محمد بن أبي بكر الصديق رضى الله تعالى عنهما | ح #19 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة
- •محمد بن أبي بكر الصديق ولد في السنة الأخيرة من الهجرة وأدرك من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم نحو أربعة أشهر، ويُعد من كبار التابعين.
- •والدته أسماء بنت عميس تزوجها أبو بكر، وبعد وفاته تزوجها علي بن أبي طالب، فتربى محمد في كنف علي وأصبح ربيبه.
- •أرسله علي والياً على مصر سنة 37هـ، ولكن قبل أن يتولى مهامه واجهه جيش معاوية بقيادة عمرو بن العاص.
- •اتُهم ظلماً بقتل عثمان بن عفان، وهو منها بريء، بل كان ممن دافعوا عن عثمان وصدوا عنه الناس.
- •قُتل في مصر وكان أول من حُز رأسه في الإسلام، ودفن في مصر في أماكن مختلفة منها قرية منية دمسيس بالدقهلية.
- •كان من رجال علي بن أبي طالب وشارك معه في معركتي الجمل وصفين.
- •أنجب القاسم من زوجته شاه بانويه بنت كسرى يزدجرد، وأصبح القاسم من أئمة العلم في العالم.
دعاء بالبركة لمصر ونيلها من أنهار الجنة
اللهمَّ كما أجريتَ على لسانِ نبيِّكَ أنَّهُ قالَ في شأنِ نيلِ مصرَ أنَّهُ من أنهارِ الجنَّةِ، فقالَ:
«سيحانُ وجيحانُ والفراتُ والنيلُ كلٌّ من أنهارِ الجنَّةِ»
فاللهمَّ باركْ في مصرَ ونيلِها وأجرِهِ، ولا تقطعْهُ إلى يومِ الدينِ، واصرفْ عنها السوءَ بما شئتَ وأنْ شئتَ وكيفَ شئتَ يا ربَّ العالمينَ، اللهمَّ آمين.
التعريف بمحمد بن أبي بكر الصديق ربيب علي بن أبي طالب
هو ربيبُ الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ، وأحدُ قادةِ جيوشِهِ المخلصينَ الذينَ دعموهُ ونصروهُ في وقتِ الفتنةِ، وولّاهُ حكمَ مصرَ.
عاشَ أشهرًا معدودةً في حياةِ المصطفى صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وعاشَ ثلاثةَ أعوامٍ فقط في حياةِ والدِهِ الصديقِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ.
اليومَ نتوقفُ مع سيدِنا محمدِ بنِ أبي بكرٍ في مصرَ أرضِ الصالحينَ، محمدِ بنِ أبي بكرٍ الحسيبِ النسيبِ.
نسب محمد بن أبي بكر وأمه أسماء بنت عميس وتربيته في بيت علي
محمدُ بنُ أبي بكرٍ الصديقِ ابنِ أبي قحافةَ، وثلاثةٌ هم الذينَ دخلوا الإسلامَ: أبوهُ أبو بكرٍ الصديقُ ثاني اثنينِ إذ هما في الغارِ، خليفةُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ.
وأمُّهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ التي كانت زوجةً لجعفرِ بنِ أبي طالبٍ، فلمّا استُشهِدَ تزوَّجها أبو بكرٍ الصديقُ، فلمّا ماتَ تزوَّجها عليُّ بنُ أبي طالبٍ.
وتربّى محمدُ بنُ أبي بكرٍ في بيتِهِ، وكانَ يُدعى ربيبَ عليِّ بنِ أبي طالبٍ. أرسلَهُ عليٌّ واليًا على مصرَ في سنةِ سبعٍ وثلاثينَ، رضيَ اللهُ تعالى عن محمدِ بنِ أبي بكرٍ وجزاهُ عنّا خيرًا.
ترحيب المذيع بالدكتور علي جمعة وطلب التعريف بمحمد بن أبي بكر
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بحضراتِكم، واليومَ ستكونُ لنا وقفةٌ مع سيدِنا محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ. أُرحِّبُ بفضيلةِ العالمِ الجليلِ الأستاذِ الدكتورِ عليّ جمعة، السلامُ عليكم.
[الشيخ]: وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.
