مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 8 | أ.د علي جمعة

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 8 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين
فضيلة الشيخ الدكتور علي جمعة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع إحياء علوم الدين وفي باب فضل العلم، نعم الشيخ محمد وسام: قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ونفعنا الله
بعلمه وعلمكم في الدارين آمين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "تذاكر العلم بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها" الشيخ: أي أننا ونحن جالسون نتعلم الآن فكأنك قائم الليل كأنك تكمل تهجدك وتراويحك، نعم، الشيخ محمد وسام: وكذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وأحمد بن حنبل رحمه الله، وقال الحسن في قوله تعالى: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً" [البقرة: ٢٠١] إن الحسنة في الدنيا هي العلم والعبادة وفي الآخرة هي الجنة، وقيل لبعض الحكماء: أي الأشياء تُقتنى؟ قال: الأشياء التي إذا غرقت سفينتك سبحت معك، يعني العلم. الشيخ: لأن
العلم في صدرك؛ أما الجواهر والأموال وغيرها فستغرق، وأنت سترى نفسك وتسبح، وهكذا. ما الذي نجا معك؟ العلم. إذا كنت حافظًا للقرآن، فأناجيلهم لا تبل بالماء في صدورهم لا يبللها الماء، غطس هكذا أحدهم وهو قارئ في المياه وأخرجه، هل تبلل القرآن أم لم يتبلل؟ نعم، الشيخ محمد وسام: وقيل أراد بغرق السفينة هلاك بدنه بالموت، وقال بعضهم: من اتخذ الشيخ: حتى لو مات فإن العلم النافع يبقى "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، منها العلم النافع. أو علم نافع ينتفع "أو علم ينتفع به". نعم، الشيخ محمد وسام: وقال بعضهم: من اتخذ الحكمة لجاماً اتخذه الناس
إماماً. الشيخ: يا سلام! نعم، الشيخ محمد وسام: ومن عُرِف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار. وقال الشافعي رحمة الله عليه: من شرف العلم أن كل من نُسِب إليه ولو في شيء حقير فرح، ومن رُفِع عنه حزن الشيخ: ولو في شيء رفيع. يعني عندما يقول لك أحدهم أنت عالم، تجد نفسك تفرح هكذا، وإذا قال لك أنت جاهل، تغضب. ولذلك معنى ذلك أن كلمة العلم هذه شيء شريف جداً عند جميع الناس، عند العالم والجاهل. نعم، الشيخ محمد وسام: وقال عمر رضي الله عنه: "يا أيها الناس، عليكم بالعلم فإن لله سبحانه رداءٌ يحبه، فمن طلب باباً من العلم، رداه الله عز
وجل بردائه فإن أذنب ذنبا استعتبه ثلاث مرات لئلا يسلبه رداءه ذلك وإن تطاول به ذلك الذنب حتى يموت". الشيخ: نسأل الله السلامة. الشيخ محمد وسام: وقال سالم بن أبي الجعد قال: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم وأعتقني، فقلت: بأي شيء أحترف؟ فاحترفت بالعلم، فما تمّت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً فلم آذن له. الشيخ: يعني هذا عبد اشتراه سيده بثلاثمائة درهم. الدينار كان يساوي عشرَ دراهم في عصر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ثلاثَ مئةِ درهم، أي ما يعادل ثلاثين ديناراً. هذا
الدينار كان ذهباً عيار واحد وعشرين، وكان دينار الذهب يزن أربعة جرامات وربع. أما الجنيه الإنجليزي فيزن ثمانية جرامات. يقولون إن جنيه الذهب أصبح يساوي ألفي جنيه الآن، وهو ثمانية جرامات، فمعنى هذا أن الاثنين دينار بثمانية ونصف يكونا أعلى من الجنيه الإنجليزي بنصف درهم بنصف جرام، فالآن ثمانية ونصف في خمسة عشر هم ثلاثون دينارًا، يقسمهم على اثنين لأن كل اثنين منهم بثمانية، أو ثلاثون في أربعة جرام وربع، ثلاثون في أربعة بمائة وعشرين، وثلاثون في ربع بسبعة ونصف،
فيصبح مائة سبعة وعشرون ونصف جرام من الذهب عيار واحد وعشرين. المائة سبعة وعشرون ونصف فيها كم جنيه ذهب؟ نقسم مائة سبعة وعشرين على ثمانية، اثني عشر على ثمانية فيها واحد والباقي أربعة. ثمانية وأربعين على ثمانية فيها ستة. إذاً، فيها ستة عشر جنيهاً. ستة عشر في ألفين يصبح اثنين وثلاثين ألف جنيه. اشتراه سالم باثنين وثلاثين ألف جنيه الذي يعادل ثلاثمائة درهم. حسناً، إذا قسمنا اثنين وثلاثين ألفاً على ثلاثمائة لنعرف قيمة الدرهم، فنحن نقسم
اثنين وثلاثين ألفاً على ثلاثمائة، أي نقسم ثلاثمائة وعشرين على ثلاثة. ثلاثة وثلاثون على ثلاثة يساوي مائة وعشرة، فيكون الدرهم في حدود مائة جنيه تقريباً. نحسب مباشرة هكذا مائة وشيء ما، مائة وخمسة، مائة وأربعة، شيء من هذا القبيل. فعندما يقول لك عشرة دراهم، تضربها في مائة مباشرة، فيكون بألف جنيه. وعندما يقول لك عشرين درهماً، كذلك يكون بألفي جنيه، وهكذا. وأنت تسير على هذا المنوال لكي نرى كيف كانت الأسعار. هذا الآن عبد يشتريه، دفع فيه اثنان وثلاثون ألف جنيه، وبعد ذلك أعتقه لوجه الله، فيكون قد تصدق بهذا المبلغ كله.
