مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 86 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 86 | أ.د علي جمعة

17 دقيقة
  • الإمام الغزالي يناقش في كتابه "إحياء علوم الدين" صفات علماء الآخرة وأخلاقهم التي يتحلون بها.
  • علماء الآخرة يتعلمون القرآن للعمل لا للرئاسة، فيتدبرونه ويستنبطون منه العلم النافع.
  • ذكر خمس صفات لعلماء الآخرة مستنبطة من القرآن: الخشية، والخشوع، والتواضع، وحسن الخلق، والزهد.
  • الصحابة كانوا يؤتون الإيمان قبل القرآن، على عكس من جاء بعدهم ممن يقيمون حروفه ويضيعون حدوده.
  • علماء الآخرة يهتمون بمعرفة عيوب النفس ووساوسها وما يفسد الأعمال، بينما علماء الدنيا ينشغلون بغرائب المسائل.
  • كان الحسن البصري وحذيفة بن اليمان ممن اهتموا بمعرفة آفات القلوب ودقائق النفاق.
  • طريق معرفة صفات القلب وتطهيره من الأخلاق المذمومة صعب، ولكنه السبيل لمعرفة الحق.
  • الحق مر والوقوف عليه شديد، وطريقه وعر، لذلك يقل السالكون فيه.
محتويات الفيديو(20 أقسام)

مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين لإمام الأئمة وبدر التتمة سيدنا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، نعيش هذه اللحظات ومازلنا في كتاب العلم الذي صدَّر به كتابه.

[القارئ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين، في كتابه إحياء علوم الدين:

أثر علي بن أبي طالب وأقوال السلف في آداب طلب العلم

وقال علي [بن أبي طالب] رضي الله عنه أيضًا:

«إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه، ولا تخلطوه بهزلٍ فتمجَّه القلوب»

وقال بعض السلف: العالم إذا ضحك ضحكةً مجَّ من العلم مجَّة.

وقيل: إذا جمع المعلم ثلاثًا تمت النعمة به على المتعلم:

  1. الصبر
  2. والتواضع
  3. وحسن الخلق

وإذا جمع المتعلم ثلاثًا تمت النعمة به على المعلم:

  1. العقل
  2. والأدب
  3. وحسن الفهم

أخلاق علماء الآخرة المستنبطة من القرآن وأثر ابن عمر في تعلم القرآن بالإيمان

وعلى الجملة فالأخلاق التي ورد بها القرآن لا ينفك عنها علماء الآخرة؛ لأنهم يتعلمون القرآن للعمل لا للرئاسة.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما:

«لقد عشنا برهةً من الدهر وإن أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها، ولقد رأيت رجالًا يُؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره وما زاجره وما ينبغي أن يقف عنده، ينثره نثر الدَّقَل»

حديث الصحابة في التحذير ممن يقرأ القرآن دون إيمان وعمل

وفي خبر آخر بمعناه:

«كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أُوتينا الإيمان قبل القرآن، وسيأتي بعدكم قوم يُؤتون القرآن قبل الإيمان، يقيمون حروفه ويضيعون حدوده، يقولون: قرأنا فمن أقرأ منا، وعلمنا فمن أعلم منا، فذلك حظهم»

وفي لفظ آخر: أولئك شرار هذه الأمة.

خمس أخلاق من علامات علماء الآخرة مستنبطة من خمس آيات قرآنية

وقيل: خمس من الأخلاق هي من علامات علماء الآخرة، مفهومة من خمس آيات من كتاب الله عز وجل:

  • الخشية
  • والخشوع
  • والتواضع
  • وحسن الخلق
  • وإيثار الآخرة على الدنيا وهو الزهد

أما الخشية فمن قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

وأما الخشوع فمن قوله تعالى:

﴿خَـٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 199]

وأما التواضع فمن قوله تعالى:

﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]

وأما حسن الخلق فمن قوله تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]

وأما الزهد فمن قوله تعالى:

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ [القصص: 80]

حديث انشراح الصدر للإسلام وعلاماته من التجافي عن دار الغرور

ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى:

﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَـٰمِ﴾ [الأنعام: 125]

فقيل له: ما هذا الشرح؟ فقال [صلى الله عليه وآله وسلم]:

«إن النور إذا قُذف في القلب انشرح له الصدر وانفسح»

قيل: فهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله»

رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب.

