسيدة زينب.
كان رحمه الله تعالى ورضي عنه وسلم عليه بما يستحقه حسن اللُّغة. واللُّغة لا تكون على هذا المستوى الذي سمعناه إلا إذا كان واضح الفكر؛ لأن اللُّغة والفكر وجهان لعملة واحدة.
فكرٌ واضحٌ جدًّا فلغةٌ قويةٌ جدًّا، أو قُلِ العكس: قُلْ إنّ لغةً قويةً جدًّا ففكرٌ واضحٌ جدًّا.
العقلية الفارقة عند سيدنا علي وعمق حديثه الذي يحتاج سنوات من الشرح
فهو يميز بين الأمور الدقيقة بعقلية أسماها أهل الحضارة بـالعقلية الفارقة، يفرق بين معانٍ دقيقة في النفس البشرية وفي التلقي وفي التعلم وفي الإخلاص لله، ويميز بين مراتبها وأنواعها وأقسامها.
فيخرج بهذا، يعني هذا الحديث الذي هو المروي عن علي [رضي الله عنه] بطوله، كل كلمة منه تحتاج إلى سنوات من الشراح وكيف نطبقها وكيف يكون الحال معها. نعم.
تخريج حديث سيدنا علي وأهمية تقوية اليقين رأس مال الدين
[الشيخ محمد وسام]: أخرجه أبو نُعَيم في الحلية والخطيب في تاريخ بغداد.
[الشيخ]: نعم تفضل.
[الشيخ محمد وسام]: ومنها أن يكون شديد العناية بـتقوية اليقين؛ فإن اليقين هو رأس مال الدين.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«اليقين الإيمان كله» رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب
[الشيخ]: واليوم الشيخ محمد أفادنا في الخطبة أن اليقين هو الأمل، وهذا نظر دقيق. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة وبركاته.
