مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 88 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين

مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 88 | أ.د علي جمعة

16 دقيقة
  • يشير الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" إلى أهمية التمسك بمنهج الصحابة وتتبع سيرتهم وأحوالهم.
  • بدأ التصنيف في الإسلام بكتاب ابن جريج في الآثار والتفاسير، ثم تبعه كتب في السنن والفقه.
  • في القرن الرابع الهجري كثرت مصنفات علم الكلام والجدل، وابتعد الناس عن علم القلوب وحقائق الدين.
  • أصبح من يعرف الفرق بين العلم والكلام قليلاً، فالعلم الحقيقي يتعلق بالآخرة وفهم أحوال النفس.
  • ينبغي للمسلم البحث عن سيرة الصحابة والتفتيش عن أحوالهم وما كان اهتمامهم به من الخوف والتفكر ومراقبة النفس.
  • يجب التفريق بين عالم الأشياء وعالم الأفعال والمقامات القلبية، فالمطلوب اتباع الصحابة في الأفعال والأحوال لا في الأشياء.
  • التطور المادي كالكهرباء والميكروفون وطرق العلاج مقبول، بينما المطلوب اتباع السلف في بناء القلب والنفس.
  • محدثات الأمور المذمومة هي المتعلقة بالدين وليست المستجدات المادية.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب إحياء علوم الدين وفي كتاب العلم، ننهل من علم الإمام الغزالي ورؤيته الثاقبة وتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، وهو يعلم الأمة من بعده كيف يحيون أمور الدين في قلوبهم.

إنكار أحمد بن حنبل على مالك في تصنيف الموطأ وأوائل التصنيف في الإسلام

قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين، في كتابه إحياء علوم الدين:

وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك في تصنيفه الموطأ ويقول: ابتدع ما لم تفعله الصحابة رضي الله عنهم.

وقيل أول كتاب صُنِّف في الإسلام هو كتاب ابن جُرَيج في الآثار وحروف التفاسير عن مجاهد وعطاء وأصحاب ابن عباس رضي الله عنهم بمكة، ثم كتاب مَعْمَر بن راشد الصنعاني باليمن، جمع فيه سُننًا منثورة مبوبة، ثم كتاب الموطأ بالمدينة لمالك بن أنس، ثم جامع سفيان الثوري.

ظهور مصنفات الكلام والجدال واندراس علم اليقين في القرن الرابع

ثم في القرن الرابع حدثت مصنفات الكلام وكثر الخوض في الجدال والغوص في إبطال المقالات، ثم مال الناس إليه [أي إلى علم الكلام] وإلى القصص والوعظ بها.

فأخذ علم اليقين في الاندراس من ذلك الزمان، فصار بعد ذلك يُستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان.

وأعرض عن ذلك [أي عن علم القلوب] إلا الأقلون، فصار يُسمى المجادل المتكلم عالمًا، والقاص المزخرف كلامه بالعبارات المسجعة عالمًا. وهذا لأن العوام هم المستمعون إليهم، فكان لا يتميز لهم حقيقة العلم عن غيره.

غياب سيرة الصحابة عن الناس واستمرار لقب العلماء على غير أهله

ولم تكن سيرة الصحابة رضي الله عنهم وعلومهم ظاهرة عندهم [أي عند العوام] حتى كانوا يعرفون بها مباينة هؤلاء [المتكلمين والقصاص] لهم، فاستمر عليهم اسم العلماء وتوارث اللقب خلف عن سلف.

وأصبح علم الآخرة مطويًا، وغاب عنهم الفرق بين العلم والكلام إلا عن الخواص منهم. كان إذا قيل لهم: فلان أعلم أم فلان؟ يقال: فلان أكثر علمًا وفلان أكثر كلامًا. فكان الخواص يدركون الفرق بين العلم وبين القدرة على الكلام.

ضعف الدين في القرون السالفة واستهداف من ينكر المنكر بالجنون

هكذا ضَعُفَ الدين في قرون سالفة، فكيف الظن بزمانك هذا؟ وقد انتهى الأمر إلى أن مُظهر الإنكار يستهدف للنسبة إلى الجنون، فالأولى أن يشتغل الإنسان بنفسه ويسكت.

[الشيخ]: في بعض الأحوال، ييأس العالِم من أن يصل كلامه إلى الناس بسبب كثرة الهرج والفتنة، وكثرة اقتناع الناس بالضلالات، وكثرة الكلام حتى قالوا في الحكمة العامية: "الزن على الودان أقوى من السحر"، أي أن الاستمرار بالإلحاح على أذنيك يؤثر كتأثير السحر. وقالوا: "اكذب ولا تزال كاذبًا حتى يصدقك الناس" من كثرة الكذب.

