مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 82 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 82 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • يعرض الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" مفهوم اليقين ومتعلقاته، مبيناً أن كل ما جاء به الأنبياء يدخل في دائرة اليقين.
  • التوحيد أول أبواب اليقين وأساسه، وهو رؤية الأشياء كلها من مسبب الأسباب، وعدم الالتفات للوسائط إلا كأدوات مسخرة.
  • المؤمن الموقن يرى جميع المخلوقات مسخرة بأمر الله كالقلم في يد الكاتب، مما يولد في قلبه التوكل والرضا والتسليم.
  • حقيقة التوحيد تتجلى في معنى "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وهي كنز من كنوز العرش تدفع الإنسان لرد الأمور كلها لله.
  • من متعلقات اليقين أيضاً الثقة بضمان الله للرزق، مما يورث القناعة وعدم الحرص والشره.
  • اليقين بالثواب والعقاب يجعل المؤمن يرى الطاعات كالخبز للشبع والمعاصي كالسموم للهلاك، فيحرص على الطاعات ويجتنب المعاصي.
  • تشكل هذه المفاهيم إجابات للأسئلة الكبرى الثلاثة: من أين أتينا؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا سيكون غداً؟
محتويات الفيديو(22 أقسام)

افتتاح الدرس والدعاء بالنفع من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وبدر التتمة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.

نواصل ونستمر في التعايش مع كتاب العلم، عسى الله أن ينور به قلوبنا، وأن يرسم لنا منهج الصالحين في هذه الحياة الدنيا. اقرأ.

سؤال الغزالي عن متعلقات اليقين ومجاريه وفيم يُطلب اليقين

[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين، في كتابه إحياء علوم الدين:

فإن قلت: فقد فهمت اليقين وقوته وضعفه وكثرته وقلته وجلاءه وخفاءه، بمعنى نفي الشك أو بمعنى الاستيلاء على القلب، فما متعلقات اليقين ومجاريه؟ وفي ماذا يُطلب اليقين؟ فإنني ما لم أعرف ما يُطلب فيه اليقين لم أقدر على طلبه.

فاعلم أن جميع ما ورد به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أوله إلى آخره هو من مجال اليقين؛ فإن اليقين عبارة عن معرفة مخصوصة، ومتعلقه المعلومات التي وردت بها الشرائع، فلا مطمع في إحصائها، ولكني أشير إلى بعضها وهي أمهاتها.

التوحيد أول أمهات اليقين ورؤية الأشياء من مسبب الأسباب

[الشيخ محمد وسام]: فمن ذلك التوحيد، وهو أن يرى الأشياء كلها من مسبب الأسباب، ولا يلتفت إلى الوسائط، بل يرى الوسائط مسخرة لا حكم لها.

فالمصدق بهذا مؤمن، فإن انتفى عن قلبه مع الإيمان إمكان الشك فهو موقن بأحد المعنيين. فإن غلب على قلبه مع الإيمان غلبة أزالت عنه الغضب على الوسائط والرضا عنهم والشكر لهم، ونزّل الوسائط في قلبه منزلة القلم واليد في حق المنعم بالتوقيع؛ فإنه لا يشكو القلم ولا اليد ولا يغضب عليهما، بل يراهما آلتين مسخرتين وواسطتين، فقد صار موقنًا بالمعنى الثاني وهو الأشرف، وهو ثمرة اليقين الأول وروحه وفائدته.

ثمرة التوحيد في التوكل والرضا والتسليم والتخلص من أمراض القلب

[الشيخ محمد وسام]: ومهما تحقق أن الشمس والقمر والنجوم والجماد والنبات والحيوان وكل مخلوق هي مسخرات بأمره، حسب تسخّر القلم في يد الكاتب، وأن القدرة الأزلية هي المصدر للكل، استولى على قلبه غلبة التوكل والرضا والتسليم.

وصار موقنًا بريئًا من الغضب والحقد والحسد وسوء الخلق. فهذا أحد أبواب اليقين.