[المذيع]: أهلًا وسهلًا بفضيلتِكَ. سيدُنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ، بالتأكيدِ قامةٌ كبيرةٌ جدًّا وعَلَمٌ من الأعلامِ، يكفي أنَّهُ وُلِدَ في بيتِ سيدِنا أبي بكرٍ الصديقِ، فأرجو منكَ أن تُقرِّبَنا أكثرَ من هذه الشخصيةِ الطيبةِ والجميلةِ.
[الشيخ]: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا رسولِ اللهِ وآلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ. محمدُ بنُ أبي بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ وأرضاهُ، وُلِدَ في السنةِ الأخيرةِ من الهجرةِ في حياةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأدركَ من حياةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نحوَ أربعةٍ أو خمسةِ شهورٍ.
محمد بن أبي بكر من كبار التابعين ولم يدرك النبي إدراكًا واعيًا
فلمّا انتقلَ رسولُ اللهِ إلى الرفيقِ الأعلى، كانَ محمدٌ [بنُ أبي بكرٍ] - موضوعُ الحلقةِ اليومَ - عندَهُ أربعةٌ أو خمسةُ شهورٍ تقريبًا. فإذن لم يسمعْ رسولَ اللهِ، لم يرَ رسولَ اللهِ [إدراكًا واعيًا]، بل لكنَّهُ اجتمعَ زمنًا مع رسولِ اللهِ، فهو معدودٌ من التابعينَ.
لدرجةِ أنَّهُ في حديثٍ أنَّهم كانوا في ليلةٍ ظلماءَ وكانَ هناكَ ريحٌ، فأمرَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المؤذِّنَ أن يقولَ: «صلُّوا في رحالِكم»، التي هي الكلمةُ التي كنّا نقولُها في فتنةِ كورونا هذهِ عندما أصابتنا بالضبطِ.
فهذا مرويٌّ عن محمدِ بنِ أبي بكرٍ، ولكنَّهُ مرويٌّ عن طريقِ أنَّهُ سمعَ من أحدِ الصحابةِ، ومراسيلُ هؤلاءِ الناسِ الكبارِ [مقبولةٌ]، فهو يُعَدُّ من كبارِ التابعينَ.
أبناء الصحابة من كبار التابعين ومصادر رواياتهم عن الصحابة
[المذيع]: نعم بالطبعِ، أبناءُ الصحابةِ من كبارِ التابعينَ، فمن أينَ يأتونَ بهذهِ الأخبارِ؟
[الشيخ]: من الصحابةِ بالطبعِ. ما الصحابةُ كلُّهم سُقّاطٌ [أي ليسوا ضعفاءَ]، يبقى إذا الحديثُ كأنَّهُ ماشٍ يعني [أي سندُهُ متصلٌ].
وهذهِ أحاديثُ مسلمةَ بنِ مخلدٍ شاهدنا شيئًا مثلَ هذا، أحاديثُ ابنِ عباسٍ نرى شيئًا مثلَ هذا، لكنَّ ابنَ عباسٍ روى كثيرًا ممّا رأى وسمعَ. يعني لكنَّ الأكبرَ سنًّا منهم مثلَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ وغيرِهِ، لا، هؤلاءِ كانوا كبارًا وحضروا بعضَ الغزواتِ وما شابهَ ذلكَ، لكنَّهم كانوا ستةَ عشرَ عامًا أو سبعةَ عشرَ عامًا أو ثمانيةَ عشرَ عامًا.
لا بأسَ في قضيةٍ أخرى، سمَّوا ورَوَوا وقالوا، لكنَّ محمدَ بنَ أبي بكرٍ نعتبرُهُ من كبارِ التابعينَ.
وفاة محمد بن أبي بكر مقتولًا في مصر وهو أول من حُزّ رأسه في الإسلام
عندما توفِّيَ [محمدُ بنُ أبي بكرٍ] كانَ في مصرَ، فهذهِ بدايتُهُ وهذهِ نهايتُهُ، فقد توفِّيَ في مصرَ مقتولًا أيضًا بتهمةِ أنَّهُ شاركَ في مقتلِ عثمانَ، وهو من ذلكَ بريءٌ.