حال ولي الله حين لا يُسمع كلامه وحديث النهي عن كون المرء إمعة

فهذا حال عندما يتكلم وليُّ الله لا يُسمَع ولا يُفهَم ولا يصل كلامه لا إلى الآذان ولا إلى القلوب ولا إلى العقول، فحينئذٍ يُفضِّل السكوت.

قال النبي ﷺ: «لا يكون أحدكم إمَّعةً يقول أنا مع الناس: إن أحسن الناس أحسنتُ، وإن أساؤوا أسأتُ، وطِّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسِنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا»

أي لا تظلموا أنفسكم ولا غيركم، ولذلك فالإنسان يظل على ما هو عليه مما فتح الله به عليه.

وجوب التوقي من محدثات الأمور والتفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم

[الشيخ محمد وسام]: ومنها أن يكون شديد التوقي من محدثات الأمور وإن اتفق عليها الجمهور، فلا يغرنه إطباق الخلق على ما أُحدِث بعد الصحابة رضي الله عنهم.

وليكن حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وسيرتهم وأعمالهم وما كان فيه أكثر همهم: أكان في التدريس والتصنيف والمناظرة والقضاء والولاية وتولي الأوقاف والوصايا ومال الأيتام ومخالطة السلاطين ومجاملتهم في العِشرة، أم كان في الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة الباطن والظاهر واجتناب دقيق الإثم وجليله والحرص على إدراك خفايا شهوات النفس ومكائد الشيطان إلى غير ذلك من علوم الباطن.

أعلم أهل الزمان أشبههم بالصحابة وقول علي رضي الله عنه في اتباع الدين

واعلم تحقيقًا أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق السلف، فمنهم أُخذ الدين.

ولذلك قال علي رضي الله عنه: "خيرنا أتبعنا لهذا الدين" لما أن قيل له: خالفت فلانًا. فلا ينبغي أن يكترث بمخالفة أهل العصر في موافقة أهل عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فإن الناس رأوا رأيًا فيما هم فيه لميل طباعهم إليه، ولم تسمح نفوسهم بالاعتراف بأن ذلك سبب الحرمان من الجنة، وادعوا أنه لا سبيل إلى الجنة سواه.

قول الحسن البصري في المحدثين في الإسلام صاحب الرأي السوء والمترف

ولذلك قال الحسن [البصري]: محدثان محدثا في الإسلام: رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب ولها يرضى وإياها يطلب، فارفضوهما إلى النار.

إن رجلًا أصبح في هذه الدنيا بين مترف يدعوه إلى دنياه وصاحب هوى يدعوه إلى هواه، قد عصمه الله تعالى منهما، يحن إلى السلف الصالح، يسأل عن أفعالهم ويقتص آثارهم، متعرض لأجر عظيم، فكذلك كونوا.

التفريق بين عالم الأشياء وعالم الأفعال في اتباع السلف الصالح

[الشيخ]: هذا في باب الأفعال والمقامات والأحوال والأفكار، أنه يتتبع ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم من الأئمة المتبوعين المنورين، وليس في عالم الأشياء؛ فالأشياء تتطور.

فكان الصحابة مثلًا لا يفرشون مساجدهم بالسجاد، لكن كانوا يدخلون بالنعال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر حتى بالصلاة في النعال ويصلي في نعاله. فلما فُرشت المساجد وطُلبت نظافتها، فإن المسلمين رأوا أن يتخلوا عن النعال فتخلوا عنها وخلعوها؛ لأن الوطء على السجاد بالنعال كان من سيَم ومن سمات المجوس، فإننا قد نُهينا عن مشابهة المجوس، وأن نستقل في آدابنا ولياقتنا ولباقتنا بحالنا.

فرش المساجد طلباً للنظافة وترك سنة الصلاة بالنعال وتطور المنبر والمحراب

فإنه فُرشت المساجد طلبًا للنظافة، وفي الترمذي:

«إن الله نظيفٌ يحب النظافة»

وفي نفس الوقت تُرِكَتْ سنة الصلاة بالنعال. وهكذا عالم الأشياء: لم يكن هناك هذا المنبر، ولما كان منبر الخطابة منبرًا طويلًا من أجل مساحة المسجد التي اتسعت حتى تشمل زيادة عدد المسلمين، وكان منبر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات.