دائرة اليقين وارتباطها بما جاء به الأنبياء والمرسلون من الوحي

[الشيخ]: إذن هناك دائرة تُسمى دائرة اليقين، وهي كل ما وردت عن الأنبياء والمرسلين عبر التاريخ، أي منذ عهد آدم إلى خاتمهم وسيدهم صلى الله عليه وآله وسلم.

فكل ما جاء به الأنبياء والمرسلون إنما هو في دائرة الوحي، إنما هو في دائرة التلقي عن الله، إنما هو في دائرة بيان الحقائق الظاهرة والباطنة. وقال [الإمام الغزالي] إن هذا لا يُعد ولا يُحصى في جوانب كثيرة.

التوحيد غاية إرسال الرسل وإنزال الكتب وأساس العبادة

[الشيخ]: ولكنه يقول: على ماذا أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل؟ وعلى ماذا أنزل الكتب؟ وعلى ماذا بيّن البيان؟ أنه ابتداءً بيّنه من أجل قضية مهمة أقام الله العالم عليها، وهي قضية التوحيد.

والتوحيد هو أساس العبادة وأساسها، ولذلك قال تعالى في القرآن الكريم:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

فالعبادة وأساسها التوحيد هي الغاية التي خلق الله لها الخلق، من سماوات ومن أرض ومن جنة ومن نار ومن دنيا ومن آخرة.

بروز الكون بأمر الله والفارق بين الخالق والمخلوق في حقيقة التوحيد

[الشيخ]: وقد كان الله سبحانه وتعالى ولم يكن شيء معه، ثم بعد ذلك برز هذا الكون:

﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

وهذا البروز إنما يجعل أن الرب ربٌّ وأن العبد عبدٌ، وأن هناك فارق بين المخلوق والخالق. يعني قضية التوحيد هذه أولًا.

إذن هذه دائرة اليقين مبناها التوحيد. عرفنا الغاية.

التوحيد ليس مجرد إيمان نظري بل يشمل أسماء الله الحسنى وصفاته العلى

[الشيخ]: هذا التوحيد ليس فقط هو أن تؤمن أن الله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأنه فعّال لما يريد، وأنه بيده ملكوت السماوات والأرض وما بينهما، وإلى آخر هذا النظام الذي تعلمناه من خلال أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى.

إنما القضية كما قال أهل الله بناءً على كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تدور في التوحيد في الحقيقة على لا حول ولا قوة إلا بالله.

لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش وأساس حكم ابن عطاء الله

[الشيخ]: ولذلك قال [رسول الله ﷺ]:

«لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش»

الكنز مخبوء لكنه قيّم. وما هي قيمته؟ ما هذا الكنز؟ إنه أن تؤمن أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

وعلى هذا بنى ابن عطاء الله السكندري الحِكَم؛ عندك مائتين وثلاثة عشر حكمة، كلها لا بد أن تدور حول شرح جانب من جوانب معنى أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثمرة الإيمان بلا حول ولا قوة إلا بالله في رد الأمور كلها لله

[الشيخ]: وإذا عرفت أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، رددت الأمر لله، ولم تغضب إلا لله، ولم تنسحب إلا لله، ولم تفعل إلا لله، ولم ترضى إلا لله.

لا حول ولا قوة إلا بالله، شيء غريب! يعني كأنك تشاهد، وكأن هذا الكون بما يجري فيه من أحداث، بما فيها الأحداث التي تجري عليك أنت نفسك، تفصل نفسك هكذا وتشاهد؛ فترى هذا ابتلاء والابتلاء من الله، وترى هذا نجاحًا والنجاح من الله، وترى هذا فشلًا والفشل من الله.

التوازن بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب دون اعتماد عليها

[الشيخ]: وكل ذلك لا يؤخرك عن اتخاذ الأسباب والتوغل فيها وإتقانها؛ لأن الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل، وليس من سنن الأنبياء.

