مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 85 | أ.د علي جمعة
- •الحلم وزير العلم والرفق أبوه والتواضع سرباله، ومن طلب الرئاسة بالعلم فهو مقيت في السماء والأرض.
- •أوحى الله لحكيم صنّف ثلاثمائة وستين كتاباً في الحكمة أنه ملأ الأرض نفاقاً، فتاب وتواضع ومشى بين الناس، فوافق رضا الله.
- •هناك من يعمل للشهرة والرياء، وهناك من يعمل لوجه الله، كعلماء خدموا العلم دون أن تُعرف تراجمهم.
- •علماء الدنيا المتصنعون المتشوقون للرئاسة أحق بالمقت من الشرطي الظالم.
- •أفضل الأعمال اجتناب المحارم ودوام ذكر الله، وخير الأصحاب من يعين على الذكر، وأعلم الناس أشدهم لله خشية.
- •أكثر الناس أماناً يوم القيامة أكثرهم فكراً في الدنيا، وأكثرهم ضحكاً في الآخرة أكثرهم بكاءً في الدنيا.
- •سكينة القلب تظهر على الجوارح من غير تكلف، فتظهر سمات الخير على الوجه والسلوك.
- •أبغض الخلق إلى الله من يتصدر للفتيا بلا علم صحيح، فيستحل الحرام بقضائه.
- •التعلق بالله سبب التوفيق والهداية والسلامة.
افتتاح الدرس من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وبدر التتمة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه، وجزاه عنا خير ما جازى عالمًا عن أمته. نعيش في كتاب العلم هذه اللحظات، تفضل.
[الشيخ محمد وسام]: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين، في كتابه إحياء علوم الدين:
أقوال الحسن البصري وبشر بن الحارث في الحلم والتواضع وطلب الرئاسة بالعلم
[الشيخ محمد وسام]: وقال الحسن [البصري]: الحلم وزير العلم، والرفق أبوه، والتواضع سرباله.
وقال بشر بن الحارث: من طلب الرئاسة بالعلم فتقرب إلى الله تعالى ببغضه؛ فإنه مقيت في السماء والأرض.
وقال بشر بن الحارث: من طلب الرئاسة بالعلم فتقرب إلى الله تعالى ببغضه؛ فإنه مقيت في السماء والأرض.
[الشيخ]: نعم، هذا سبب لهذا [أي أن طلب الرئاسة بالعلم سبب لبغض الله تعالى].
قصة الحكيم الذي ألف ثلاثمائة وستين كتابًا في الحكمة من الإسرائيليات
[الشيخ محمد وسام]: وروي في الإسرائيليات أن حكيمًا صنف ثلاثمائة وستين مصحفًا في الحكمة حتى وُصِف بالحكيم.
[الشيخ]: فالمصحف هنا هو الورقة، يعني ألّف ثلاثمائة وستين ورقة في الحكمة، أو المصحف هو الكتاب؛ لأنه من الصحف، فسمي حتى القرآن مصحفًا لأنه مكون من الصحف. ألف ثلاثمائة وستين كتابًا في الحكمة، علامة كبير جدًا، وبعد ذلك سُمي حكيمًا.
وحي الله إلى نبي بني إسرائيل بتوبيخ الحكيم المتصنع ثم قبول توبته
[الشيخ محمد وسام]: فأوحى الله تعالى إلى نبيهم:
«قل لفلان: ملأتَ الأرض نفاقًا ولم تُرِدني بشيء من ذلك، وإني لا أقبل من نفاقك شيئًا»
فندم الرجل وترك ذلك وخالط العامة ومشى في الأسواق وواكل مع بني إسرائيل وتواضع في نفسه.
فأوحى الله تعالى إلى نبيهم:
«قل له: الآن وافقتَ رضائي»
التفريق بين العمل لأجل الشهرة والرياء والعمل لوجه الله تعالى
[الشيخ]: إذن هناك من يعمل من أجل المجد والشهرة والرؤية، أي الرياء، يعني أنه يريد أن يُرى ويُعرف هكذا. وهناك من يعمل لوجه الله لا يريد منا جزاءً ولا شكورًا.
