مصر أرض الأنبياء الحلقة الرابعة عشر| نبي الله موسى
- •ولد نبي الله موسى عليه السلام على أرض مصر المباركة حيث أوحى الله لأمه أن تضعه في تابوت وتلقيه في اليم.
- •كان فرعون قد بدأ بقتل أطفال بني إسرائيل بسبب نبوءة أن هلاكه سيكون على يد أحدهم.
- •ألقى اليم التابوت بالساحل فالتقطه آل فرعون، وتبنته امرأة فرعون آسية بنت مزاحم التي كانت من بني إسرائيل.
- •عادت أم موسى لتكون مرضعة له في قصر فرعون، فنشأ موسى على العقيدة الصحيحة.
- •امتحن الله موسى عندما وضع جمرة وتمرة أمامه، فأخذ الجمرة مما سبب له لثغة في لسانه.
- •اختار الله موسى وكلمه وأيده في مواجهة فرعون وطلب موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون ليكون عونًا له.
- •واجه موسى فرعون وسحرته بالمعجزات التي أيده الله بها.
- •ظل موسى يخاف من فرعون رغم نشأته في قصره، بسبب طغيان فرعون وجبروته.
- •تل المسخوطة بمحافظة الإسماعيلية من المواقع المرتبطة بميلاد موسى وخروج بني إسرائيل من مصر.
مقدمة عن رحلة سيدنا موسى عليه السلام في أرض مصر المباركة
[المذيع]: أرحب بحضراتكم في محطة جديدة في مصر أرض الأنبياء، وهذه الرحلة الطويلة والممتدة للأنبياء والرسل الكرام الذين ارتبطوا بمصر.
نتحدث اليوم عن نبي وعن رسول عاش وولد في هذه الأرض الطيبة والمباركة، وخاض فيها الكثير من الجولات، وكان له تأثير كبير في مصر وفي حياة المصريين. هو كليم الله ونبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.
فعلى هذه الأرض وُلد وعاش، وعلى هذه الأرض نزل عليه الوحي ونزلت عليه الرسالة، وكلَّم الله سبحانه وتعالى، وعاش في تجربة فريدة في دعوته، وواجه فرعون مواجهة شديدة. هذه الرحلة الطويلة والمسيرة الطويلة لكليم الله سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام في مصر أرض الأنبياء.
معنى اسم موسى وعلاقته بالماء في مرتين فارقتين
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7]
موسى أو "موشي" وتعني ابن الماء؛ فقد سخَّر الله له الماء مرتين. المرة الأولى عندما ألقته أمه في التابوت فألقته في اليمّ، واليمّ هو الماء الكثير.
وفي الثانية عندما ضرب بعصاه فأنجّى بني إسرائيل من مطاردة فرعون لهم. وفي المرتين يحق لنا أن نقول إن هذا النبي العظيم هو ابن الماء، موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن حياة بني إسرائيل بين يوسف وموسى
[المذيع]: مشاهدينا الكرام، أرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من مصر أرض الأنبياء، ونستكمل الحديث مع فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، ونتحدث عن بني إسرائيل وسيرة نبي بني إسرائيل سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام. وهذه القصة الطويلة الممتدة ومحطة مهمة في هذه المحطات على أرض مصر المباركة.
فضيلة الدكتور، أهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: أهلًا بحضرتك فضيلة الدكتور. يعني حضرتك مشكورًا علَّمتنا في الحلقات السابقة عن بني إسرائيل، وكيف جاؤوا إلى مصر، وسيرة سيدنا يعقوب وسيدنا يوسف عليهم جميعًا الصلاة والسلام، إلى أن وصلنا الآن في هذه المحطة المباركة من الرسل الكرام الذين جاؤوا إلى مصر مع سيدنا موسى.
فضيلة الدكتور، إذا سمحت لي، أكرمتني أي أن تعرِّفنا من جديد كيف كانت هذه الحياة التي عاشها بنو إسرائيل في الفترة الممتدة من رحيل أو وفاة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وحتى مجيء سيدنا موسى؟
تأثير سيدنا يوسف في مصر ونسب سيدنا موسى بن عمران
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أثَّر في مصر حتى إذا هلك قالوا: لن يبعث الله من بعده رسولًا، كما ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم.