لكنَّ القاتلَ قالَ لهُ: قتلتُ ثمانينَ من أهلِ بيتي في دمِ عثمانَ، أفلا أقتلُكَ وأنتَ صاحبُهُ؟ كانَ يظنُّ أنَّ محمدَ بنَ أبي بكرٍ هو الذي قتلَ عثمانَ، فقتلَهُ بذلكَ وحزَّ رأسَهُ.
فكانَ أوَّلَ من حُزَّ رأسُهُ في الإسلامِ سيدُنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ، نعم؛ لأنَّ هذا الكلامَ تمَّ قبلَ سيدِنا الحسينِ وقبلَ زيدِ بنِ الحسينِ. إذا كنّا نتذكَّرُ، كانت هذهِ قصةُ الرؤوسِ، لكنَّ أوَّلَ من قُطِعَ رأسُهُ في الإسلامِ كانَ محمدُ بنُ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ.
علاقة محمد بن أبي بكر بعثمان وزواج بنات كسرى من الصحابة
[المذيع]: حسنًا، كانَ سيدُنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ قريبَ الصلةِ جدًّا بسيدِنا عثمانَ، يعني إنَّ سيدَنا عثمانَ أيضًا كانَ يتولّاهُ بقدرٍ من الرعايةِ. لكن من جانبٍ آخرَ، الذي جعلَ هذا التشابهَ يحدثُ، أنَّهُ ما الذي حصلَ؟
[الشيخ]: أنَّهم أحضروا ثلاثًا وقيلَ أربعًا من بناتِ كسرى يزدجرد، صحيح؟ فواحدةٌ منهنَّ تزوَّجت عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، والثانيةُ تزوَّجت محمدَ بنَ أبي بكرٍ، والثالثةُ تزوَّجت سيدَنا الحسينَ تقريبًا، وهناكَ من تزوَّجَ ربما يعني امرأةً رابعةً.
قصة زواج أبي بكر من أسماء بنت عميس وإنجاب محمد والقاسم
محمدُ بنُ أبي بكرٍ ما قصتُهُ؟ أبو بكرٍ تزوَّجَ أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ وأنجبَ محمدًا، فمحمدٌ هو ابنُ أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ.
محمدٌ عندما تزوَّجَ الشاه بانويه - البنتَ بنتَ يزدجرد - اسمُها شاه بانويةُ أو شاه بانويه، التي نسمِّيها الشاه بانو مثلًا. نعم، لكنَّ بانويه وبانوية هما طريقتانِ في النطقِ الفارسيِّ والعربيِّ وأشياءَ من هذا القبيلِ.
فأنجبَ منها القاسمَ، إمامَ أهلِ المدينةِ. محمدُ بنُ أبي بكرٍ أنجبَ منها القاسمَ.
زواج علي بن أبي طالب من أسماء بنت عميس وتربية محمد في كنفه
فمن تزوَّجَ أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ بعدما توفِّيَ أبو بكرٍ؟ سيدُنا عليُّ بنُ أبي طالبٍ. كانَ على ما يرامُ؛ السيدةُ فاطمةُ قد انتقلت إلى رحمةِ اللهِ، ولم يكنْ لدى سيدِنا عليٍّ زوجةٌ، فتزوَّجَ أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ التي كانت زوجةَ أبي بكرٍ وأنجبت محمدًا.
فمن يكونُ محمدٌ هذا؟ إنَّهُ ربيبُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، تربّى في كنفِهِ وأخذَ عنهُ، وهذهِ هي القصةُ.
تهمة محمد بن أبي بكر بقتل عثمان وبراءته منها وبراءة علي
أدخلوا تهمةً على محمدٍ [بنِ أبي بكرٍ] أنَّهُ هو من قتلةِ عثمانَ، وأنَّهُ هو الذي تآمرَ على عثمانَ. كانَ ذلكَ اعتقادًا من بني أميةَ أنَّ الذي قتلَ عثمانَ كانَ بتدبيرٍ أو برضا أو بسكوتٍ أو بمعرفةٍ من سيدِنا عليٍّ، وهو من ذلكَ بريءٌ.
