مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 81 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 81 | أ.د علي جمعة

18 دقيقة
  • اليقين من أقل ما أوتيه الناس، وهو من أهم ما يحتاجه المرء في حياته.
  • يطلق اليقين بمعنيين: عند المتكلمين هو عدم الشك (مائة بالمائة)، وعند المتصوفة والفقهاء هو استيلاء الاعتقاد على القلب.
  • مراتب التصديق أربع: الشك (خمسون بالمائة)، والظن (واحد وخمسون إلى تسعة وتسعين)، والاعتقاد المقارب لليقين، واليقين التام.
  • ينقسم اليقين من ثلاثة جوانب: القوة والضعف (في غلبته واستيلائه على القلب)، والجلاء والخفاء (في وضوحه)، والقلة والكثرة (في عدد متعلقاته).
  • يمكن اكتساب اليقين بطرق متعددة: الحس، وغريزة العقل، والتواتر، والتجربة، والأدلة والبراهين.
  • متعلقات اليقين هي كل ما ورد به الأنبياء.
  • الناس مشتركون في الجزم بالموت لكنهم يتفاوتون في استيلاء هذا اليقين على قلوبهم.
  • نحن مأمورون بالتفكر لبناء الحضارة وإحياء الفكر الإسلامي.
محتويات الفيديو(22 أقسام)

مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين في كتاب العلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين. وفي كتاب العلم نستمر معه في توجيهنا لما فيه خير ديننا ودنيانا.

حديث النبي ﷺ في فضل اليقين وعزيمة الصبر

[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين. وهو يتحدث عن اليقين:

ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«إن من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أُعطي حظه منهما لم يُبالِ بما فاته من قيام الليل وصيام النهار»

وفي وصية لقمان لابنه: يا بني، لا يُستطاع العمل إلا باليقين، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه.

قول يحيى بن معاذ في نور التوحيد ونار الشرك وعلاقتهما باليقين

وقال يحيى بن معاذ: إن للتوحيد نورًا وللشرك نارًا، وإن نور التوحيد أحرقُ لسيئات الموحدين من نار الشرك لحسنات المشركين. وأراد به [يحيى بن معاذ] اليقين.

وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى ذكر الموقنين في مواضع، دلّ بها على أن اليقين هو الرابطة للخيرات والسعادات.

سؤال عن معنى اليقين وقوته وضعفه وبيان أنه لفظ مشترك بين فريقين

فإن قلت: فما معنى اليقين؟ وما معنى قوته وضعفه؟ فلا بد من فهمه أولًا، ثم الاشتغال بطلبه وتعلمه؛ فإن ما لا تفهم صورته لا يمكن طلبه.

فاعلم أن اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين. أما النظّار والمتكلمون فيعبّرون به عن عدم الشك، إذ ميل النفس إلى التصديق بالشيء له أربع مقامات.

شرح المقامات الأربعة لميل النفس: اليقين والظن والشك والوهم

[الشيخ]: يعني أنني أريد أن أعرف: هذه المعلومة صحيحة أم لا؟ فإما أن أكون متأكدًا مائة في المائة، وهذه رقم واحد يسمونه اليقين. وإما أن يكون تسعين في المائة يسمونه الظن الغالب.

وإما أن يكون خمسين في المائة وخمسين، طبعًا واحد وخمسين يكون راجحًا، يكون مع التسعين وتسعة وتسعين، اسمه ظن. وأما خمسون نسميه شكًّا، وأما أقل من خمسين نسميه وهمًا.

إذن هو على أربعة أقسام: اليقين، الظن، الشك، الوهم. نعم.

المقام الأول: الشك وهو اعتدال التصديق والتكذيب عند جهل الحال

[الشيخ محمد وسام]: الأول: أن يعتدل التصديق والتكذيب ويُعبَّر عنه بالشك، كما إذا سُئلت عن شخص معين: هل الله تعالى يعاقبه أم لا؟ وهو مجهول الحال عندك، فإن نفسك لا تميل إلى الحكم فيه بإثبات ولا نفي، بل يستوي عندك إمكان الأمرين، فيسمى هذا شكًّا.

[الشيخ]: خمسين وخمسين.