بعد ذلك أخوه لاوي خلف واليًا، إلى أن وصلنا إلى السيد عمران أبي موسى. عمران تزوج عمته وكانت تُسمى يوكاندا أو يوخاندا. فيوكاندا هذه تكون عمة عمران التي ذُكِر وصفها في القرآن الكريم بأنها أم موسى.
نعم، وأنجبوا هذا الوليد أو هذا الابن الذي هو سيدنا موسى.
عدد بني إسرائيل عند دخولهم مصر والفترة بين يوسف وموسى
بعد ذلك كان بنو إسرائيل قد دخلوا مائتي شخص، إذا كنا نتذكر ما قلناه في الحلقات السابقة أنهم كانوا مائتي شخص عندما جاؤوا مع سيدنا يعقوب إلى مصر لسيدنا يوسف.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الفترة التي ما بين سيدنا يوسف وسيدنا موسى حوالي أربعمائة سنة. يعني سيدنا يوسف كان ألفًا وستمائة قبل الميلاد، وهذا ألف ومائتان، فيكون بينهما أربعمائة سنة تقريبًا.
يعني من الممكن أن هؤلاء المائتين تكاثروا وأصبحوا سبعين ألفًا. هذا الرقم كبير جدًا على التكاثر في هذه الفترة وبهذه الطريقة، أي خمسة أجيال بالأكثر. يعني خمسة أجيال بالأكثر لا يُنتجون هذا الرقم أبدًا بالتأكيد؛ لأنهم قالوا إن الذين خرجوا مع موسى كانوا سبعين ألفًا. لا، ليس من المعقول أن يكونوا سبعين ألفًا، لا بد أن يكون الرقم أقل من ذلك بكثير جدًا، ثلاثة أو أربعة آلاف بكثيرهم.
تكبر بني إسرائيل على المصريين واستغلالهم لحماية يوسف
يعني هؤلاء الناس تكبَّروا على المصريين ورأوا أنهم أسياد؛ لأنهم داخلون في حماية العزيز رئيس الوزراء سيدنا يوسف وبإكرام الملك.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وكلمة الملك هنا التي استُعملت في سورة يوسف جعلت العلماء يقولون أن الفترة هذه هي فترة الهكسوس. وفترة الهكسوس استمرت لمدة أربعمائة سنة أيضًا.
والأربعمائة سنة التي مكث فيها الهكسوس في مصر، طردوا، الذي طاردهم أحمس. وبعد ذلك تغيرت الأشياء وتبدلت البلاد بمن عليها. يُقال لك: تغيرت البلاد بمن عليها، أي أن الأجيال ليست نفس الأجيال، والزمن ليس نفس الزمن، وبنو إسرائيل ليسوا بني إسرائيل [الأوائل]، ولا حاكم مصر هو حاكم مصر الأول الذي هو لم تكن هذه بلاده، بل كان محتلًا لها وهم الهكسوس، لكن أحمس هذه بلاده منذ القدم.
تولي فرعون الحكم والفرق بين لقب فرعون ولقب الملك
فحدث هنا أنه تولى فرعون من الفراعنة، وبدأنا هنا أن هذا فرعون كحاكم مصري. فأصل حاكم مصر المصري يُسمى فرعون، أما حاكم مصر الذي ليس مصريًا فيُسمى مَلِك أو الملِك، ولا يجري له شيء [من لقب فرعون].
كان هذا الفرعون لديه حسابات وارثها منذ زمن في موضوع حسابات النجوم وحسابات الحروف، وقد ذكرنا ربما في الحلقات التي تحدثنا فيها عن سيدنا إدريس المعلم الثاني أنه علَّمهم كيفية هذه الحسابات.
نبوءة هلاك فرعون على يد أحد بني إسرائيل وبدء ذبح الأطفال
وكان فرعون حينئذ - وقيل إنه رمسيس، وقيل إنه ابنه منفتاح، وقيل إن الاثنين هما اللذان تربى عندهما موسى؛ الذي هو رمسيس وابنه هو الذي جاء إليه موسى، يعني جعلوهما اثنين وليس واحدًا.
