مجلس الجمعة | 12 - 04 - 2019 | مسجد فاضل | أ.د علي جمعة
- •خلق الله الجن والإنس للعبادة، واختار النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون الإنسان الكامل والعابد الأول وسيد المسلمين.
- •جعله الله أسوة للخلق ومثالاً يُحتذى وممثلاً لغرض الكون في العبادة، وفرض عليه قيام الليل.
- •اقتران اسم النبي باسم الله على قوائم العرش يدل على مكانته، وكلمة التوحيد والشهادة بالرسالة هما ركنا الإسلام.
- •ورد في الحديث: "لولا محمد ما خلقتك" لأن الله علم أن إنساناً على صورة النبي سيمتثل لكل أمر ونهي.
- •للنبي ظل في حال وليس له ظل في حال آخر، وهذه من الأحوال المتغيرة.
- •معنى "محلي حيث حبستني" هو شرط يقوله المحرم ليتحلل من إحرامه إذا منعه مانع من إتمام نسكه.
- •أجاز الحنفية العقود الفاسدة المالية مع غير المسلمين في بلادهم، ولا يشمل ذلك الدعارة أو شرب الخمر.
- •مهر الزوجة المؤجل يُقدر بقيمته بالذهب عند اختلاف قيمة العملة مع مرور الزمن.
افتتاح المجلس بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
نعيش هذه الدقائق عسى أن يحتسب الله هذا المجلس عنده يوم القيامة من مجالس العلم التي تحفها الملائكة، وتتنزل فيها الرحمة، وتغشانا السكينة، ويذكرنا الله سبحانه وتعالى فيمن عنده، ويجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، وينفعنا بما تركه لنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هداية للعالمين إلى يوم الدين.
ونسأله سبحانه أن يؤتي النبي المصطفى والحبيب المجتبى الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وأن يعلي مقامه في النبيين على ما يقتضيه قربه منه ومكانته لديه، ويرزقه الفردوس الأعلى، وأن يجازيه عنا خير ما جازى نبيًا عن أمته ورسولًا عن قومه، آمين. وصلى اللهم يا ربنا على رسولنا الأمين الكريم.
هل خلق الله الكون لأجل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
يسأل سائل: هل ربنا خلق الكون لأجل سيدنا محمد؟
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فبيّن [الله سبحانه وتعالى] أن هدف الكون إنما هو للعبادة، لكنه سبحانه وتعالى ارتضى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ليكون الإنسان الكامل وأن يكون العابد الأول، فهو أول المسلمين وهو سيد العابدين.
﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]
ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم أول العابدين وأول المسلمين والإنسان الكامل الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى أسوة للخلق.
النبي صلى الله عليه وسلم مثال يُحتذى في العبادة وقيام الليل
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
ومن هنا جعله سبحانه وتعالى مثالًا يُحتذى، وجعله سبحانه وتعالى ممثلًا لغرض هذا الكون في العبادة. فُرض عليه قيام الليل:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]
فكان مثالًا للعبادة، ومن هنا صحّ أن يُقال أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق هذا الخلق لأجل هذا الإنسان [النبي صلى الله عليه وسلم].
النصوص القرآنية المؤكدة أن النبي هو المثال الأتم للاتباع والشهادة
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
وهذه النصوص القرآنية كلها تؤكد هذا المعنى أنه هو المثال الأتم، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ربنا فيه:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
فانتهى الأمر إلى هذا المثال، وجعله الله سبحانه وتعالى شهيدًا علينا:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
فهو الشهيد الأتم والإمام الأكبر الذي ننظر إليه فنقلده في عبادتنا لربنا التي هي من أجلها خُلقت الأكوان.
حديث توسل آدم بالنبي محمد وقرن اسمه باسم الله على العرش
ومن هنا صح ما رواه صاحب المستدرك الإمام الحاكم أمير المؤمنين [في الحديث]، والحاكم فيه في مستدركه أن آدم عليه السلام عندما خرج [من الجنة] فقال:
«اللهم إني أتوسل إليك بمحمد، اغفر لي ذنبي»
قال الله تعالى وهو أعلم: وما أدراك يا آدم بمحمد؟ قال: يا ربنا، وجدتُ أنك قد قرنتَ اسمه باسمك على قوائم العرش؛ لأنه مكتوب على قوائم العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهي خير كلمة قيلت في تاريخ البشرية: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
جواز الحلف بالنبي عند الإمام أحمد وأهمية ركني الشهادتين
ولذلك يقول الإمام أحمد: يجوز الحلف بالنبي وينعقد؛ وذلك لأنه أحد ركني الشهادتين، وبهما يدخل الإنسان الإسلام، وبواحدة لا يدخل. فلو قال أحدهم: لا إله إلا الله وسكت، لا يدخل الإسلام، فإذا قال: محمد رسول الله وأكمل، دخل الإسلام.
