مصاب بالصرع فهل لابد من مصارحة أهل خطيبتي؟ | أ.د علي جمعة
- •يتعلق الأمر بشاب مصاب بالصرع يتساءل عن إخفاء مرضه في خطبته الثالثة بعد فسخ خطبتين سابقتين بسبب إفصاحه عن حالته.
- •العيوب التي يجب الإفصاح عنها قبل الزواج ثلاثة أنواع: الأمراض المعدية، والأمراض العقلية كالجنون والعته، والعيوب المتعلقة بالاتصال بين الزوجين.
- •مرض الصرع لا يندرج تحت هذه العيوب لأنه لا يمنع متطلبات الزواج، فهو مجرد شرارة كهربائية زائدة في المخ تسبب الإغماء المؤقت.
- •إذا حدثت هذه العيوب الثلاثة بعد الزواج، فالزواج يبقى صحيحاً ولا يُعد تدليساً.
- •يحق للمرأة طلب الطلاق للضرر إذا ظهرت هذه العيوب بعد الزواج.
- •التشريع الإسلامي منظم وعادل يحترم العقود والأسرة ويسعى لاختيار أخف الضررين، وقواعده تمثل قواعد الإنسانية العليا.
سؤال شاب مصاب بالصرع عن إخفاء مرضه عند الخطبة
يقول: أنا شاب مصاب بالصرع، خطبت مرتين، وعندما أصارح أهل خطيبتي بمرضي يفسخون الخطبة. أنا الآن مقبل على الخطبة الثالثة ولا أنوي أن أخبرهم عن مرضي، فهل في ذلك ذنب؟
الذنب هو أن تخفي العيوب التي بسببها يُفسخ النكاح [الزواج].
العيوب التي يجب الإفصاح عنها قبل الزواج: الأمراض المعدية
وما هي هذه العيوب [التي يُفسخ بسببها النكاح]؟ قالوا: هذه العيوب تتمثل في:
أولًا: المرض المعدي؛ يجب على الشخص المصاب بالإيدز أن يقول [أي يُفصح عن مرضه]. ومرض الإيدز له أنواع، منها ما ينتقل ومنها ما لا ينتقل، لكنه معدٍ، فيجب عليه أن يخبر الآخرين.
وكذلك الأمراض الجلدية المعدية، يجب على المصاب بها أن يقول [أي يُبيّن ذلك للطرف الآخر]. فكل مرض معدٍ يجب الإخبار عنه، ولن نجلس لنرى قائمة بالأمراض المعدية، بل يمكنك معرفتها من طبيبك الخاص أو من مجلة قديمة توقفت عن الصدور الآن اسمها "الدكتور"، فاذهب يا أخي إلى هذه الكتب وراجعها.
إخفاء المرض المعدي يُعدّ تدليساً في الزواج
حسنًا، جميل، إذن يجب عليّ أن أُفصح بكل مرض معدي، وإذا لم أقل [أي لم أُخبر الطرف الآخر] فإن ذلك يُعتبر تدليسًا في الزواج.
العيب الثاني والثالث: الأمراض العقلية وخلل الاتصال بين الزوجين
ثانيًا: الأمراض العقلية كالجنون والعته؛ يجب على الطرفين أن يصارحا بعضهما، فيقول له: والله هذه الفتاة مجنونة، هل تقبلها على جنونها؟ فإن قبلها فلا بأس، وإن لم يقبلها فحسنًا. فإذا قبل وتزوجها فستكون لها كل حقوق الزواج وسيترتب عليها كل حقوق العقد.
ثالثًا: قضية الاتصال بين الزوجين [أي القدرة على المعاشرة الزوجية]؛ إذا كان فيها خلل فلا يصح الزواج [إلا بالإفصاح عنه].
الصرع وعدم الإنجاب لا يدخلان في العيوب المانعة من الزواج
وهذه الأمور الثلاثة [المرض المعدي، والمرض العقلي، وخلل الاتصال بين الزوجين] لا يدخل فيها مثلًا عدم الإنجاب؛ لأنه لا علاقة له بالزواج [كعيب يُفسخ به العقد]، فشخصان سليمان مائة بالمائة قد لا ينجبان.
أو أنه لديه حالة عصبية مثل داء الصرع؛ لأن الصرع لا يمنع من الزواج ولا من متطلباته، ولا من النفقة ولا من العمل ولا من أي شيء. إنه فقط بؤرة كهربائية زائدة في المخ تسبب له الإغماء ثم يستيقظ بعدها.
وإلا فلن يتزوج أحد، وإن شاء الله كل واحد عنده مشكلة في الأذن الوسطى أو عيناه تدمعان أو ما شابه ذلك فلن يتزوج!
حكم العيوب الثلاثة إذا حدثت بعد الزواج وليس قبله
حسنًا، السؤال: هذه الأمور الثلاثة [المرض المعدي، والمرض العقلي، وخلل الاتصال] ما يتعلق بالاتصال بين الزوجين وما يتعلق بالعقل وما يتعلق بالعدوى، افترض أنها حدثت بعد الزواج؟ قال [العلماء]: لا، لا تُفسِخ العقد.
يعني إذن ما هي [أي تبقى كما] هي إذن، ولكن لو كانت مُدلَّسة [أي مخفية] قبل الزواج، قبل الزواج قلتُ: يا جماعة أنا عندي جنون وعندي مرض معدٍ وعندي عجز، فقالوا لي: لا بأس، لن يحدث شيء، اتجنن كما تريد، فحسنًا، الزواج صحيح ولا يمكن التراجع عن الكلام بعد العقد.
حكم إخفاء العيوب الثلاثة قبل الزواج وأثره على صحة العقد
لكن لنفترض أن الفتاة أخفت حقيقة مرض من الثلاثة [المرض المعدي أو العقلي أو خلل الاتصال]، فإنها تردّ المهر ويحصل الفسخ.
لكن إذا لم تكن مريضة بهذه الأمراض الثلاثة فيبقى الزواج صحيحًا. وإذا حدثت هذه الأمراض الثلاثة بعد الزواج، فالزواج صحيح، لا يوجد تدليس ولا خداع للناس.
حق المرأة في طلب الطلاق إذا حدثت العيوب بعد الزواج
حسنًا، إذا حدثت [هذه العيوب الثلاثة] بعد الزواج وطلب أحد الطرفين - طبعًا الرجل سيطلق - فهل للمرأة أن تطلب الطلاق؟ نعم، لها أن تطلب الطلاق.
لأقل من هذا؟ ما الذي أقل من هذا؟ لا يغسل أسنانه، ولا يستعمل الفرشاة، وهي متقززة منه، وتراه أمامها مثل القرد! ماذا سنفعل؟ حسنًا، انتهى الأمر، فليطلقها القاضي لأسباب من مثل هذا.
الإسلام دين عدالة ونظام يحترم حقوق المرأة والأسرة
لأن الناس تظن أن المسلمين مجموعة من الهمج، وأنهم يُسوّدون الدنيا في وجه المرأة، وهذا ليس صحيحًا. فكل هذا دجل، كل هذا دجل.
إنما الحقيقة أننا منظمون، أي أننا نسير وفق دولة عدالة، دولة قضاء، دولة رؤية لاحترام العقود واحترام الأسرة، دولة ارتكاب أخف الضررين. نحن أناس طيبون؛ لأن قواعدنا هي قواعد الإنسانية العليا.