سمع في النبوءة أن هلاكه سيكون على يد أحد من بني إسرائيل. فبدأ فرعون في التحوط وحسب حسابه أن يقتل الأطفال الصغار ويُبقي النساء على قيد الحياة.
والشعب من بني إسرائيل كان مُستغلًا لأمور:
- أولها الاستغلال: فقد استغلوهم.
- الأمر الثاني: التكبر: فهم يتعالون عليهم.
- الأمر الثالث: أنهم يشعرون بأن هذه البلد ليست بلدهم أيضًا.
يعني فتحنا الأبواب واستقبلناهم ومكثنا أربعمائة سنة دون فائدة.
جبروت فرعون وقتل أطفال بني إسرائيل واستناده إلى الرأي العام
لا، أنا حسنة [أي أن فرعون يرى نفسه محسنًا]، وسيدة فرعون ومعه الرأي العام الذي يقف ضد بني إسرائيل، فيستطيع أن يتخلص منهم بسهولة ولن يجد معارضة شعبية. وهكذا إلى آخره، سيقول الكلام والناس ستصدقه.
فبدأ يذبح الأطفال. فإذا كانت هذه الحالة حالة اعتماد على العلم في الحصول على تنبؤ قريب مما سيحدث فعلًا، والغريب أنه حدث وفعلًا هلك فرعون، إلا أن الله غالب على أمره.
وانحراف فرعون وتكبره وأيضًا على المصريين:
﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]
﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ﴾ [الزخرف: 51]
لا، جبروت هو تجبُّر على الشعب. فبدأ يقتل الأطفال.
ولادة سيدنا موسى وإلهام الله لأمه بإلقائه في النيل
خلاص، شعب بني إسرائيل، الأطفال يُؤخذون ويُذبحون ويموتون ويختفون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
أم موسى حامل، فوضعت سيدنا موسى. من الموجود عندها؟ ابنها هارون وابنتها. فربنا سبحانه وتعالى ربط على قلبها وألهمها بإلهام مثل الإلهام الذي جاء للسيدة مريم في قضية الحمل بسيدنا عيسى.
صحيح أنها تضع الولد في سلة هكذا وتضعه في النيل وربنا ينقذه. هذه الرواية الشعبية الشائعة عندنا أن المكان الذي ثبتت فيه السلة هذه اسمه أوسكر، هنا في الصف. وأهل أوسكر، هي القرية هذه اسمها أوسكر، يقول إنه حتى الآن هنا سيدنا موسى وضعته أمه في هذا المكان.
مكان إلقاء سيدنا موسى في النيل ونجاته وهو طفل رضيع
في موقع هناك يذهب الشباب للصيد فيه وما إلى ذلك، وهناك اعتقاد وتأثير؛ لأن سيدنا موسى قُذِف في هذا المكان.
فيكون هذا مكانًا نجَّى الله فيه سيدنا موسى من كل العوارض التي اكتنفته؛ طفل صغير رضيع موضوع في سلة وفي النيل، أي أنه من المفترض أن يكون الهلاك صحيحًا [أي محققًا]، ولكن الله سيكتب له النجاة.
[المذيع]: طبعًا. حسنًا، أستأذن حضرتك بعد الفاصل لنستكمل هذا الحديث الطيب والشيق، واعتذر للمقاطعة، نستكمل هذا بعد الفاصل إن شاء الله في متسع أكبر من الوقت. أبقوا معنا.
تل المسخوطة ومدينة بر آتوم مكان ميلاد سيدنا موسى وإقامة بني إسرائيل
تل المسخوطة أو مدينة بر آتوم أي مقر عبادة الإله آتوم. هذه البقعة المقدسة التي شهدت ميلاد سيدنا موسى عليه السلام، وأُوحي إلى أمه أن تضعه في التابوت، وكان يعيش بها بنو إسرائيل.
وتُعدُّ كذلك من التلال الأثرية الهامة، حيث تُعتبر أحد أهم القرى الفرعونية القديمة في محافظة الإسماعيلية.