حسناً، فالولد بعد أن أُعتق قال له: "ماذا سأعمل؟" قال له: "اشتغل بالعلم". فاشتغل بالعلم وسار فيه بشكل جيد حتى أصبح إمام أهل المكان الذي هو فيه كله. فالمحافظ الذي هو والي المدينة استأذن عليه في المدينة وقال له: أنا أريد أن آتي لزيارتك في بيتك. فقال له: لست متفرغاً، لست متفرغاً. لديه شيء يريد حفظه، كتاب يريد تأليفه، فتوى يريد تحريرها، وهذا سيأتي ليثرثر معه. نحن لا نريد الثرثرة، لست متفرغاً. ولكن انظر إلى العزة وانظر إلى تقويم العلم، لم يرسل إليه الشرطة للقبض عليه. لم
يفعل هكذا وإنما قدّر هذا فيه واعتذر لأن هؤلاء جواهرنا، لماذا نفسد جواهرنا؟ فهكذا كانت تسير الأمور، ولذلك بنينا حضارة عندما كان الأمر كذلك. لو انحرفنا عن هذا سنسقط. نعم، الشيخ محمد وسام: وقال الزبير بن أبي بكر: كتب إليّ أبي بالعراق: عليك بالعلم، فإنك إن افتقرت كان لك مالاً. وإن استغنيت كان لك جمالاً. الشيخ: الله نِعْمَ، الشيخ محمد وسام: وحُكي ذلك في وصايا لقمان لابنه، قال: "يا بُنَي، جالِسِ العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء". الشيخ: تكلم القرآن عن سيدنا لقمان واسمه لقمان
الحكيم، وقيل إنه كان أسود اللون، كانت بشرته كظلمة الليل. لم تكن لدينا تفرقة عنصرية في تاريخنا أبداً. هناك أربعون من الصحابة من الحبشة، نعرف منهم سيدنا بلال، لكن هناك أربعون شخصاً كانوا سوداً. لقد عرفنا الأسود والأبيض طوال عمرنا، وكانت التقوى هي المقياس عندنا. ونقول سيدنا لقمان، نقول هكذا، قيل أنه كان نبياً لأنه يمتلك حكمة زائدة عن المعتاد. شيءٌ جميلٌ، وقيل إنه كان تلميذاً لألف نبي لأن الأنبياء كانوا كثيرين، في كل مكان وزاوية تجد فيها نبياً، فكان قد تربى على أيدي الأنبياء. فسيدنا لقمان
أُوتي الحكمة، والحكمة هي الوجه الثاني من العلم، فلما نصح، نصح بالعلم لكي تحصل الحكمة. لا يمكن أن تكون هناك حكمة إذا كنت تتحدث بما لا تعرف. نعم الشيخ محمد وسام: وقال بعض الحكماء إذا مات العالم بكاه الحوت في الماء والطير في الهواء ويُفقَد وجهه ولا ينسى ذكره. وقال الزهري رحمه الله العلم ذكر ولا يحبه إلا ذكران الرجال. الشيخ: نعم، يعني هو قوي، يريد أن يقول هنا أن العلم فيه قوة، ولذلك عندما ترجموا هذا الكلام إلى الإنجليزية قالوا "باور" (قوة). على العلم
نعم، وعندما يريدون ترجمته يقولون لك "سلطة"، لا، بل هي قوة، فهو يأتي من كلامنا. لقد درسوا كتاب "إحياء علوم الدين" وترجموه إلى الإنجليزية في خمسة مجلدات قديماً، نعم نعم، الشيخ محمد وسام: فضيلة التعلم. أما الآيات، فقوله تعالى: "فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ" [التوبة: ١٢٢]، الشيخ: يبقى إذن أعفي طلبةُ العلم عن الذهاب للجهاد حتى يتم التفرغ وهي البلغة عند بسيدنا الشافعي، ويحكي الشيخ محمد رشيد رضا أنه كان في الشام فجاء به الوالي وقال: أي