كانَ عليٌّ يحمي عثمانَ ولم يكنْ يرضى بما حدثَ لهُ. ثمَّ جاءَ محمدُ بنُ أبي بكرٍ من مصرَ هو والجماعةُ التابعونَ لهُ، الذينَ قد يكونُ منهم من قتلَ عثمانَ، صحيحٌ.
دخول محمد بن أبي بكر على عثمان وندمه ودفاعه عنه
فدخلَ [محمدُ بنُ أبي بكرٍ] على عثمانَ في دارِهِ فوجدَهُ يقرأُ في المصحفِ، فقالَ لهُ [عثمانُ]: لو كانَ أبوكَ حيًّا ما رضيَ بما تفعلُ، فندمَ [محمدٌ] وقالَ لهُ: لا عليكَ، أنا آسفٌ، لقد فهمتُ الآنَ.
وخرجَ وصدَّ عنهُ الناسَ، أي أنَّ هناكَ أشخاصًا كانوا قادمينَ وراءَهُ على سيدِنا عثمانَ، فصدَّ عنهُ الناسَ ووقفَ هو والحسنُ والحسينُ يحمونَ عثمانَ.
فهو بريءٌ قطعًا من دمِ عثمانَ. بل على العكسِ، بعضُ الرواياتِ التي تقولُ إنَّهُ كانَ سببًا أساسيًّا في تأليبِ الناسِ وفي حشدِ المصريينَ الذينَ خرجوا معهُ من خِربتِهِ [قريتِهِ]، واردٌ أنَّهُ هو كانَ موافقًا على اعتراضاتِهم على حكمِ سيدِنا عثمانَ وعلى طريقةِ سيدِنا عثمانَ في إدارةِ البلادِ والعبادِ، لكنَّهُ لم يشتركْ بل وقاوَمَ.
الفرق بين الطريق السلمي والعنف وتبرؤ محمد بن أبي بكر من قتل عثمان
هذا يعني أنَّ هناكَ فرقًا بينَ الطريقِ السلميِّ الذي تأمرُ فيهِ وتنهى وتناقشُ وتقولُ هذا خطأٌ وهذا صوابٌ، ولا تفعلْ كذا من كذا، وما بينَ العنفِ والقتلِ وهكذا أبدًا.
محمدُ بنُ أبي بكرٍ تبرَّأَ في ساعتِها من هذا العنفِ وصدَّ عنهُ هؤلاءِ الناسَ، ولكنْ بعدَ ذلكَ دخلَ بعضُهم فقتلَ عثمانَ شهيدًا رضيَ اللهُ تعالى عنهُ وأرضاهُ.
محمد بن أبي بكر في معركتي الجمل وصفين وإنزال عائشة من الهودج
درسَ [محمدُ بنُ أبي بكرٍ] الفقهَ على سيدِنا عليٍّ، وكانَ من رجالِ سيدِنا عليٍّ. هو الذي حضرَ في الجملِ، وهو الذي أنزلَ عائشةَ من الهودجِ عندما ذهبت في موقعةِ الجملِ - عائشةُ والزبيرُ وغيرُهم - من أجلِ قتالِ عليٍّ، وانهزموا.
فأرسلَ [عليٌّ] لها أخاها محمدًا - وهو أخو عائشةَ - ليُنزِلَها من الهودجِ، فأدخلَ يدَهُ هكذا في الهودجِ، فقالت: من هذا الذي يعتدي على أمِّهِ؟ فقالَ: أنا أخوكِ يا عائشةُ. قالت: حسنًا، وأنزلَها وساعدَها؛ لأنَّهُ لا يصحُّ أن أيَّ شخصٍ يساعدَ امرأةً مثلَ السيدةِ عائشةَ عليها السلامُ أن تنزلَ [من الهودجِ].
سؤال المذيع عن قدوم محمد بن أبي بكر إلى مصر ومقتله فيها
[المذيع]: طيِّبٌ، أستأذنُ فضيلتَكَ بعدَ الفاصلِ لننتقلَ إلى سيدِنا محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ في مصرَ. متى ولماذا جاءَ إلى مصرَ، وكيفَ كانَ وضعُهُ في مصرَ حتى انتهى بهِ الحالُ كما ذكرتَ فضيلتُكَ منذُ قليلٍ أنَّهُ كانَ مقتلُهُ في مصرَ؟ أرجوكم ابقوا معنا نستكملُ بعدَ الفاصلِ.