الآن وضعته أمه بالتابوت الذي حملته مياه النيل إلى منطقة البدرشين وتحديدًا ميت رهينة مقر قصر فرعون.
يقع تل المسخوطة في أقصى شرق مدينة التل الكبير، وهو موقع على الطريق التجاري البري الرئيسي لمصر من جهة الشرق. فيها عاش بنو إسرائيل في زمن موسى، إلى أن هاجر بهم صوب خليج السويس فرارًا من فرعون وجنوده.
لماذا لم يقتل فرعون سيدنا موسى عندما التقطه وكيف حال الله بينه وبين ذلك
[المذيع]: أرحب بحضراتكم مرة أخرى وبفضيلة العالم فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة. السؤال: عندما التقطوا [سيدنا موسى]، لماذا لم يقتلوه فرعون؟ فأنا لو كنت مكان فرعون وقتها سأقول إنه شخص من بني إسرائيل خائف على ابنه، ولكي لا يُذبح وضعه في نهر جارٍ لعله ينجو. بعد ذلك فالسؤال: لماذا لم يذبحوه؟
[الشيخ]: الإجابة الدقيقة على هذا موجودة في قوله تعالى:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
الله يعني هنا حتى لو قلبه يريد [القتل]، هو خائف، يريد أن يقتل أي طفل، هنا ربنا حال بينهما.
آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ودورها في إنقاذ سيدنا موسى
كانت هناك امرأة غاية في الجمال من بني إسرائيل اسمها آسية بنت مزاحم، آسية امرأة فرعون. آسية بنت مزاحم تزوجها فرعون ولم يُنجب منها، وكان عنده ستة وتسعين ولدًا، فلم يُنجب من آسية، لكنه كان يحبها حبًا عظيمًا.
فقالت له: لا، إلا هذا [الطفل]، أنا أحبه وأريده أن يبقى ويتربى عندنا هنا في البيت ويصبح ابني.
لماذا؟ لأن آسية امرأة فرعون هي أصلًا من بني إسرائيل، هي أصلًا من بني إسرائيل، وهي لا تعرف موسى [بعينه]، هي ترى طفلًا بالضبط، والطفل مُلقى في البحر.
أسباب عدم اعتراض فرعون على تبني موسى وتدبير الله لحفظه
إذن يصبح:
- أولًا: فرعون لن يعترض اعتراضًا تامًا؛ لأنه ليس مؤكدًا أنه من بني إسرائيل.
- ثانيًا: زوجته التي يحبها تريده.
- ثالثًا: المرأة ليس لديها ولد.
فهو كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه أن الأمر بيد الله سبحانه. ولذلك:
﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ [طه: 38-39]
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [طه: 39-41]
توكل أم موسى على الله وعودة الطفل إليها عبر تدبير إلهي
في هذه القصة أم موسى تتوكل على الله وتلقي الولد في التابوت في اليمّ، فيلقيه اليمّ بالساحل، فيأخذه عدوه وعدو له وهو لا يعرفه، وهو لا يعرفه أيضًا.
مرة موسى وهو صغير هكذا، كان في يديه قطعة عصا أو قطعة حديدة أو نحو ذلك، فضرب فرعون. فهاج فرعون وقال: لا بد أن أقتل هذا الصبي! أتنتبه؟ هذه علامة.
وكان فرعون يقتل بالنظرة، يعني هو والحاشية التي معه يفعل لهم هكذا فقط. يعني ماذا؟ يومئ بالنظرة فقط، تُسمى خائنة الأعين. فخائنة الأعين هذه تعني أنه يقول له: اقتله، فيقتلونه فورًا. ليس بعد أن يقول له اقتله باللفظ، بل بالعين.
حكمة آسية في إنقاذ موسى من فرعون باختبار الجمرة والتمرة
فقال له [فرعون]: هذا يجب أن يُقتل، لقد ضربني! فالسيدة آسية قالت له: إنه طفل صغير لا يعرف شيئًا. أحضِر جمرة وأحضِر تمرة وانظر ماذا سيأخذ.