وكان كثير من علماء الأزهر الشريف كذلك، ولذلك نجد أشياء بارك الله فيها وأصحابها ليس لهم ترجمة ولا نعرف من هم. مثل البيقونية في علم الحديث، ستة وثلاثين بيتًا فقط، نحفظها فنصبح متقنين لعلم الحديث كله.
من هو الشيخ البيقوني؟ لا نعرف له ترجمة، ولا نعلم أين هو، ولا أين كان.
نماذج من العلماء المجهولين الذين ألفوا لوجه الله كالخزرجي صاحب الخلاصة
[الشيخ]: وكذلك العديد من المتون كهذه، فالأئمة أصحابها لا نعرف تراجمهم. وحتى الخلاصة للشيخ الخزرجي الأنصاري لا نعرف له ترجمة.
وأين نجد في البحوث هكذا كلمة أو عبارة أو سطرًا نعرف منه ترجمة الشيخ الخزرجي؟ من أين يحصلون عليها؟ من الكتاب، من الكتاب يقول: والخزرجي هو فلان الفلاني، سطرين هكذا، ولم نجد من هو هذا الخزرجي.
وهو أجود كتاب تقريبًا ضابط لأسماء رجال الكتب الستة، هو الخلاصة، هذا الذي نظموه، وإنشاؤه بديع ودقيق، ولكن لوجه الله، هو لا يريد منا جزاءً ولا شكورًا، إنما يفعل ذلك لوجه الله.
ذم التفاخر بالنفس وقصة الخطيب الذي تحدث عن نفسه طوال الخطبة
[الشيخ]: فقضية الكثرة والتفاخر، ومرة دعونا شخصًا يخطب في الأزهر، فبدأ يتحدث عن نفسه طوال الخطبة: أنا فعلت، وأنا صنعت، وأنا عملت، وأنا أنجزت.
والله، ما شأننا بما فعلت أو صنعت؟ بماذا تنصح المسلمين؟ بأنك فعلت وصنعت؟ فالأمر لله.
تعليق الإمام الغزالي على قصة الحكيم وتوبته من حب الرئاسة
[الشيخ]: وينبه الإمام الغزالي إلى أن: انظر إلى هذا الرجل، هو الحكيم، ألف ثلاثمائة وستين كتابًا كثير، حتى ألف ثلاثمائة وستين صفحة أيضًا، يعني في الحكمة فقط، في الأمور والعبارات الحكيمة، يعني التي هي الجامعة، حتى سُمي بين الناس أنه حكيم، وانبسط كثيرًا أنه حكيم.
فأوحى الله إلى نبيه أن قل له كذا وكذا، فتاب؛ لأنه أيضًا هو وهو يعمل بالعلم، كان هناك التفات [إلى حب الرئاسة].
قصة الشيخ الجنيد مع الحلاج وسرعة التوبة عند أهل العلم
[الشيخ]: كما ذكرنا مرةً أنه قال: لو أدركت الحلاّج الشيخُ الجنيد لأدركته بقشة، يعني هو قريب؛ لأنه متعلم.
فعلى الفور حين قال له ذلك، قال له: لا، دعك منه، أنا أفعل هذا لوجه الله فقط، لكن ماذا؟ قد التبس عليّ الأمر.
فيتوب قريبًا ويذهب ويتواضع ويمشي ويأكل ويشرب مع بني إسرائيل.
قول بلال بن سعد في ذم علماء الدنيا المتصنعين وأنهم أحق بالمقت من الشرطي
[الشيخ محمد وسام]: وحكى الأوزاعي رحمه الله عن بلال بن سعد أنه كان يقول: ينظر أحدكم إلى الشرطي فيستعيذ بالله منه، وينظر إلى علماء الدنيا المتصنعين للخلق المتشوقين إلى الرئاسة فلا يمقتهم، وهم أحق بالمقت من ذلك الشرطي.
شرح الشيخ لمقارنة بلال بن سعد بين أذى الشرطي وأذى علماء الدنيا
[الشيخ]: الشرطي كان في هذا العصر يظلم الناس في الطرقات؛ ولأنه مصدر قوة فإنه يقوم مقام الفتوة أو البلطجي فيوقع الأذى بالناس.
