مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 84 | أ.د علي جمعة
- •العلم هو مدخل كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي قبل أبوابه الأربعة: العبادات والمعاملات والمنجيات والمهلكات.
- •العلماء ثلاثة أصناف كما ذكر سهل التستري: عالم بأمر الله (المفتي في الحلال والحرام)، وعالم بالله (عموم المؤمنين)، وعالم بالله وبأيام الله وبأمره (الصديقون).
- •علماء الآخرة يُعرفون بعلامات السكينة والذلة والتواضع، فالخشوع لباس الأنبياء والصالحين والصديقين.
- •قال عمر: "تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه".
- •نقل الإمام الغزالي من كتاب "قوت القلوب" لأبي طالب المكي واعتمده مصدراً أساسياً في إحيائه.
- •الجواد يُعرف بالنظر في عينه، كما تدل هيئة العالم على علمه وخشيته.
- •من أحاط علمه بأيام الله وعقوباته ونعمه، عظُم خوفه وظهر خشوعه.
- •العلم النافع يكون مقترناً بالحلم والتواضع وحسن الخلق والرفق.
مقدمة الدرس وبيان منهج الغزالي في تقديم كتاب العلم على أرباع الإحياء
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب إحياء علوم الدين نستمر في كتاب العلم، وهو الذي وضعه [الإمام الغزالي] أولًا قبل الدخول في أرباعه الأربعة: العبادات والمعاملات والمنجيات والمهلكات، أو المهلكات ثم المنجيات.
وضعه وقدَّم له بالعلم، وهذا مدخل يبيِّن لنا أن كتاب العلم والذي بعد ذلك كما قلنا عُرِف عند الغرب بالإبستمولوجي، ويجعلونه مدخلًا لكل منهج إبستمولوجي، ويعني المعرفية، نظرية المعرفة. فهذا المنهج أخذوه منا نحن المسلمون، ولكنهم لا يعترفون بذلك، لا بأس، أمرنا إلى الله. اقرأ يا شيخ محمد.
صفات العالم الرباني من الخشية والسكينة والتواضع في هيئته وسلوكه
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين، في كتابه إحياء علوم الدين:
ومنها أن يكون حزينًا منكسرًا مطرقًا صامتًا، يظهر أثر الخشية على هيئته وكسوته وسيرته وحركته وسكونه ونطقه وسكوته، لا ينظر إليه ناظر إلا وكان نظره مذكِّرًا لله تعالى، وكانت صورته دليلًا على عمله.
فالجواد عينه فِراره فَراره فُراره مثلثة [أي بتثليث حركة الفاء]، وهو مثل يُضرب لمن يدل ظاهره على باطنه. والفرار بتثليث الفاء هو: النظر في أسنان الدابة أو في أوصافها لتعرفها. فالجواد عينه فراره، فعلماء الآخرة يُعرفون بسيماهم في السكينة والذلة والتواضع.
لبسة الخشوع أحسن ما يُلبسه الله للعبد والتحذير من آثار الغفلة والبطر
وقد قيل: ما ألبس الله تعالى عبدًا لبسةً أحسن من خشوع في سكينة، فهي لبسة الأنبياء وديدن الصالحين والصديقين والعلماء.
فأما التهافت في الكلام والتشدق والاستغراق في الضحك والحدة في الحركة والنطق، فكل ذلك من آثار البطر والأمن والغفلة عن عظيم عقاب الله تعالى وشديد سخطه، وهو دأب أبناء الدنيا الغافلين عن الله دون العلماء به.
تقسيم سهل التستري للعلماء ثلاثة أصناف وبيان من تغلب عليه الخشية
وهذا لأن العلماء ثلاثة كما قال سهل التستري رحمه الله:
- عالم بأمر الله لا بأيام الله، وهم المفتون في الحلال والحرام، وهذا العلم لا يورث الخشية.
- وعالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله، وهم عموم المؤمنين.
- وعالم بالله وبأيام الله وبأمر الله، وهم الصديقون، والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم.
وأراد بأيام الله أنواع عقوباته الغامضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة، فمن أحاط علمه بذلك عظُم خوفه وظهر خشوعه.
وصية عمر بن الخطاب بتعلم السكينة والوقار والتواضع مع العلم
قال عمر رضي الله عنه:
«تعلَّموا العلم، وتعلَّموا للعلم السكينةَ والوقارَ والحلمَ، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولْيتواضعْ لكم من يتعلم منكم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم»
ويُقال: ما آتى الله عبدًا علمًا إلا آتاه معه حلمًا وتواضعًا وحسن خلق ورفقًا، فذلك هو العلم النافع.