فأخذ [موسى] الجمرة، فأصبح في لسانه لُثغة هكذا. لا أعرف ماذا [يعني قوله]:
﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾ [القصص: 34]
لأنه لم تكن هذه الجمرة [لتحدث لولا هذا الاختبار]. قالت له: انظر كيف فعل [إنه طفل لا يميز]. فرعون تركه؛ لأنه يحبه.
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]
أصبح فرعون الذي يقتل بالنظرة ما زال يجري هذا الحوار مع موسى، وهو تأكد تمامًا: أهذا سيظهر الذي سيقتله والذي سيفعله وما إلى آخره؟
معاملة فرعون لموسى كابن وتربيته في القصر رغم الشك
يا بني، أخبره بأنه يقول لموسى هكذا: يا بني، لا عليك، استحِ قليلًا، إنني أنا مربيك. هل أنت تحب الله أم ماذا؟ ويحنّ قلبه.
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: 18-19]
هذه عشرة [سنوات]. ارجع قليلًا، أصبح وهذا وما أدري ماذا يعني. إذا لم يكن هو [الذي في النبوءة]، هذه لهجة فرعون: أليست هذه؟
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
أليست هي؟ عليه السلام ولكم الاسم.
هل كان سيدنا موسى يعرف أمه الحقيقية وأن فرعون ليس أباه
[المذيع]: حسنًا، في الحقيقة، هل كان سيدنا موسى يعرف أمه الحقيقية التي هي يوكاندا أو يوخاندا؟ وهل كان يعلم أن فرعون هذا ليس أباه؟ والآن آسية ليست أمه.
[الشيخ]: بدون شك أنه كان يعرف؛ لأنه عندما سأل ربنا سبحانه وتعالى فأرسل إلى هارون. عرف أن هارون أخوه، من أين سيعرف أن هذا أخوه وهذه أخته؟ فلا بد أنه كان يعرف أنها أمه، ويعرف أن آسية هي من تبنَّته وما إلى ذلك.
لكن القضية هي أن السيدة أم موسى أصبحت عائشةً في قصر فرعون، هي المربية، هي المرضعة، هي التي نشأ موسى على يديها. فنشأ مؤمنًا وتعلَّم ما عليه بنو إسرائيل.
تربية موسى على العقيدة الصحيحة بين أمه الحقيقية وآسية من بني إسرائيل
آسية من بني إسرائيل كما ذكرنا. فإذا الأمين [أي الأمان]، الأم البديلة التي هي آسية، والأم الحقيقية التي هي يوخاندا، الاثنتان من بني إسرائيل. ولذلك فهو تربى صحيحًا وتربى على عقيدة صحيحة.
الذي غاب من المشهد كله أبوه.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: لا يوجد أي ذكر؛ لأن أباه انتقل [إلى رحمة الله].
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كان قد مات، كان قد مات. ولذلك لا يُذكر أنه آمن به أو لم يؤمن به، ولا أنه هجر معه، ولا دخل معه في حوارات، ولا أي شيء.
إكرام الله لسيدنا موسى بتربية القصور والتربية الإيمانية معاً
لكن ربنا سبحانه وتعالى أكرم هذا النبي، أكرمه طفلًا وتربى في هذا الجو من العلم، الجو من التربية الصحيحة عند الأم الصحيحة، الجو من أنه تربى عزيز النفس.
ولذلك عندما يقولون:
﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: 18-19]
فهم يمدحونه؛ لأن هذه تربية القصور، وفي نفس الوقت التربية الإيمانية التي جاءت على يد أمه وعلى يد آسية.
آسية امرأة فرعون المؤمنة التي اشتكت فرعون لربها
طيب، آسية امرأة فرعون كانت من الناجيات والتي قالت:
﴿رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ﴾ [التحريم: 11]
فآسية هذه مؤمنة وكانت تحت سلطان فرعون، لا تستطيع أن تذهب ولا تجيء، ولكن بالرغم من ذلك لم تترك إيمانها واشتكت فرعون لربها سبحانه وتعالى.