تعليق الشيخ على منهج السلف في استنباط أركان المسائل من القرآن

[الشيخ]: فهذا كان حالهم أنهم يتأملون القرآن ويتدبرونه، ثم يستنبطون منه أركان المسألة التي يبحثونها، كما استنبط هذا المُخَمَّس [الذي ذُكر آنفًا] من الخشوع والخشية والزهد والتواضع والتدبر إلى آخر ما يقرأ القرآن ثم يأخذ منه هذه العناصر.

باعتبار أن القرآن كان أحد المصدرين [للمعرفة]: إما أن يأتي [العلم] من الواقع والكون، وإما أن يأتي من الوحي.

من صفات علماء الآخرة البحث عن آفات الأعمال ومفسدات القلوب

[القارئ]: ومنها أن يكون أكثر بحثه عن علم الأعمال وعما يفسدها ويشوش القلوب ويهيج الوسواس ويثير الشر؛ فإن أصل الدين التوقي من الشر.

ولذلك قيل:

«عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ، لكن لتوقِّيه، ومن لا يعرف الشرَّ من الخير، ومن لا يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه»

ولأن الأعمال الفعلية قريبة، وأقصاها بل أعلاها المواظبة على ذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وإنما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تفريعه. وكل ذلك مما يغلب الحاجة الماسة إليه وتعم به البلوى في سلوك طريق الآخرة.

تعليق الشيخ على قول عمر في معرفة الشر لتوقيه وأهمية العلم بالشيء

[الشيخ]: ومنه قول عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]: لست بالخِبِّ ولكن الخِبَّ لا يخدعني. يعني لست خبيثًا ماكرًا، إنما كانت عنده قوة وشفافية، ولكن هذا الخبيث الماكر لا يستطيع أن يخدعه؛ لأنه واعٍ بالشر حتى يجتنبه وحتى لا يقع فيه.

ومنه قولهم: تعلَّم السحر ولا تعمل به، فالعلم بالشيء خير من الجهل به. فالاطلاع على الشر إنما يكون من أجل توقِّيه ومن أجل عدم الوقوع فيه.

صفات علماء الدنيا الذين يتبعون غرائب التفريعات ويتركون ما يلازمهم

[القارئ]: وأما علماء الدنيا فإنهم يتبعون غرائب التفريعات في الحكومات والأقضية، ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع أبدًا، وإن وقعت فإنما تقع لغيرهم لا لهم، وإذا وقعت كان في الخائضين بها كثرة.

ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل وأطراف النهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم. وما أبعد عن السعادة من باع مهمَّ نفسه اللازمة بمهمِّ غيره النادر، إيثارًا للقبول والتقرب من الخلق على القرب من الله تعالى، وشرهًا في أن يسميه البطّالون من أبناء الدنيا فاضلًا محققًا عالمًا بالدقائق.

وجزاؤه من الله ألا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق، بل يتكدر عليه صفوه بنوائب الزمان، ثم يَرِدُ القيامة مفلسًا متحسرًا على ما يشاهده من ربح العاملين وفوز المقربين، وذلك هو الخسران المبين.

تعليق الشيخ على بقاء الباقيات الصالحات ورؤيا الجنيد بعد وفاته

[الشيخ]: ولذلك سمَّوا الذكرى بـالباقيات الصالحات. وكان الجنيد [البغدادي رحمه الله] عندما انتقل [إلى الله] رُئي [في رؤيا]، فقيل له: ماذا فعل علمك؟ قال:

«ذهبت العبارات وطاشت الإشارات، وبقيت ركيعات كنا نصليها في الليل»

يعني كل هذه القضية [من العلوم والعبارات] ذهبت ولم يتبقَّ إلا ذكر الله وعبادة الله.

الحسن البصري أشبه الناس كلامًا بكلام الأنبياء واهتمامه بخواطر القلوب

[القارئ]: ولقد كان الحسن البصري رحمه الله أشبه الناس كلامًا بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأقربهم هديًا من الصحابة رضي الله عنهم، اتفقت الكلمة في حقه على ذلك.

وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب وفساد الأعمال ووساوس النفوس والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس.

سند علم الحسن البصري من حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله

وقد قيل له [للحسن البصري]: يا أبا سعيد، إنك تتكلم بكلام لا يُسمع من غيرك، فمن أين أخذته؟ قال: من حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يُسمع من غيرك من الصحابة، فمن أين أخذته؟ قال:

«خصَّني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان الناس يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني»

وقال مرةً: فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير.