فليس معنى لا حول ولا قوة إلا بالله أننا نعتزل الحياة الدنيا وأن نترك الأسباب التي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقوم فيها. ولكن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله أن ترى الله في كل شيء خلقًا وفعلًا ومواقف.

الالتزام بموارد الله مع التوكل والرضا واكتشاف حقيقة الدنيا باليقين

[الشيخ]: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحينئذٍ نلتزم بموارد الله سبحانه وتعالى، ونفعل ونترك متوكلين على الله راضين بأمر الله.

ولذلك إذا وصلت إلى هذه الدرجة وكنت على ذكرٍ دائم لله، ويأتي قضية الذكر والفكر وطريق الله، وما وقر في القلب وصدقه العمل وحسن اليقين، أنت إذا في اليقين بأنك قد اكتشفت حقيقة الدنيا، وأن كل ما يجري فيها إنما تراه أن مصدره هو الله سبحانه وتعالى.

هذا عنصر من العناصر التي يكشف عنها الإمام الغزالي، وهو التوحيد في قضية دائرة اليقين التي جاءت من عند الله عن طريق المرسلين.

عناصر دائرة اليقين المترابطة التي وردت عن الأنبياء والمرسلين

[الشيخ محمد وسام]: ومن ذلك... ومن ذلك، أي يذكر [الإمام الغزالي] عناصر، لكن بعضها يدل على بعض، يأخذ بعضها برقاب بعض، كلها ترسم دائرة اليقين التي هي عن السادة المرسلين عليهم الصلوات والسلام.

الثقة بضمان الله للرزق وأثر اليقين في الإجمال في الطلب

[الشيخ محمد وسام]: ومن ذلك الثقة بضمان الله سبحانه بالرزق في قوله تعالى:

﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]

واليقين بأن ذلك يأتيه، وأن ما قُدِّر له سينساق إليه. ومهما غلب ذلك على قلبه كان مُجمِلًا في الطلب، ولم يشتد حرصه وشرهه وتأسفه على ما يفوته. وأثمر هذا اليقين أيضًا جملة من الطاعات والأخلاق الحميدة.

اليقين بالثواب والعقاب ونسبة الطاعات والمعاصي إلى نتائجها

[الشيخ محمد وسام]: ومن ذلك أن يغلب على قلبه أن:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]

وهو اليقين بالثواب والعقاب، حتى يرى نسبة الطاعات إلى الثواب كنسبة الخبز إلى الشبع، ونسبة المعاصي إلى العقاب كنسبة السموم والأفاعي إلى الهلاك.

فكما يحرص على تحصيل الخبز طلبًا للشبع فيحفظ قليله وكثيره، فكذلك يحرص على الطاعات كلها قليلها وكثيرها. وكما يتجنب قليل السموم وكثيرها، فكذلك يجتنب المعاصي قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها.

الفرق بين يقين عموم المؤمنين ويقين المقربين وثمرته في المراقبة والتقوى

[الشيخ محمد وسام]: واليقين بالمعنى الأول قد يوجد لعموم المؤمنين، أما بالمعنى الثاني فيختص به المقربون.

وثمرة هذا اليقين صدق المراقبة في الحركات والسكنات والخطرات، والمبالغة في التقوى والاحتراز عن كل السيئات. وكلما كان اليقين أغلب الأحيان كان الاحتراز أشد والتشمر أبلغ.

تلخيص عناصر اليقين الثلاثة: التوحيد والثقة بالله والإيمان بالآخرة

[الشيخ]: إذن تكلم [الإمام الغزالي] عن التوحيد وهو قضية تتعلق بمصدر الكائنات من الخالق الله، ثم تكلم عن الثقة بما في يد الله، وهذا أمر يعود إلى المعاش؛ فتثق في أثناء معيشتك بالله.

وهو السؤال الثاني من الأسئلة الكبرى الثلاثة: من أين أتينا؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا سيكون غدًا؟

من أين أتينا: الله بتفاصيل كثيرة. ماذا نفعل هنا: الوحي بتفاصيل كثيرة. ماذا سيكون غدًا: الآخرة بتفاصيل كثيرة.