تفسير لثغة سيدنا موسى بسبب الجمرة وأنه كان طفلاً لا يميز
[المذيع]: فضيلة الدكتور، أيضًا في جزئية مهمة بالفعل، تفسير فضيلتك أشكرك في ردك عليه أنه فسَّر لي فكرة:
﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾ [القصص: 34]
فذلك بسبب الجمرة التي سيدنا موسى - هو سيرته التي سيدنا موسى - أخذها فيما بيننا؛ لأنه لم يفرِّق بين التمرة والجمرة، وهذا مؤكد أنه طفل صغير، فلا يحتاج هذه العقوبة القاسية التي تكون في مقابل أنه ضربه بقضيب الحديد الذي كان في يديه.
نظرة سيدنا موسى إلى فرعون وخوفه الشديد من طغيانه وجبروته
[المذيع]: فضيلة الدكتور، ما فكرة تعامل أو نظرة سيدنا موسى إلى فرعون؟ يعني هل في الكتاب وهل في السيرة مثلًا أو في الأحاديث النبوية - عفوًا - وهل في الكتب القديمة، ما هي أقوال العلماء، كيف كان ينظر سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام إلى فرعون، إلى هذا الرجل، إلى هذه الطاغية، خاصة أنه كان في بيته وأنه كان يحبه؟
[الشيخ]: كان فرعون يحب سيدنا موسى، لكن انظر إلى النظرة العكسية من سيدنا موسى، كيف كانت؟ كان خائفًا منه خوفًا شديدًا؛ لأنه كان يرى طغيانه والجبروت والقتل بالنظرة إلى آخر هذا الجو الإرهابي الذي كان فرعون يعيش فيه نفسه وحاشيته وشعبه.
فقد كان خائفًا منه، ولم تكن تعرف له [أي أمانًا].
[المذيع]: أجل.
[الشيخ]: كان خائفًا منه، ولذلك استنجد بهارون.
الغريب في قصة موسى أن هارون لم ينطق بكلمة واحدة سوى عند العجل
والغريب في كل قصة موسى من أولها إلى آخرها أن هارون لم ينطق بكلمة واحدة سوى ساعة العجل.
ولكن لا يوجد، ما هي ليست مجرد نطق. فموسى يقول لربنا: أرسل هارون ليكون ماذا بالضبط؟ ساعدي الأيمن ودرعي ومعي ويقوم بهذه المساعدة.
حسنًا، أرسلنا إلى هارون. وبعد ذلك أتياه فقالا، يقول [موسى]: نعم، حسنًا، أنا رسول رب العالمين. لا يوجد أي شيء يفيد أن هارون قال أي شيء، لم يقل شيئًا، أي شيء.
[المذيع]: صحيح.
تثبيت الله لقلب موسى ومواجهته للسحر رغم خوفه الداخلي
وأخرج ربنا سبحانه وتعالى، ثبَّت قلب موسى وجعله يتحدث، وجعله يجادل، وجعله يقول ويُعيد، وجعله يواجه السحر.
لكن في داخله خائف، في داخله الخوف، في داخله خائف. هل أنت منتبه؟ تربية. قالوا:
﴿لَا تَخَفْ﴾ [طه: 68]
نعم:
﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَـٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 67-69]
فموسى ماذا معه؟ التأييد [الإلهي].
﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]
فقد انتهى الأمر تمامًا.
مكانة موسى عند الله أعلى من هارون رغم استعانته به وتفضيل الرسل بعضهم على بعض
فهو وإن استعان بهارون إلا أن الله أراه أنه ليس في حاجة إلى هذه الاستعانة، وأنه كليم الله، وأنه أعلى من سيدنا هارون عند الله.
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]
[المذيع]: طيب، أشكر فضيلتك شكرًا جزيلًا. في الحلقة القادمة إن شاء الله لي سؤال مرتبط بهذه الجزئية: هل لولا دعوة سيدنا موسى إلى الله سبحانه وتعالى أن أرسل إلى هارون، لولا هذه الدعوة لم يكن سيدنا هارون ليكون رسولًا أو نبيًا؟
أرجو الإجابة في الحلقة القادمة إن شاء الله. شكرًا جزيلًا لفضيلتكم، وشكر موصول لحضراتكم، وإلى اللقاء.