مسجد ومقام محمد بن أبي بكر في ميت تمسيس بالدقهلية
في محافظةِ الدقهليةِ وتحديدًا في مدينةِ أجا، وعلى أعتابِ قريةِ ميت تمسيس ترى مآذنَ الجامعِ العتيقِ. فهنا في وسطِ البلدةِ يقعُ مسجدُ ومقامُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ، الصحابيِّ الجليلِ وربيبِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ.
فترى المئذنةَ برفقةِ برجِ كنيسةِ مارجرجس يتعانقانِ في سكينةٍ ومودَّةٍ تغمرُهما الأجواءُ الروحانيةُ. فهنا تجدُ صورةً فريدةً حيثُ يجتمعُ النيلُ والتاريخُ والعباداتُ الروحانيةُ في آنٍ واحدٍ.
لا تستطيعُ أن تميِّزَ أيَّ إنسانٍ يسيرُ في الشارعِ، ولا تستطيعُ أن تعرفَ إن كانَ مسلمًا أم مسيحيًّا إلّا في حالةٍ واحدةٍ: المسلمُ تجدُهُ يدخلُ المسجدَ لكي يصلِّيَ، والمسيحيُّ تجدُهُ يدخلُ الكنيسةَ لكي يصلِّيَ.
أهل ميت تمسيس يكتسبون أرزاقهم من الصيد وزوار المسجد من كل مكان
وعلى ضفافِ النيلِ تجدُ أهلَ هذهِ البلدةِ يكتسبونَ أرزاقَهم من الصيدِ، ففي حضرتِهِ [حضرةِ المقامِ] يطلبونَ أرزاقَهم.
ويأتي إلى هذا الجامعِ الكثيرُ من المريدينَ من جميعِ المدنِ والمحافظاتِ المصريةِ المجاورةِ، بل ومن جميعِ أرجاءِ العالمِ.
هذا المسجدُ اسمُهُ محمدُ بنُ أبي بكرٍ الصديقِ، كفايةُ أنَّ ابنَ سيدِنا أبي بكرٍ الصديقِ مدفونٌ فيهِ. مقامُ سيدي محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ نشعرُ فيهِ بالراحةِ والطمأنينةِ؛ لأنَّهُ مرقدُ الصحابيِّ الجليلِ.
عندما أدخلُ مقامَ سيدي محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ أشعرُ بروحانيةٍ، شيءٌ ما من حبِّ آلِ البيتِ.
سؤال المذيع عن موعد قدوم محمد بن أبي بكر إلى مصر وإجابة الشيخ
[المذيع]: أهلًا بحضراتِكم مرةً أخرى، وما زلنا في مصرَ أرضِ الصالحينَ نتابعُ سيرةَ وقصةَ سيدِنا محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ في أرضِ مصرَ. فضيلةَ الدكتورِ، أهلًا بحضرتِكَ مرةً أخرى.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: السؤالُ: متى قَدِمَ سيدُنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ الصديقِ إلى مصرَ؟
[الشيخ]: هو سيدُنا محمدُ بنُ أبي بكرٍ قَدِمَ في مدخلِ مصرَ، يعني كانَ عمرُهُ عشرينَ سنةً بعدَ الفتحِ الإسلاميِّ بحوالي عشرِ سنواتٍ دخلَ مصرَ.
ولكنْ كانَ لهُ أصحابٌ في قريةِ خِربتِها التي هي في البحيرةِ الآنَ. جماعةُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ هم الذينَ رحلوا إلى عثمانَ [للاعتراضِ عليهِ].
تولي محمد بن أبي بكر ولاية مصر بأمر علي ومواجهة جيش معاوية
ولمّا انتقلَ سيدُنا عثمانُ إلى رحمةِ اللهِ تعالى وتولّى سيدُنا عليٌّ الخلافةَ - وفي سنةِ سبعٍ وثلاثينَ تولّى سيدُنا عليٌّ الخلافةَ من خمسٍ وثلاثينَ إلى أربعينَ - فسيَّرَ بعضَ الناسِ من أجلِ أن يكونوا في مصرَ، فأرسلَ محمدَ بنَ أبي بكرٍ واليًا على مصرَ.