ومن هنا كان فعل المسلمين إنهم عندما يكتبون على المحاريب يكتبون "الله" دلالة على كلمة التوحيد، و"محمد" دلالة على الشهادتين.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»
وليس في هذا تساوٍ، والاقتران لا يقتضي التساوي إنما يقتضي المشاركة في الحكم.
الشهادتان ليست شركًا بل مأذون بها للوصول إلى الله بالنبي
ولذلك "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ليست نوعًا من أنواع الشرك، بل هي مأذون بها ومأمور بها من الله سبحانه وتعالى؛ من أجل أن نعلم أننا لا نصل إلى ربنا إلا بهذا النبي المصطفى [صلى الله عليه وسلم].
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
وعلى ذلك يأتي حديث آدم فيما أخرجه الحاكم في مستدركه، قال [آدم]: وجدت أنك قد قرنت اسمه باسمك فعرفت أنه أحب الخلق إليك.
قال [الله تعالى]: يا آدم، لولا محمد ما خلقتك.
معنى لولا محمد ما خلقت الأفلاك ودلالته من الكتاب والسنة
لولا أن هناك من البشر من سيصل إلى هذه الدرجة العالية من الطاعة والخبوت والخشوع والعبادة والالتزام والتوفيق والحب الذي كان في هذا الإنسان [النبي صلى الله عليه وسلم]، والذي استحق به:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ﴾ [الكهف: 110]
والذي استحق أن يقول:
«أنا سيد ولد آدم ولا فخر»
كل هذا فيما ورد في الكتاب والسنة يؤكد هذا المعنى أنه لولاك ما خلقت الأفلاك؛ لأن الله لو خلق الأفلاك وعلم في علمه القديم أن أحدًا لن يستطيع أن يوفي مراده من خلقه لما خلق الأفلاك.
علم الله بوجود الإنسان الكامل سبب خلق الكون والأنبياء يقتدون به
لكنه سبحانه وتعالى عندما علم أن إنسانًا هو في مثال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع أن يمتثل لكل همسة ولمسة وكل أمر وكل نهي يبتعد عنه فيما أقر الله وحكم، خلق الكون.
والناس من الأنبياء والرسل والأولياء وأصحاب الهمة العالية من أولي العزم من الرسل وما دونهم يحاولون أن يقلدوا ذلك المثال الأتم صلى الله عليه وآله وسلم، ويحاولون أن يصلوا إلى هذا الإنسان الكامل، وكل بحسب توفيق الله له.
هل كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظل أم كان نورًا لا ظل له؟
هل كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظل، أو أنه صلى الله عليه وسلم نور لا ظل له؟
وردت الروايات أن الصحابة رأت ظله، ووردت روايات أنه كان لا ظل له. فهكذا ورد وهكذا ورد.
وعندما يختلف الأمر فيظهر ظله في حال ويختفي في حال، فتسمى هذه بالأحوال، ودوام الحال من المحال. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تجلٍّ معين لا ظل له، وكان مع تجليات أخرى له ظل، وكلاهما يمكن الجمع بينهما.
معنى اشتراط المُحرِم واجعل محلي حيث حبستني إن حبسني حابس
معنى "محلي حيث حبستني إن حبسني حابس": هذه كلمة وشرط يقولها المُحرِم تخفيفًا عن نفسه. فعندما أُحرِم أقول: لبيك اللهم بعمرة، أو لبيك اللهم بحج، قاصدًا البيت الحرام محرمًا، ودخلت في الإحرام.
ثم أقول مشترطًا على ربي سبحانه وتعالى - وهو رؤوف بنا -: واجعل محلي حيث حبستني إن حبسني [حابس]. إذا حدثت ظروف وإذا حدثت أحداث لا حسبان لها ولم تكن على البال، فإنني سأخلع هذا الإحرام وأرجع إلى صورتي المدنية فألبس ملابسي؛ لأنني لو لم أشترط هذا لحُبست في الإحرام إلى أن أكفّر أو أبلغ البيت الحرام.
تطبيق شرط الإحرام عند حدوث مانع من الوصول إلى الحرم
لا قدّر الله حصلت حادثة منعتك من الوصول إلى الحرم، لا قدّر اللهم، إذا حدث ما يمنعني من الوصول إلى الحرم، فهذه الكلمة: إن حبسني عن الحرم حابس، فاجعل محلي من ثياب الإحرام والعودة إلى ملابسي المعتادة حيث حبستني.
فإن حبسني في القاهرة، حُبِستُ في القاهرة إذا كنت قد دخلت الإحرام. وإن حبسني في جدة، حُبِستُ في جدة. وإن حبسني في الطريق، فكان هذا المكان للحبس هو نفس المكان الذي أغير فيه الإحرام دون تردد ودون انتظار.