المقام الثاني: الظن وهو ميل النفس إلى أحد الأمرين مع تجويز نقيضه

[الشيخ محمد وسام]: الثاني: أن تميل نفسك إلى أحد الأمرين مع الشعور بإمكان نقيضه، ولكنه إمكان لا يمنع ترجيح الأول. كما إذا سُئلت عن رجل تعرفه بالصلاح والتقوى أنه بعينه لو مات على هذه الحالة، هل يُعاقب؟ فإن نفسك تميل إلى أنه لا يُعاقب أكثر من ميلها إلى العقاب؛ وذلك لظهور علامات الصلاح.

ومع هذا فأنت تجيز اختفاء أمر موجب للعقاب في باطنه وسريرته، فهذا التجويز مساوق لذلك الميل، ولكنه غير دافع لرجحانه، فهذه الحالة تسمى ظنًّا.

[الشيخ]: واحد وخمسين إلى تسعة وتسعين.

المقام الثالث: الاعتقاد المقارب لليقين وهو حال العوام في الشرعيات

[الشيخ محمد وسام]: الثالث: أن تميل النفس إلى التصديق بشيء بحيث يغلب عليها، ولا يخطر بالبال غيره، ولو خطر بالبال لنبتّ النفس عن قبوله. ولكن ليس ذلك عن معرفة محققة؛ إذ لو أحسن صاحب هذا المقام التأمل والإصغاء إلى الشك والتجويز لاتسعت نفسه للتجويز.

وهذا يسمى اعتقادًا مقاربًا لليقين، وهو اعتقاد العوام في الشرعيات كلها؛ إذ رسخ في نفوسهم بمجرد السماع، حتى إن كل فرقة تثق بصحة مذهبها وإصابة إمامها ومتبوعها، ولو ذُكر لأحدهم إمكان خطأ إمامه نفر عن قبوله.

المقام الرابع: المعرفة الحقيقية بالبرهان التي لا يتصور فيها الشك وهي اليقين

الرابع: المعرفة الحقيقية الحاصلة بطريق البرهان الذي لا يُشك فيه ولا يُتصور الشك فيه. فإذا امتنع وجود الشك وإمكانه يسمى يقينًا عند هؤلاء [النظّار والمتكلمين].

[الشيخ]: يعني جعل اليقين [الذي هو] المائة، هذه على نوعين: نوع يمكن الرجوع عنه فيسمى اعتقادًا، ونوع لا يمكن الرجوع عنه فيسمى اليقين. نعم.

مثال على اليقين بوجود القديم بين البديهة والسماع والبرهان

[الشيخ محمد وسام]: ومثاله أنه إذا قيل للعاقل: هل في الوجود شيء هو قديم؟ فلا يمكنه التصديق به بالبديهة؛ لأن القديم غير محسوس، لا كالشمس والقمر فإنه يصدق بوجودهما بالحس. وليس العلم بوجود شيء قديم أزلي ضروريًا، مثل العلم بأن الاثنين أكثر من الواحد.

بل مثل العلم بأن حدوث حادث بلا سبب محال، فإن هذا أيضًا ضروري. فحق غريزة العقل أن تتوقف عن التصديق بوجود القديم على طريق الارتجال والبديهة.

ثم من الناس من يسمع ذلك ويصدق بالسماع تصديقًا جازمًا ويستمر عليه، وذلك هو الاعتقاد، وهو حال جميع العوام.

البرهان العقلي على وجود القديم وبيان استحالة حدوث الكل بلا سبب

ومن الناس من يصدق به بالبرهان، وهو أن يقال له: إن لم يكن في الوجود قديم فالموجودات كلها حادثة، فإن كانت كلها حادثة فهي حادثة بلا سبب، أو فيها حادث بلا سبب، وذلك محال، فالمؤدي إلى المحال محال.

فيلزم في العقل التصديق بوجود شيء قديم بالضرورة؛ لأن الأقسام ثلاثة وهي:

  1. أن تكون الموجودات كلها قديمة.
  2. أو كلها حادثة.
  3. أو بعضها قديمة وبعضها حادثة.

فإن كانت كلها قديمة فقد حصل المطلوب؛ إذ ثبت على الجملة قديم. وإن كان الكل حادثًا فهو محال؛ إذ يؤدي إلى حدوث بغير سبب. فثبت القسم الثالث أو الأول.