هكذا، خلاص يكون قد خرج منها [أي من الطريق]، فإذا رأى الشرطي قال له: هذا سيأتي ليأخذ مني أموالي الآن بالباطل هكذا.
وإذا رأى علماء الدنيا أقام لهم وهلل لهم وقدسهم وأعلى من شأنهم. يقول لك: حسنًا، هو هذا، كيف أن هذا يعتدي عليك فقط في الظاهر وهذا يعتدي عليك فقط في الدين؟
حديث أفضل الأعمال وخير الأصحاب وشرهم وأعلم الناس
[الشيخ محمد وسام]: وروي أنه قيل:
يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟
قال ﷺ: «اجتناب المحارم، ولا يزال فمك رطبًا من ذكر الله تعالى»
قيل: فأي الأصحاب خير؟
قال ﷺ: «صاحب إن ذكرتَ أعانك، وإن نسيتَ ذكّرك»
قيل: فأي الأصحاب شر؟
قال ﷺ: «صاحب إن نسيتَ لم يذكرك، وإن ذكرتَ لم يُعِنك»
قيل: فأي الناس أعلم؟
قال ﷺ: «أشدهم لله خشية»
خيار الناس الذين إذا رُؤوا ذُكر الله وشر الناس العلماء إذا فسدوا
[الشيخ محمد وسام]: قالوا: فأخبرنا بخيارنا نجالسهم.
قال ﷺ: «الذين إذا رُؤوا ذُكِر الله تعالى»
قالوا: فأي الناس شر؟
قال ﷺ: «اللهم غفرًا، اللهم غفرًا»
قالوا: أخبرنا يا رسول الله.
قال ﷺ: «العلماء إذا فسدوا»
قال [الإمام الغزالي]: رواه صاحب القوت. قال: وقد روينا حديثًا حسنًا مقطوعًا عن سفيان عن مالك بن مغول، قال وذكره.
شرح معنى الحديث المقطوع وبيان سقوط الصحابي والتابعي من السند
[الشيخ]: مقطوع يعني سقط منه الصحابي، وسقط منه أيضًا التابعين، فهو من تابعي التابعين، لكن يقول: قال رسول الله، يعني بلّغه مَنْ في الأخبار وكذا مَنْ غير سند متصل.
حديث أكثر الناس أمانًا يوم القيامة أكثرهم فكرًا في الدنيا
[الشيخ]: وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
«إن أكثر الناس أمانًا يوم القيامة أكثرهم فكرًا في الدنيا، وأكثر الناس ضحكًا في الآخرة أكثرهم بكاءً في الدنيا، وأشد الناس فرحًا في الآخرة أطولهم حزنًا في الدنيا» رواه أبو نعيم في الحلية
آثار السكينة والتدبر على المؤمن والفرق بين الخشوع الحقيقي والتصنع
[الشيخ]: إذن فهذا يؤدي إلى أنه يشرح الظاهر الذي يخرج عندما توجد السكينة والتأمل والتدبر والخوف في قلب المؤمن؛ فإنه يحدث أن تسكن جوارحه وتظهر عليه سمات الخير ويظهر في وجهه النور.
وأمثال هذه الآثار إنما هي آثار لا تُطلب، بعض الناس يمثلها فيكون منافقًا، يعني يتصرف هكذا أنه خاشعٌ، قال يعني هو يمثّل.
لكن هيئته من غير تكلّف، هي ظاهرة عليه أنه من غير تكلّف ولا وضع في ذهنه، فهذا كله من الآثار التي تظهر وليس من الأمور التي تُطلب.
فراسة سيدنا عمر في كشف المتخاشعين المتصنعين وضربهم
[الشيخ]: ولذلك كان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] صاحب فراسة وصاحب نظرة، فإذا رأى هذا الذي يتماوت ويتخاشع وما إلى ذلك، كأنه يُمَثِّل، كأنه يُنافق، كأنه يُظهر ما ليس في داخله، يضربه بالضر ويقول له: أمتَّ علينا دينُنا، أماتك الله!