أهمية قول شرط الإحرام رغم ندرة حدوث المانع من إتمام الحج
ولذلك فهو من الأهمية بمكان أن تقول هذا الشرط؛ لأن فيه تخفيفًا. وإن كان الإنسان يحج منذ أكثر من - يعني من نحو خمسين سنة - ونحن نحج لم تحدث هذه الحالة، وبالرغم من ندرتها لأنها موجودة وإن كانت نادرة؛ لأنها تتصور في صورة المنع أو في صورة الحادث.
ولذلك نقول دائمًا: لبيك اللهم بحجة، أو لبيك اللهم بعمرة، واجعل محلي من ثيابي هذه حيث حبستني. فقط كلمتان: واجعل محلي حيث حبستني.
مصير مهر الزوجة المتوفاة وكيفية تقديره بعد مرور الزمن واختلاف قيمة العملة
زوجتي توفيت بعد أربعين عامًا من زواجنا، ما مصير مهرها؟ أأدفعه وهو يدخل في التركة، وكيف أُقدِّره نظرًا لاختلاف قيمة العملة مع مرور الزمن؟
[يُقدَّر المهر] بقيمته بالذهب، وهذا مذهب أبي يوسف من الحنفية: التقويم بالذهب عند غلاء أو رُخص النقود. وألَّف ابن عابدين [رسالة بعنوان] "نشر البنود في غلاء ورخص النقود".
حكم زكاة قطعة أرض موروثة تم بيعها بمبلغ كبير
ورثت قطعة أرض وقمت ببيعها بمبلغ كبير، هل فيها زكاة؟
ليس فيها زكاة [ما لم يحُل عليها الحول بعد البيع وبلغت النصاب].
هل جزاء الصبر يناله الإنسان في الآخرة فقط أم في الدنيا أيضًا؟
هل جزاء الصبر يناله الإنسان في الآخرة فقط أم ينال جزءًا منه في الدنيا؟
الله كريم [فيجزي الصابر في الدنيا والآخرة معًا].
حكم نقل كفالة اليتيم من جمعية إلى أخرى تنفيذًا لوصية الزوج
زوجي كان يساهم بكفالة يتيم في جمعية ما، وأوصى رحمه الله عليه بأن يستمر هذا التكافل، هل يجوز أن أنقل التكافل إلى جمعية أخرى؟
المراد هو الرعاية [لليتيم] وليس المراد جمعية معينة؛ لأن الجمعية قد تغلق، وقد يحدث فيها فساد، وقد يحدث فيها نقصان لخدمة اليتيم. فننقل إلى جمعية أخرى، أو تكون هي أقرب إلى البيت فهي أكثر استمرارية، إلى آخره.
هل فتوى الحنفية بجواز العقود الفاسدة مع غير المسلمين تبيح إدارة بيت دعارة؟
هل فتوى الحنفية بجواز عقد العقود الفاسدة مع غير المسلمين في بلادهم يندرج تحتها أو يُقاس عليها إباحة إدارة مسلم لبيت دعارة إن كان قانون هذا البلد يسمح بذلك؟
لا علاقة إطلاقًا بإدارة الدعارة ولا بالدعارة مع العقود الفاسدة. العقود الفاسدة هي العقود المالية، وهذا ليس عقدًا ماليًا إطلاقًا. ولذلك فهذا حرام عند جميع المسلمين.
كذلك شرب الخمر ليس عقدًا حتى يُباح في بلاد الكفار أو في بلاد غير المسلمين، ولا يُباح عندنا. هذا أمر وهذا أمر.
فتوى أبي حنيفة في العقود الفاسدة تتعلق بالمعاملات المالية فقط
لكن القضية تتمثل في البيع والشراء وفي العقارات وفي البورصة وفي غيرها من المعاملات التي تتعلق بالمال. فهذه هي فتوى أبي حنيفة، بل فتوى الأحناف.
واستدلوا بأدلة كثيرة منها مراهنة أبي بكر [رضي الله عنه] في مكة المشركين في قصة:
﴿الٓمٓ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 1-4]
فذهب [أبو بكر] وراهنهم، أي راهنهم. والرهان حرام، لكن لما كان في مكة مع المشركين [كان] حلالًا.
مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم لركانة والمراهنة على ثلث ماله
واستدلوا [أيضًا] بمصارعة النبي [صلى الله عليه وسلم] لركانة، وكان ركانة مصارعًا، فجاء يتحدى النبي، ودفعه وحثه على ذلك بعض المشركين حتى يضربوا محمدًا صلى الله عليه وسلم. فالنبي فهم مراده.
قال له: يا ركانة، على ثلث مالك. أما الرهان فهو حرام، إنما لما كان مع المشركين في ديار الشرك والكفر فصارعه فصرعه - صلى الله عليه وآله وسلم - ركانةَ، فارتفع في السماء.