وفي الأثر: من آتاه الله علمًا وزهدًا وتواضعًا وحسن خلق فهو إمام المتقين. قال الحافظ الزبيدي في إتحافه: هكذا أورده صاحب القوت وتبعه المصنف [الغزالي]، ولم يتعرض له العراقي، ولا وجدته في غير كتاب القوت.
حديث خيار الأمة الذين يضحكون جهراً من سعة الرحمة ويبكون سراً من خوف العذاب
وفي الخبر:
«إن من خيار أمتي قومًا يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرًّا من خوف عذابه، أبدانهم في الأرض وقلوبهم في السماء، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة، يتمشَّون بالسكينة ويتقرَّبون بالوسيلة» [رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب]
اعتماد الغزالي الكبير على كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي في الإحياء
[الشيخ]: إذن هنا ينقل الإمام الغزالي عن كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، وهو من أهم الكتب التي رجع إليها الغزالي، فهو مرجع أساس يرجع إليه دائمًا وينقل منه دون العزو.
بل إنه جعله أمامه وكأنه مصدر أساسي، فكثيرًا من عبارات الغزالي ينقلها من قوت القلوب لأبي طالب المكي. وأبو طالب سابق على الإمام الغزالي، وقوت القلوب مطبوع لكنه أصغر كثيرًا من إحياء علوم الدين.
لكن الغزالي كان يعتمده اعتمادًا كبيرًا وينقل عنه كثيرًا جدًّا، حتى قيل إنه قد استوعب القوت في إحيائه، وكأنه ظلَّ ينقل منه حتى صار كتاب القوت كله داخل كتاب الإحياء، عن طريق أنه يأتي بعبارة، أو يأتي بسطر، وقد يأتي بفقرة من كتاب القوت.
منهج التعامل مع الآثار والنقولات التي ضاعت مصادرها عند العلماء
وهنا نبحث عن هذا القول أو هذه الحكمة الواردة عن السابقين، فيبحث عنها أمثال المرتضى الزبيدي، والمرتضى كان واسع الاطلاع وكان حافظًا شديد الحفظ، فلم يجدها إلا في القوت.
إذن فهؤلاء الناس العظماء حفظوا أشياءً قد ضاعت مصادرها، ولذلك جعلوها من باب الآثار والأخبار والنقولات، أي ليس من باب المصادر. ولذلك نتأملها، فإذا كانت حسنة المعنى وتؤدي إلى شيء مطلوب ومرغوب فإننا نأخذها ولا حرج.
وإذا لم تكن كذلك بأنها كانت محل اختلاف وخلاف فإنها ليست بحجة؛ لأنها واردة عن الحكماء أو عن الشعراء أو عن الأدباء أو عن أهل الزمان مثل الأمثال العامية وما إلى ذلك، فكل هذه الأشياء السابقة فيها حكمة الزمان لا تُرفض ولكنها ليست بحجة.
شرح مثل الجواد عينه فراره وكيف يُعرف الحصان الأصيل من نظرة عينه
أما عن قوله هنا «الفرار عين الجواد»، فالفرار هنا تعني أنه حتى نعلم مدى حسن هذا الجواد فإننا ننظر في عينه، والخبراء يعرفون ذلك جيدًا.
فتجده يقول لك: هذا حصان مخصص للكارو [العربة التي يجرها الخيول]، أي أنه يصلح لجر عربة الكارو، فبمجرد أن نظر في عين الحصان فوجده مسكينًا ومريضًا وهزيلًا ولا يقوى على عمل شيء.
لكن الجواد المخصص للسباق أو نحو ذلك فهذا جواد عينه مختلفة ونظرته مختلفة، فقد تغيَّر مسار واتجاه نظره.
عجائب وفاء الخيل لأصحابها وعزة نفسها وتفوقها على الكلب في الوفاء
وهناك أمور كثيرة وكبيرة وأشياء عجيبة وغريبة، منها أنه [الحصان] مثل الإنسان يدافع عن صاحبه، وأن الجواد أشد وفاءً حتى من الكلب الذي هو معروف بالوفاء الشديد لصاحبه ودفاعه عنه، وما إلى ذلك.
أما الحصان هذا فهو شيء آخر، فكأنه يفهمك، وقد يصل الأمر بصاحبه إلى أن يحدِّث الحصان ويكلمه. وهو أيضًا عزيز النفس، فلو كنت ستطعمه كل يوم سكرًا ثم أتيت بعد ذلك وأطعمته حشيشًا أو شيئًا آخر أو بعض الذرة، فسيغضب وربما لا يأكل؛ لأنه غاضب منك ويعتبر أنك تهينه بهذه الطريقة.
وإن فاز في السباق فأطعمته شيئًا جميلًا مثلًا، فإنه يفرح ويهز ذيله هكذا [ويشير الشيخ بيده] ويتحول إلى حالة ثانية. فسبحان الله!