سمت الصالحين وعلامات نزول السكينة في قلب المؤمن الصادق
[الشيخ]: إنما عندما تنزل السكينة في قلب المؤمن، تراها أنه في شيءٍ من الحزن، في شيءٍ من الفِكر، في شيءٍ من السكينة، في شيءٍ من الرهبة، في شيءٍ من الخوف.
وجهُه منير بحيث أنه يتعامل بلا إكثار للكلام والحركات الحادة وهكذا. ولذلك يسمونه سمت الصالحين، شكله هكذا صالح.
وأول ما تراه يذكرك بالله، تقول: ما شاء الله، انظر هذا الرجل جميل هكذا. أنت الذي تقول من غير تكلف، من غير تمثيل؛ لأن الأمر هنا ليس هو مقام التمثيل.
خطبة سيدنا علي في ذم من يطلب العلم للرئاسة ويفتي بغير علم
[الشيخ محمد وسام]: وقال علي رضي الله عنه في خطبته: ذمتي رهينة وأنا به زعيم، أنه لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل.
وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل جمع علمًا أغار به في ظلمات الفتنة، سماه أشباه له من الناس وأرذالهم عالِمًا، ولم يعنِ في العلم يومًا سالمًا.
بكّر فاستكثر، فما قلّ منه خيرٌ مما كثر، حتى إذا ارتوى من ماءٍ آجن وأكثر من غير طائل، جلس للناس مفتيًا لتوضيح ما التبس على غيره.
تتمة خطبة سيدنا علي في وصف المفتي الجاهل وعاقبته
[الشيخ محمد وسام]: فإن نزلت به إحدى المسائل المهمة، هيّأ حشوًا من رأيه، فهو من قطع الشبهات كمن ينسج خيوطًا واهية العنكبوت، لا يدري أخطأ أم أصاب.
ركّاب جهالات، خبّاط عشوات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم.
تبكي منه الدماء وتُستحل بقضائه الفروج الحرام. لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما فُوِّض إليه. أولئك الذين حلّت عليهم المثلات وحقت عليهم النياحة والبكاء أيام حياة الدنيا.
التحذير من علماء الدنيا وأهمية تعلق القلب بالله للتوفيق والهداية
[الشيخ]: فهذا حال أهل الدنيا وعلماء الدنيا، وهو يحذرنا منهم تحذيرًا شديدًا. أولًا ألا نكون منهم، بأن نعلق قلوبنا بالله سبحانه وتعالى.
وعندما يتعلق قلبك بالله فإنه يوفقك، والتوفيق هو الهداية للطاعة. والله سبحانه وتعالى في الحقيقة هو الذي يستر على عبده في الدنيا ويوفقه، وهو الذي أيضًا يسلب عنه الستر في الدنيا والعياذ بالله أو يضله.
فالأمر كله بيد الله، والمخلص والمنجى من هذا هو التعلق بالله؛ فإذا تعلقت بالله وفقك الله، وإذا لم تتعلق بالله تركك ونفسك.
خطورة التجرؤ على أحكام الله وسفك الدماء بسبب الهوى والشهوة
[الشيخ]: وحينئذٍ سنرى أمثال هذا وهو في خبط عشواء، ويتكلم عن أنه لا يحرر مسألة الدماء ولا مسألة الأموال ولا مسألة الأعراض ولا مسألة مقاصد الشريعة التي حفظتها على الناس.
وكثيرٌ في هذا العصر خاض في الدماء حتى تعلقت يده بالدماء. كل هذا الدم السائل إنما أتى من التجرؤ على أحكام الله سبحانه وتعالى المسطورة التي يعلمها، وإنما هو الهوى والشهوة.
وشهوة قليلة يغيب فيها الإنسان عن نفسه وعن ربه فيقع في المحظور والعياذ بالله تعالى.
الدعاء بالنجاة من فتن الدنيا وتعليق القلوب بالله والختام
[الشيخ]: نجانا الله سبحانه وتعالى من هذه الدنيا على خير، وعلّق قلوبنا به سبحانه وتعالى بالليل والنهار، حتى نخرج منها سالمين غانمين غير خزايا ولا مفتونين.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