فقال [ركانة]: لا يا محمد، أنت أخذتني على حين غِرَّة! قال له: نفعل مرة أخرى؟ قال له: نعم.
تفاصيل المصارعة الثانية والثالثة بين النبي وركانة وإسلام ركانة
فهذا غير معقول! هكذا قال له [ركانة]. [فقال النبي صلى الله عليه وسلم]: حسنًا، على ثلث المال الثاني، نصف هكذا، طريقة نبوية. فارتفع ركانة وارتطم بالأرض.
فقال: يا محمدُ، أنتَ فعلتَ هكذا بسرعةٍ! قال له: خلاص، نعمل على الثلث الثالث. قال له: طيبٌ، وأنا موافقٌ على الثلث الثالث.
حملوه وبدؤوا في الثلث الثالث، فلما فعل هذا، لاحظ ركانة أن الأمر قد خرج عن المعقول، وأن هذا الرجل مؤيَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -.
تشابه شعور ركانة مع شعور سحرة فرعون وإسلام ركانة بعد المصارعة
وهو نفس الشعور مع السحرة في قصة فرعون، أنهم استشعروا أن شيئًا ما يفوق قدراتهم ويفوق ما فعلوا، فقالوا:
﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ [طه: 70]
قال فرعون:
﴿ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ﴾ [طه: 71]
إلى آخر القصة. نفس الشعور حدث لركانة، فشهد الشهادتين. وكان من المتوقع أن النبي سيحاسبه ويقول له: غلبتك ثلاث مرات، فوهب له النبي ما له، وقال له: اذهب، لا أريد منك شيئًا. وآمن ركانة.
استدلال الحنفية بجواز العقد الفاسد مع غير المسلمين في ديارهم
استدل الحنفية من هذا أن العقدة الفاسدة مع غير المسلمين في بلاد غير المسلمين جائزة. ولما صارت مكة دار إسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ألا إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هذا، وأول ما أضع ربا العباس عمي»
العباس [رضي الله عنه] كان يعمل في الربا، نعم وهو مسلم. أسلم يوم بدر والفتح في السنة الثامنة، مسلم منذ ست سنوات والنبي يعلم، ويضع ربا العباس تحت قدمه وينفيه ويلغيه. نعم؛ لأن الدار صارت دارًا إسلامية.
خلاصة جواز العقد الفاسد مع غير المسلمين في المعاملات المالية فقط
فيبقى إذن أن نأخذ من هذا أن العقد الفاسد يجوز مع غير المسلمين. انظر كيف أن كلها أموال [ومعاملات مالية فقط، لا علاقة لها بالمحرمات كالدعارة والخمر].
الشعور بالغيرة على الشيخ بسبب قرب البعض منه وتصحيح لغوي
أشعر بالغيرة على شيخي بسبب قرب بعضهم منه وعدم قربي منه، فهل في شعوري هذا إساءة أدب؟
تقول: "قرب بعضهم"؛ لأن الألف واللام لا تدخل على ملازم الإضافة. يعني لا يصح "البعض" ولا "الغير" ولا "المثل" ولا "الكل"، بل: كل [شيء]. هذه الأشياء موغلة في الإبهام فهي ملازمة للإضافة، يكون ليس فيه ألف ولام.
شعورك هذا فيه نوع من أنواع السذاجة، وليس فيه إساءة أدب أو أي شيء، لكنه نوع من أنواع السذاجة. [كأنك] تريد أن يكون الشيخ تحت إيديك [خاصًا بك].
القرب من الشيخ قرب أحوال وأرواح لا قرب أمتار ومسافات
ثم إن القرب والبعد مع الشيخ على السواء، لا تخاف. إنما هذا هنا وبعدين قلت له اجلس هنا، فيصاب بالإزعاج؟ لأنه بعد قليل ربنا يُعلمنا مراده فيقول:
«أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد»
فيتضح أنها أحوال وليست قرب مكان.
وكان مشايخنا دائمًا يقولون: اجعلوا قلوبكم على قلوب بعضكم البعض؛ لأنه ستتباعد بكم الأجساد فلتلتقِ الأرواح. فدائمًا اجعل قلبك على قلب أخيك وقلبك مع قلب شيخك، وليست القضية كم مترًا، فهي لا تُحسب بالمتر.
حكم الربح الثابت من مشروع استثماري وكيفية التعامل معه
هل الربح الثابت من مشروع استثماري حلال أم حرام؟
نجعله تحت الحساب، ونبقي هذا الثابت؛ لأن الثابت يفيد، ونجعله تحت الحساب. وفي النهاية إن حدثت زيادة وزّعناها، وإن حدث نقص رحّلناه إلى السنة القادمة، ويسهل الأمر.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع [الأبرار].