أمّا معاويةُ فقد أرسلَ عمرَو بنَ العاصِ حتى يدخلَ مصرَ ويُلحِقَها قبلَ محمدِ بنِ أبي بكرٍ، قبلَ أن يدخلَها. فجاءَ جيشُ معاويةَ ودخلَ مصرَ واستولى عليها.
فلمّا جاءَ محمدُ بنُ أبي بكرٍ معهُ لم يكنْ لديهِ جيشٌ، يعني معهُ كتيبةٌ أو فصيلةٌ أو شيءٌ كهذا، يعني شيءٌ بسيطٌ. فقاتلَهم جيشُ عمرٍو، فقبضوا عليهِ.
مقتل محمد بن أبي بكر بتهمة قتل عثمان والإشاعة الملتصقة به
وحينئذٍ تمَّ قتلُهُ بدعوى أنَّهُ هو الذي قتلَ عثمانَ. أيضًا الإشاعةُ ما زالت ملتصقةً بهِ، وهو لم يقتلْ ولم يفعلْ شيئًا مثلما قدَّمنا.
ربما أرادوا أن يُجامِلوا معاويةَ، أي ربما أرادَ أن يُجامِلوهُ، وإن كانت مسألةُ قميصِ عثمانَ والمناداةُ بقميصِ عثمانَ من قِبَلِ معاويةَ. فقتلوا محمدَ بنَ أبي بكرٍ في سبيلِ اللهِ.
خاصةً أنَّ هناكَ معاركَ في الجملِ وفي صفِّينَ وأحداثٌ وقعت في هذا. لكنَّ محمدَ بنَ أبي بكرٍ كانَ من أمراءِ سيدِنا عليٍّ، وكانَ معهُ في معركةِ الجملِ، وكانَ معهُ في معركةِ صفِّينَ.
مقتل محمد بن أبي بكر قبل تمكنه من ولاية مصر ودفنه وبناء مسجده
وبعدَ ذلكَ لمّا جاءت سنةُ سبعٍ وثلاثينَ هجريةً جاءَ [محمدُ بنُ أبي بكرٍ] إلى مصرَ فقتلوهُ قبلَ الولايةِ وقبلَ أن يتمكَّنَ من ممارسةِ مهامِّهِ التي أمرَهُ بها الخليفةُ الشرعيُّ الذي هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ.
فكانَ هناكَ شخصٌ قديمًا يخدمُهُ كخادمٍ لهُ، فوجدَ رأسَهُ ووجدَ جثمانَهُ، وحاولَ أن يدفنَهُ ويبنيَ عليهِ مسجدًا، فسُمِّيَ مسجدَ الصغيرِ.
والسيدةُ رحمَها اللهُ سعاد ماهر تقولُ إنَّ مسجدَ الصغيرِ هذا هو مسجدُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ، وهذا في مصرَ القديمةِ.
الخلاف حول مكان دفن محمد بن أبي بكر بين مصر القديمة والدقهلية
[المذيع]: وقيلَ إنَّهُ دُفِنَ في مكانٍ ما في الدقهليةِ أو نحوِ ذلكَ إلى آخرِهِ، في مسجدٍ هناكَ أيضًا يقولُ في ميت دمسيس.
[الشيخ]: يعني في اعتقادي نقولُ في قريةِ دمسيس، في قريةِ دمسيس.
[المذيع]: نعم، منيةِ دمسيس.
[الشيخ]: منيةِ دمسيس، قريةُ ميت دمسيس التي هي في الدقهليةِ. فعلى كلِّ حالٍ، هذهِ كانت [قصةَ] محمدِ بنِ أبي بكرٍ.
محمد بن أبي بكر عالم رزقه الله بالقاسم إمام أهل المدينة
كانَ [محمدُ بنُ أبي بكرٍ] عالمًا، ويكفي أنَّ اللهَ رزقَهُ بالقاسمِ الذي صارَ من أئمةِ العلمِ في العالمِ. يكفي أنَّهُ كانَ مساهمًا بفروسيتِهِ النبيلةِ في دحرِ هذهِ الفتنِ، ولكنَّ هذا قدرُهُ، وقدرُ اللهِ لا يتخلَّفُ.