حذيفة يسأل النبي عن آفات الأعمال فيخصه بعلم الفتن

وفي لفظ آخر:

«كان الناس يقولون: يا رسول الله، ما لمن عمل كذا وكذا؟ يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله، ما يفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأله عن آفات الأعمال خصَّني بهذا العلم»

حذيفة صاحب سر رسول الله وعمر يسأله عن الفتن ومقتله

[الشيخ]: وكان [حذيفة بن اليمان رضي الله عنه] موضع سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه أخبره بالفتن ما سيكون منها إلى يوم الدين.

وكان عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] يسأله عن حاله؛ لأنه يعلم أن معه سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان يقول له: بينك وبين الفتنة باب. وكان عمر يسأله: أيُكسر أم يُفتح؟ فقال: بل يُكسر.

فعلم عمر أنه مقتول؛ لأن فتح الباب معناه الوفاة، أما كسر الباب فمعناه القتل.

شفافية قلوب الصحابة في سماع القرآن بالإيمان وضرورة دخول القرآن بأصل الإيمان

هكذا كانت قلوبهم شفافة منيرة، يسبق الإيمان سماعهم للقرآن، فكانوا عندما يسمعون القرآن يسمعونه بقلوب مؤمنة.

ولكن بعد ذلك أصبح الناس يقرؤون القرآن والإيمان في غيبة أو في غفوة، فلا يتعلمون منه شيئًا، بل يحفظون رسمه ويتلون لفظه ولا يعرفون معناه.

الصحيح أن الإنسان لا بد عليه أن يدخل قراءة القرآن بأصل الإيمان، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الله فعّال لما يريد.

تخصيص حذيفة بعلم المنافقين وسؤال عمر وعثمان له عن الفتن

[القارئ]: وكان حذيفة رضي الله عنه أيضًا قد خُصَّ بعلم المنافقين وأُفرد بمعرفة علم النفاق وأسبابه ودقائق الفتن. فكان عمر وعثمان وأكابر الصحابة رضي الله عنهم يسألونه عن الفتن العامة والخاصة.

وكان يُسأل عن المنافقين فيخبر بأعداد من بقي منهم ولا يخبر بأساميهم. وكان عمر رضي الله عنه يسأله عن نفسه: هل يعلم به شيئًا من النفاق؟ فبرَّأه من ذلك.

وكان عمر رضي الله عنه إذا دُعي إلى جنازة ليصلي عليها نظر، فإن حضر حذيفة صلى عليها وإلا ترك. وكان يُسمَّى صاحب السر.

العناية بمقامات القلب دأب علماء الآخرة وغربة هذا العلم بين الناس

فالعناية بـمقامات القلب وأحواله هو دأب علماء الآخرة؛ لأن القلب هو الساعي إلى قرب الله تعالى. وقد صار هذا الفن غريبًا مندرسًا، وإذا تعرض العالم لشيء منه استُغرب واستُبعد وقيل: هذا تزويق المذكِّرين، فأين التحقيق؟! ويرون التحقيق في دقائق المجادلات.

ولقد صدق من قال: الطرق شتى وطرق الحق مفردة، والسالكون طريق الحق أفراد لا يُعرفون ولا تُدرى مقاصدهم، فهم على مهلٍ يمشون قصاد، والناس في غفلة عما يُراد بهم، فجلُّهم عن سبيل الحق رقاد.

صعوبة طريق الحق وتطهير القلب من الأخلاق المذمومة وتشبيهه بشارب الدواء

وعلى الجملة، فلا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم؛ فإن الحق مرٌّ والوقوف عليه صعب وإدراكه شديد وطريقه مستوعر، ولا سيما معرفة صفات القلب وتطهيره عن الأخلاق المذمومة؛ فإن ذلك نزعٌ للروح على الدوام.

وصاحبه يُنزَل منزلة شارب الدواء يصبر على مرارته رجاء الشفاء، ويُنزَل منزلة من جعل مدة العمر صومه فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت. ومتى تكثر الرغبة في مثل هذا الطريق؟!

دعاء الشيخ بالسلامة من الدنيا وتعليق القلوب بالله والختام

[الشيخ]: ونسأل الله سبحانه وتعالى السلامة من الدنيا، أن يعلِّق قلوبنا به حتى نلقاه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.