ولكن إذا وقفت على ثلاث درجات لا يصل صوتك إلى آخر المسجد، فلا يسمع الناس الموعظة ولا الدرس ولا الخطبة ولا شيئًا من هذا، ولذلك أطالوا في المنبر حتى يصل الصوت إلى منتهى المسجد الذي اتسع باتساع رقعة الإسلام وبكثرة المسلمين.

وكذلك حتى يستقيم الصف أوجدوا تجويفًا في الحائط والمحراب، وذلك حتى لا يضيع صف في العدد بعد كثرة الناس وبعد ازدحامهم. فهذا لم يكن على عهد رسول الله، ولكنها كلها من باب الأشياء: أشياء كالإسفلت والسيارة وفرشاة الأسنان وهكذا، أشياء لم تكن موجودة فوجدت، فلما وجدت ضُبطت بالضابط الشرعي.

المقصود باتباع الصحابة هو أفعال القلوب والأحوال لا عالم الأشياء المتطور

إنما الذي يعنيه الإمام [الغزالي] هو الأفعال سواء كانت أفعال الأبدان أو أفعال القلوب، أي الأحوال هي المقامات مع الله سبحانه وتعالى.

فبعض الناس يريد أن نعود إلى عالم الأشياء، وهذا خطأ لا يقره علماء المسلمين؛ فإن كل عصر له ما خلقه الله سبحانه وتعالى له من اتصالات ومواصلات وتقنيات وما إلى ذلك. لم يكن عند الصحابة الكهرباء، ولم يكن عند الصحابة الميكروفون.

فلما دخل الميكروفون اعترض أهل مكة وقالوا: هذا لم يكن على عهد رسول الله، من أين أتاهم هذا؟ أتاهم من الخلط بين عالم الأشياء وعالم الأفعال والأحوال والمقامات.

ما أُمرنا بمتابعة الصحابة فيه هو بناء القلب والعقل والنفس لا الأشياء المادية

فالذي أُمِرنا أن نتابع الصحابة فيه إنما هو هذا الشيء الذي يبني الإنسان: هذا القلب، هذا العقل، هذه النفس، وليس ما منَّ الله به علينا من تطور الأشياء من حولنا؛ فإن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، ولا يكون في كونه إلا ما أراد، وهو سبحانه وتعالى أصل هذه الأشياء.

العلاج لم يكن الآن كالعلاج الذي كان في عهد الصحابة إطلاقًا، فإن هذا النظام العلاجي الجديد لا أحد يقول إننا لن ندخل فيه لأنه ليس من الصحابة، إلا إذا كان جاهلًا؛ لأنه خلط بين عالم الأشياء وبين عالم الأفعال.

أثر ابن مسعود في أن أحسن الكلام كلام الله وأحسن الهدي هدي رسول الله

[الشيخ محمد وسام]: وقد رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفًا ومسندًا أنه قال:

«إنما هما اثنان: الكلام والهدي، فأحسن الكلام كلام الله تعالى، وأحسن الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألا وإياكم ومحدثات الأمور فإن شر الأمور محدثاتها، إن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا كل ما هو آتٍ قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآتٍ»

تفسير ابن مسعود للمحدثات بقوله ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن

[الشيخ]: وهذا ابن مسعود الذي يروي الحديث يفسره بقوله رضي الله تعالى عنه: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن"، وذلك حتى يحدد للناس معنى هذا الكلام [أي معنى المحدثات والبدع].

خطبة رسول الله في فضل من شغله عيبه عن عيوب الناس ومعنى طوبى

[الشيخ محمد وسام]: وفي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، وخالط أهل الفقه والحكمة، وجانب أهل الزلل والمعصية. طوبى لمن ذل في نفسه وحسنت خليقته وصلحت سريرته وعزل عن الناس شره. طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السنة ولم يعدها إلى بدعة»

وطوبى هي شجرة على مسيرة مائة عام، فيها الظلال وفيها النسيم وفيها الراحة، فصارت كناية على كل هذا: أنها مكان الراحة والسعادة والاطمئنان وعدم الفزع وعدم النكد والكدر، وعدم الزيادة في الحرارة أو النقصان في درجاتها وهكذا.

فطوبى أصبحت وهي الشجرة التي في الجنة التي هي على مسيرة مائة عام، أصبحت عنوانًا وكناية عن الراحة والسعادة.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.