هل تورط المصريون في قتل محمد بن أبي بكر أم القادمون من الخارج
[المذيع]: حسنًا، بعضُ الموادِّ العلميةِ عندما كنّا نُحضِّرُ للحلقةِ تشيرُ إلى أنَّ المصريينَ تورَّطوا في قتلِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ. المصريونَ حتى حديثو الدخولِ في الإسلامِ، لم يكونوا بالتأكيدِ طرفًا في ذلكَ في هذهِ الصراعاتِ، ولكنْ هل المقصودُ أنَّ المصريينَ الذينَ تورَّطوا في قتلِهِ؟
[الشيخ]: كانَ قصدُهم بمن أتَوا أساسًا من المدينةِ أو من أتَوا بعدَ الفتحِ، وليسَ أهلَ مصرَ أصلًا. حتى من تحوَّلَ منهم إلى الإسلامِ، أغلبُ المشتغلينَ بالسياسةِ سواءٌ كانوا في هذا الجانبِ أو في ذلكَ الجانبِ، كانوا من القادمينَ وليسَ من أهلِ البلادِ.
الإسلام في مصر لم يصنع الحزبية بعد سبع عشرة سنة من دخوله
وإذا كانَ من أهلِ البلادِ، فهذا يعني أنَّنا هنا نتحدَّثُ في سنةِ سبعٍ وثلاثينَ، والإسلامُ دخلَ سنةَ عشرينَ، أي أنَّنا نتحدَّثُ بعدَ سبعَ عشرةَ سنةً من دخولِ الإسلامِ.
سبعَ عشرةَ سنةً لم تصنعْ هذهِ الحزبيةَ وهذا التقسيمَ الذي كانَ موجودًا فعلًا بينَ الأمويينَ وبينَ الهاشميينَ، ما بينَ العلويينَ وما بينَ الأمويينَ وهكذا.
لم يحدثْ في فترةِ سبعَ عشرةَ سنةً اختيارُ هذا الحزبِ، وإنَّما كانَ أغلبُ المشاركينَ في هذهِ الأمورِ وفي هذهِ النزاعاتِ هم من القادمينَ.
اشتراك محمد بن أبي بكر في حروب النوبة ورأي عبد الله بن أبي سرح فيه
[المذيع]: يُقالُ أيضًا أنَّهُ اشتركَ في حروبِ النوبةِ أو في الفتوحاتِ التي قامَ بها جيشُ الفاتحِ في النوبةِ في جنوبِ مصرَ، وأنَّ عبدَ اللهِ بنَ أبي سرحٍ نفسَهُ كانَ لا يرى في محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ أنَّهُ قائدٌ أو أنَّهُ ينفعُ أن يكونَ واليًا على مصرَ. الحقيقةُ ما هي؟
[الشيخ]: عبدُ اللهِ بنُ أبي سرحٍ لديهِ مشكلةٌ أنَّهُ أولًا في تقويمِهِ الإمامُ الحاكمُ ضدَّهُ. الإمامُ الحاكمُ في الحديثِ يُقرأُ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أبي سرحٍ لم يكنْ من الرواةِ ولم يروِ عن رسولِ اللهِ.
قصة ردة عبد الله بن أبي سرح وعفو النبي عنه بشفاعة عثمان
وهو عبدُ اللهِ بنُ أبي سرحٍ الذي ارتدَّ في زمنِ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، وقد طلبَ النبيُّ رأسَهُ، حتى أنَّهُ دخلَ في فتحِ مكةَ والنبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عفا عنهُ ذلكَ بعدَ تدخُّلِ سيدِنا عثمانَ، بعدَ تدخُّلِ سيدِنا عثمانَ.
فعبدُ اللهِ بنُ أبي سرحٍ هل حَسُنَ إسلامُهُ أم لا؟ نعم، كثيرٌ من العلماءِ يقولونَ حَسُنَ إسلامُهُ ولم يُرَ منهُ أيُّ مخالفةٍ بعدَ ذلكَ.