حجة تجعلك لا تسلم نفسك للجهادية وما إلى ذلك، فاستدل بالآية "فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ"،[التوبة:١٢٢] فأُعجِب به جداً وأعطاه جائزةً لأنه استحضر هذا. يعني ليس جميعنا نذهب إلى الجهاد، لابد أن يبقى أناسٌ للعلم يشتغلون بالعلم، وهؤلاء هم الذين ينصحون المجاهدين عند عودتهم. الجهاد عندنا في الإسلام شأنه عظيم جداً، وليس هناك أفضل منه، حتى أن الشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه، أي أن مكانته عظيمة العالِم يُغسَّل ويُصلى عليه وكل شيء، لكن الشهيد لا يُغسَّل ولا يُصلى عليه لأنه
دخل الجنة. الصلاة التي نؤديها على الجنازة هذه ما معناها؟ "يا رب ارحمه"، دعاءٌ له. لا، خلاص، قد رُحِم ولم يعد محتاجاً لصلاتك عليه لأنه سبقك إلى الجنة، هو الذي سيتشفع فيك الآن، هذا الشهيد. وهذا الجهاد، لا أنت اجلس للعلم، والعلم هذه منزلة عالية جداً مثل هذا الجهاد أيضاً، فتكون كأنك تجاهد. انظروا ماذا نفعل بأنفسنا عندما نلغي العلم من حياتنا، إنها مصيبة سوداء، مصيبة كبرى، لأنها أمة علم، هذه أمة "اقرأ"، ونقول هذا الكلام تحول إلى شيء نسمعه فقط ونمضي. المدارس نجدها مهدمة وليس فيها أساتذة، وليس فيها حتى
كرسي يجلس عليه الولد، لا يوجد، لا يوجد. و ماذا بعد ذلك، لا، يجب أن نعود مرة أخرى ليكون أهم شيء في حياتنا هو العلم، لن نتحرك إلا بالعلم، لن نتقدم إلا بالعلم، لا يوجد أي شيء آخر. بدايتنا ونهايتنا هي العلم، نعم. الشيخ محمد وسام: وقوله عز وجل: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" [النحل: ٤٣]، وأما الأخبار فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع". الشيخ: لم يقل أحد في العالم هذا الكلام لا الأدباء ولا الشعراء ولا
الحكماء "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له طريقاً إلى الجنة". لم يقل هذا الكلام أحدٌ إلا سيدنا صلى الله عليه وسلم، يعني شبّه طريق العلم بطريق الجنة. أنت وأنت ماشٍ ذاهب إلى المكتبة لتشتري كتاباً أو ذاهب لتحضر محاضرة أو ذاهب إلى المسجد لأجل حضور درس أو ذاهب - لا أعرف - إلى المدرسة أو توصل ابنك للمدرسة، يلتمس أي طريق هكذا وأنت تسير فيه آخره الجنة. يا الله! ما هذا! يعني المدرسة التي هنا هكذا يكون آخر هذا الطريق الجنة؟ قبل أن تصل إلى المحور تكون قد وصلت إلى الجنة؟ والله لم يقل أحد هكذا أبداً في العالمين هذا مما تفرد به سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم أنه في
آخر هذا الطريق الجنة نفسها. الجنة التي هي مقصود الكل، يعني نحن نقصد أن ندخل الجنة، الله مقصودي. أريد أن يرضى ربنا عني، أريد فقط رضا الله، وأطمع في الجنة ما دام هناك جنة ونار، فليُدخلني الجنة ونعوذ بالله من النار، وآخر الطريق هو الجنة. لا، لم يقل أحد ذلك. وأنت ذاهب لتشتري كتاباً، وأنت ذاهب إلى المدرسة، وأنت توصل ابنك، أنت توصله إلى الجنة. فلتكن في البيت صباحاً، ولا تغضب على زوجتك عندما تقول لك: خذ الولد وأوصله، أو البنت، لأنك ذاهب إلى الجنة. الشيخ محمد وسام: الله. الشيخ: لا تحزن كثيراً هكذا، تذكر كيف كانوا يعيشون في هذه المعاني، ولذلك كانت نفوسهم مفتوحة. نفوسهم تريد أن تتعلم،
والله تعالى وأعلم.