طرق حصول اليقين عند المتكلمين وشرط إطلاق اسم اليقين عندهم

وكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقينًا عند هؤلاء [المتكلمين]، سواء حصل بالنظر مثلما ذكرناه، أو حصل بالحس، أو بغريزة العقل كالعلم باستحالة الحادث بلا سبب، أو بالتواتر كالعلم بوجود مكة، أو بالتجربة كالعلم بأن المطبوخ مُسهِل، أو بالدليل كما ذكرنا.

فشرط إطلاق هذا الاسم [اليقين] عندهم عدم الشك، فكل علم لا شك فيه يسمى يقينًا عند هؤلاء. وعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف؛ إذ لا تفاوت في نفس الشك.

[الشيخ]: طيب، هذا هو الفريق الأول الذي هو خاص بحالة كون الشيء مائة في المائة، مع التفاصيل الكثيرة التي أوردها من الاعتقاد واليقين، فهو يقين. نعم.

الاصطلاح الثاني لليقين عند الفقهاء والمتصوفة: الاستيلاء والغلبة على القلب

[الشيخ محمد وسام]: الاصطلاح الثاني: اصطلاح الفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء، وهو ألا يُلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك، بل إلى استيلائه وغلبته على القلب.

حتى يقال: فلان ضعيف اليقين بالموت، مع أنه لا يشك فيه. ويقال: فلان قوي اليقين في إتيان الرزق، مع أنه قد يجوّز أنه لا يأتيه.

فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس بالإجازة والمنع، سُمّي ذلك يقينًا.

الفرق بين الجزم بالموت والاستعداد له كمثال على قوة اليقين وضعفه

ولا شك في أن الناس مشتركون في الجزم بالموت والانفكاك عن الشك فيه، ولكن فيهم من لا يلتفت إليه ولا إلى الاستعداد له وكأنه غير موقن به.

ومنهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق جميع همه في الاستعداد له، ولم يغادر فيه متسعًا لغيره. فيُعبَّر عن مثل هذه الحالة بقوة اليقين.

ولذلك قال بعضهم: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشكٍّ لا يقين فيه من الموت. وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف والقوة.

مراد علماء الآخرة بتقوية اليقين: نفي الشك وتسليطه على النفس

ونحن إنما أردنا بقولنا أن من شأن علماء الآخرة صرف العناية إلى تقوية اليقين، المعنيين جميعًا: وهو نفي الشك، ثم تسليط اليقين على النفس حتى يكون هو الغالب المتحكم وهو المتصرف.

أقسام اليقين الثلاثة: القوة والضعف والجلاء والخفاء والكثرة والقلة

فإذا فهمت هذا علمت أن المراد من قولنا: إن اليقين ينقسم ثلاثة أقسام بالقوة والضعف، والقلة والكثرة، والخفاء والجلاء.

فأما بالقوة والضعف فعلى الاصطلاح الثاني [اصطلاح الفقهاء والمتصوفة]، وذلك في الغلبة والاستيلاء على القلب. ودرجات اليقين في القوة والضعف لا تتناهى، وتفاوت الخلق في استعدادهم للموت بحسب تفاوت اليقين بهذه المعاني.

التفاوت في اليقين بالخفاء والجلاء وأمثلته من التواتر والأدلة

وأما التفاوت بالخفاء والجلاء فلا يُنكر أيضًا، أما فيما يتطرق إليه التجويز فلا يُنكر — أعني الاصطلاح الثاني — وفيما انتفى الشك عنه أيضًا لا سبيل إلى إنكاره.

فإنك تدرك تفرقة بين تصديقك بوجود مكة ووجود فَدَك مثلًا، وبين تصديقك بوجود موسى ووجود يوشع عليهما السلام، مع أنك لا تشك في الأمرين جميعًا؛ إذ مستندهما التواتر جميعًا، ولكن ترى أحدهما أجلى وأوضح في قلبك من الثاني؛ لأن السبب في أحدهما أقوى وهو كثرة المخبرين.

وكذلك يدرك الناظر هذا في النظريات المعلومة بالأدلة، فإنه ليس وضوح ما لاح له بدليل واحد كوضوح ما لاح له بأدلة كثيرة، مع تساويهما في نفي الشك. وهذا قد ينكره المتكلم الذي يأخذ العلم من الكتب والسماع، ولا يراجع نفسه فيما يدركه من تفاوت الأحوال.

التفاوت في اليقين بالقلة والكثرة بحسب تعدد متعلقاته

وأما القلة والكثرة فذلك بكثرة متعلقات اليقين، كما يقال: فلان أكثر علمًا، أي معلوماته أكثر. ولذلك قد يكون العالم قوي اليقين في جميع ما ورد الشرع به، وقد يكون قوي اليقين في بعضه.