لكنَّ الإمامَ الحاكمَ صاحبَ [المستدركِ] يرى أنَّهُ لا، أي عبدُ اللهِ بنُ أبي سرحٍ يعني لم يُحسِنْ إسلامَهُ. اللهُ أعلمُ بهِ، يعني اللهُ أعلمُ بهِ، شيءٌ كهذا.
موقف النبي من عبد الله بن أبي سرح وخائنة الأعين
لأنَّ النبيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضًا موقفُهُ يعني كانَ يعني، كلامُ الحاكمِ مع تصرُّفِ النبيِّ لهُ وجهٌ. أمّا الآخرونَ وهم حسَّنوا الظنَّ، وحسنُ الظنِّ أيضًا من الأمورِ الشرعيةِ المطلوبةِ، يرونَ أنَّهُ حسنًا، هو لم يفعلْ أيَّ شيءٍ، ما لم يفعلْ أيَّ شيءٍ مخالفٍ أو مخالفةً شرعيةً كبيرةً يعني جسيمةً تدلُّ على أنَّهُ رجلٌ غيرُ سويٍّ أو غيرُ كذا.
لكنَّ النبيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ سكتَ، حتى إذا انتهى الموقفُ قالَ: ألم يكنْ فيكم رجلٌ رشيدٌ؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ، لو أشرتَ إلينا بعينِكَ. قالَ:
«ما كانَ للنبيِّ أن تكونَ لهُ خائنةُ الأعينِ»
يعني إلى هذهِ الحربِ [الدرجةِ]، هو ليسَ كسرى ولا قيصرَ ولا غيرَهما، يشيرُ بعينيهِ يعني اقتلوهُ، لا، لا يفعلُ هكذا. لقد سكتَ لأنَّهُ قد جاءَ إليهِ وشهدَ الشهادتينِ وما إلى ذلكَ، لكنَّ اللهَ أعلمُ بما في القلوبِ.
شهادة عبد الله بن أبي سرح في محمد بن أبي بكر مجروحة لأسباب سياسية
يعني شهادتُهُ [عبدِ اللهِ بنِ أبي سرحٍ] في محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ في البلدِ هكذا، شهادةٌ قد تكونُ مجروحةً.
[المذيع]: مجروحةٌ، أي نعم.
[الشيخ]: وبعدَ ذلكَ هنا أيضًا تدخلُ أمورٌ سياسيةٌ، وهي أنَّهُ قد يخافُ مثلُ عبدِ اللهِ بنِ أبي سرحٍ يخافُ من محمدِ بنِ أبي بكرٍ؛ لأنَّ هذا شابٌّ وعالمٌ ومتزوِّجٌ بنتَ كسرى، وابنٌ ورجلٌ عالمٌ كبيرٌ في المدينةِ، وربيبُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وأمُّهُ صحابيةٌ، وأبوهُ من كبارِ الصحابةِ والخليفةُ الأولُ.
يعني شيءٌ مقلقٌ بالنسبةِ لهؤلاءِ الذينَ ينظرونَ من هذهِ الناحيةِ [السياسيةِ].
شكر المذيع للشيخ على تقريب شخصية محمد بن أبي بكر وعلاقته بمصر
[المذيع]: نعم، أنا شاكرٌ جدًّا لحضرتِكَ، لقد قرَّبتَنا أكثرَ من شخصيةِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ الصحابيِّ الجليلِ أو التابعِ الجليلِ يعني الحقيقةَ. وقد عرفنا عنهُ الكثيرَ، وعرفنا أيضًا علاقتَهُ بمصرَ، فأنا شاكرٌ جدًّا لفضيلتِكَ على كلِّ هذهِ المعلوماتِ.
[الشيخ]: شكرًا لكم.
[المذيع]: شكرًا لحضرتِكَ، شكرٌ موصولٌ لحضراتِكم، إلى اللقاءِ.
دعاء سيد الاستغفار الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم
كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ، وخيرُ الخطّائينَ التوّابونَ. وعلَّمَنا سيدُنا صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ فكانَ يقولُ:
«اللهمَّ أنتَ ربِّي لا إلهَ إلّا أنتَ، خلقتَني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِكَ عليَّ وأبوءُ بذنبي، اغفرْ لي فإنَّهُ لا يغفرُ الذنوبَ إلّا أنتَ»
شكرًا لكم.