حب المصريين للخيل وتعلق من ابتلي بحبها وذكريات التدريب على ركوبها
قال النبي ﷺ: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» [متفق عليه]
فهذه المعاني الجميلة باقية لم تذهب، وإنما التبست على الناس. وكان المصريون من الأغنياء يحبون الخيل، ومزارع الخيل ما زالت موجودة حتى الآن؛ لأن الإنسان الذي ابتُلي بحب الخيل لا يسلاها، أي ليس من الممكن أبدًا أن ينساها. والأمثال كثيرة في هذا الشأن.
وكان هناك أناس يعشقون كتب الخيل وما كُتب فيها من أنساب وأوضاع وما إلى ذلك.
حكمة العم إبراهيم في ركوب الخيل وأن كل معوج مآله إلى السقوط
وكنا عندما نتدرب على الخيل، فكان العم إبراهيم -وهو رجل عامي ربما كان لا يعرف القراءة والكتابة- يقول لنا: إذا ركبت الحصان فلْيستقم ظهرك هكذا [ويعتدل الشيخ في جلسته بمقدار زاوية تسعين درجة]، فإن كل معوج مآله إلى السقوط.
ما الذي جعل العم إبراهيم يعرف أن كل معوج مآله إلى السقوط؟ لقد سمعها من الرجل الذي كان يُدرِّبه أو الرجل الذي أخذ عنه ركوب الخيل أو ما شابه ذلك، ولكنها حكمة بالفعل.
تقول: إن الخيل إذا بدأت تتمايل عليها وأنت في بداية التدريب وتميل وتضطرب فإنك ستسقط وستقع. أما بعد ذلك فتستطيع أن تلعب عليه كيفما شئت حسب مهارتك، فهذا شأن يخصك، حتى لو علَّمت الحصان تقنية السيرك فالأمر أصبح سهلًا، فقد صرت أنت هو وهو أنت، أصبحت شيئًا واحدًا.
قصة أحمد باشا حمزة وكرمه وإنفاقه على أهل مكة والمدينة ووفائه لعماله
وكان ممن أدركناه من محبي الخيل أحمد باشا حمزة، وأحمد باشا حمزة في يوم من الأيام ضاقت به الحال بعد حركة التأميم التي قام بها [عبد الناصر].
فكان ينفق كثيرًا، وعندما يذهب للعمرة ينفق أربعة عشر ألف جنيه ذهبًا على أهل المدينة ومكة. فلما نفد ماله وصُودرت أرضه ومصانعه وأصبحت أحواله ضيقة، وكان عنده كثير من الناس يعملون لديه.
فقال له البعض: أحمد باشا، اصرفهم عن العمل وأخرجهم. فقال: لا أفعل ذلك حتى أصبح أنا وهم على حدٍّ سواء. والله، إن هذا الرجل يُعدُّ من كبار أولياء الله الصالحين الذين نقرأ عنهم هنا في جلستنا.
قصة بيع أحمد باشا حمزة لفرسه الأصيل وحزن الحصان من إهانته بجر الكارو
ففي يوم من الأيام اضطر أحمد باشا من أجل احتياجه للمال أن يبيع فرسًا. فلما باع الفرس باعه لإخوة لنا هنا في باب الشعرية، فأخذوه ثم ردوه عليه بعد يومين أو ثلاثة.
وقالوا له: هذا الفرس غريب جدًّا، إنه لا يأكل وسيموت. فقال أحمد باشا لهم: يا الله! ماذا فعلتم به؟ فقالوا له: لم نفعل شيئًا به والله. فقال أحمد باشا: مهلًا مهلًا، ماذا فعلتم به؟ اشرحوا لي ما حدث بهدوء.
قالوا: لا شيء، أخذناه ثم ربطناه بسيارة الكارو ليجرها. فقال لهم: أوضعتم سيارة الكارو على هذا؟! كيف وهذا خيل أصيل! فحزن الحصان جدًّا، فاسترده أحمد باشا ورد لهم أموالهم.
معنى الوفاء المفقود بين الناس وضياع القيم الأخلاقية في الجو العام المعاصر
هذا مثال يعطي معنى الوفاء ويوضحه، الوفاء الذي لم نعد نراه باقيًا. فالناس سُلِب منها الوفاء، وعندما دخل الفرس [تنهنه] باكيًا فأخذه [أحمد باشا] في حضنه.
إذا كان شخص مثل أحمد باشا يفعل هكذا مع الحيوان فما بالك بالإنسان! وكل هذه المعاني ذابت وضاعت واختفت، وأصبحنا لا نعرف إلا الكم والعدد والرقم.
ولذلك فما نحن فيه من جو عام هو جوٌّ مقيت وليس هو جو الخلق الكريم. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