سؤال عن متعلقات اليقين ومجاريه وبيان أن جميع ما ورد به الأنبياء من مجاريه

فإن قلت: فقد فهمت اليقين وقوته وضعفه، وكثرته وقلته، وجلاءه وخفاءه، بمعنى نفي الشك أو بمعنى الاستيلاء على القلب، فما متعلقات اليقين ومجاريه؟ وفي ماذا يُطلب اليقين؟ فإني ما لم أعرف ما يُطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه.

فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أوله إلى آخره هو من مجاري اليقين.

تلخيص مداخل اليقين الثلاثة: القوة والضعف والجلاء والخفاء والكثرة والقلة

[الشيخ]: طيب، يبقى إذن مهم، وكلام تفصيل شديد في اليقين أنه من ثلاثة مداخل:

  • القوة والضعف: وهذه في الشدة.
  • الجلاء والخفاء: وهذا في الظهور.
  • الكثرة والقلة: وهذا في العدد.

هذا هو الفكر، يعني فضل [الإمام الغزالي] يتتبع الأمر فوجد أن اليقين بمعنى رفع الشك عند طائفة، أو بمعنى الاستيلاء عند طائفة أخرى. والاستيلاء يعني: الحضور، يعني: يسيطر عليك ولا تنساه.

مثال على ضعف اليقين بالموت: حال من يذهب للعزاء وحال من يعمل في الدفن

تذهب تعزّي وأنت تعزّي ناسٍ [أنك ستـ]ـموت، أنت لا تعلم أنه قد يكون [الموت] أقرب إليك من حبل الوريد. بالأمس أناس ذاهبون للعزاء في العراق فضُربوا بالقنابل في العزاء، أي ذاهبون للعزاء فأصبحوا ممن يُعزّى فيهم، ولكنه وهو ذاهب للعزاء ربما يرى الموت بعينيه.

ولذلك تجد الناس الذين يعملون في الدفن ينسون الموت؛ لأنه لو تذكروا طوال الوقت لن يعرف [أحدهم] أن يعيش. هذا يرى كل يوم الموت، فإذن هو متيقن من الموت فلن يقول أبدًا أنه لا يوجد شيء اسمه موت؛ لأنه يقوم يوميًا بالدفن ويرى الموت بعينيه.

ولكن مع هذا إلا أنه لم يستولِ [اليقين بالموت] عليه، يرى حياته فيذهب ليتزوج ويأكل ويشرب وينام ويعمل وهكذا. إذن نحن أمام استيلاء [اليقين] علينا أم لا، هذه هي أصناف اليقين.

أهمية الفكر الإسلامي عند الغزالي ودعوة الأمة للعودة إلى التفكير والبناء الحضاري

وبعد ذلك يتحدث [الإمام الغزالي] في قضية القوة والضعف، والظهور والخفاء، والكثرة والقلة. هذا البرنامج الذي كتبه الإمام الغزالي يجعلك تتعامل مع لفظة واحدة وهي اليقين بطرق مختلفة طبقًا للمداخل المختلفة ومناهجها.

هذا فكر إسلامي توقفنا عن التفكير فيه منذ زمن طويل، وهذا أيضًا من مشاكل العصر إن نحن توقفنا عن التفكير. وكأن التفكير أخو التكفير، ففكّر وكفّر هي نفس الحروف! لا، هذا الفكر نحن مأمورون به، والكفر نحن منهيون عنه.

فانظر كيف كانوا يفكرون، وانظر إلى أي مدى استطاعوا أن يبنوا حضارة كبيرة. وهو [الغزالي] يقول إن نحن في العصر الآن، في القرن الخامس والسادس الهجري، أي ضعفنا أيضًا. هذا الفكر الخاص بالحالة التي يراها أنها في حالة الضعف؛ لأن الناس أو أغلب الناس لم يكونوا يعملون بمثل هذا.

لكن هناك علماء يفكرون ويعطون للأمة جرعة أخرى ألف سنة. هذا الكلام جعل الأمة تندفع إلى الأمام ألف سنة. فنحن في أمسّ الحاجة [والقوة] إلى مثل هذا التفكير حتى يتضح لنا الأمر ألف سنة أخرى.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.