تفصيل الآخرة من جنة ونار وحساب وأثر تعلق القلب بالله في تحصيل أركان الإيمان

[الشيخ]: تكلم عنها [الإمام الغزالي]، عن الجنة والنار والحساب والعقاب والثواب والمعاصي والطاعات. الطاعات التي تؤدي إلى الجنة، والمعاصي التي تؤدي إلى النار.

ولذلك الإنسان في حياته إذا تعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، والتزم بالوحي، وخاف يوم الحساب، ورجا هذا اليوم؛ فإنه يكون بذلك قد حصّل أركان الإيمان.

فتكلم [الإمام الغزالي] عن التوحيد، وتكلم عن الثقة بالله التي هي أساس المعاش، وتكلم عن ما سيكون غدًا [يوم القيامة].

الأسئلة الكبرى الثلاثة التي حيرت الفلاسفة وأصحاب المذاهب عبر التاريخ

[الشيخ]: هذه الأسئلة الثلاثة الكبرى هي التي حيرت العالم، وهي التي جعلت كل الفلاسفة وأصحاب المذاهب الأخلاقية وعلماء الديانات في حيرة حول هذه الأسماء والأسئلة الثلاثة.

فيسمونها الأسئلة الكبرى، لا بد أن يكون لهم موقف منها. يقولون شيئًا حتى ولو بالتنحية، يعني يقول مثلًا: الله ليس لي دعوة به، أنا ما شأني إن هناك إلهًا أو ليس هناك إله، فهذا مذهب. لكن لا بد أن يجيب على هذا السؤال: أين أتينا؟ ماذا نفعل الآن؟ ماذا سيكون غدًا؟

الفرق بين المسلمين وأهل الغرب في التعامل مع الأسئلة الكبرى والانطلاق من اليقين

[الشيخ]: هذه الأسئلة الكبرى الثلاثة تجعلك تنظر إلى شرح الإمام الغزالي داخل منظومة اليقين أو دائرة اليقين، أو ما ورد عن المرسلين؛ إنه يتكلم عن أنهم قد أجابوا على الأسئلة الكبرى التي يسميها أهل الغرب الأسئلة النهائية، يريدون أن ينشئوا العلوم حتى يجيبوا عليها.

ونحن نسميها الأسئلة الكلية؛ لأن إجابتها حاصلة عندنا بيقين. نحن نوقن أن الخالق هو الله وننطلق من هذا. هو لا يوقن، هو يريد أن يبحث في الجيولوجيا وفي الأنثروبولوجيا وفي علم الاجتماع وفي غيرها عن شيء يقول له من أين أتى، حتى يصل إلى أنه الله أو غير الله، وإلى الآن لم يصلون إلى شيء.

المذاهب الغربية الحديثة وعجزها عن الإجابة على الأسئلة الكبرى مقارنة بيقين المسلمين

[الشيخ]: فلما كثر هذا بدأوا ينحون هذه القضية في مذاهب جديدة مثل الوجودية ونحوها، لا يجيبون على هذا السؤال. وكذلك ما الذي سيكون غدًا، لا يجيبون على هذا السؤال.

واهتموا بما نحن فيه الآن، وجعلوا مرده إلى العقل، إلى الاتفاق، إلى حكم الطبقة، إلى حكم الديكتاتورية، إلى حكم الشعب، الديمقراطية، إلى شيء من هذا القبيل. لكن الكل ينطلق على الإجابة على هذا.

الرجل بنور قلبه يقول: أبدًا، هذه كل الأسئلة الثلاثة في دائرة اليقين عندنا، ومنها الانطلاق، وليس إليها السعي. فمنها الانطلاق في حياتنا الدنيا.

الختام والتوديع بالسلام والدعاء

[الشيخ]: من هذه الثلاثة إلى لقاء آخر، أستودعكم الله. والسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.