مكونات العقل المسلم | 13 | اللغة | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 13 | اللغة | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • العقل المسلم يهتم باللغة، ويفرق بين قداسة اللغة واللغة المقدسة، فاللغة المقدسة هي التي كُتب بها نص إلهي كالعبرية والآرامية والعربية.
  • انقسم العرب إلى عاربة بائدة ومستعربة، ولهم قبائل ولهجات متعددة، وقد جمع المسلمون هذه اللغات في سياق واحد دون تمييز.
  • نتج عن هذا الجمع ظاهرتا الاشتراك (كلمة واحدة بمعانٍ متعددة) والترادف (معنى واحد بكلمات متعددة).
  • خدم المسلمون اللغة العربية بوضع المعاجم وحصر حروفها في ثمانية وعشرين حرفاً، وميزوا بين المستعمل والمهمل من الكلمات.
  • تمتلك العربية ثمانين ألف جذر، استخدم القرآن منها نحو 1820 جذراً (2%)، والسنة نحو ثلاثة آلاف جذر (4%).
  • اللغة العربية ومفهومها ودلالات ألفاظها وخصائصها مكون أساسي من مكونات العقل المسلم، يفهم بها المصادر والتراث ويدعو بها الناس.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

اهتمام العقل المسلم باللغة والتفريق بين اللغة المقدسة وقداسة اللغة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

من مكونات العقل المسلم اهتمامه اهتمامًا بليغًا باللغة، وأنه يفرق بين قداسة اللغة وبين اللغة المقدسة. اللغة المقدسة عنده هي اللغة التي كُتب بها نصٌّ إلهي وكتابٌ رباني.

ولذلك فسنعتبر اللغة العبرية مثلًا التي كُتبت بها التوراة التي أنزلها الله على سيدنا موسى، أو السريانية الآرامية التي أنزل الله بها الإنجيل على سيدنا عيسى، أو العربية التي نزل بها القرآن الكريم، هي لغة مقدسة.

وإذا اعتبرنا أن الفيدا إنما هو كتابٌ قد نزل أيضًا وأن أصابه شيءٌ عبر التاريخ، فتصبح اللغة السنسكريتية أيضًا هي من اللغة المقدسة. فاللغة المقدسة هي التي كُتِبَ بها النص المقدس عند أتباعه والمؤمنين به.

الفرق بين قداسة اللغة واللغة المقدسة وموقف العلماء من تطوير اللغة

قداسة اللغة أمرٌ آخر؛ هل اللغة لها قداسة بحيث أننا لا يجوز لنا أن ندخل فيها شيئًا أو أن نطور فيها قواعد معينة؟ هذا أمرٌ آخر له مذاهبه وله خطواته وله آراؤه، وليس هو مرادنا الآن.

مرادنا هو اللغة المقدسة وأنها مكونٌ من مكونات العقل المسلم.

أقسام العرب بين العاربة البائدة والمستعربة وتفرعاتهم القبلية

لغة العرب كانت لغة واسعة كبيرة، والعرب ينقسمون إلى قسمين: عرب عاربة بائدة، وعرب مستعربة.

العرب البائدة منهم جديس ومنهم طسم ومنهم جرهم، وهي قبائل قديمة جدًا موغلة في القدم لها لغة. والمستعربة منهم العدنانيون ومنهم القحطانيون، وكلُّ واحدٍ منهما له استعمالاتٌ معينة.

وتنقسم هذه الفروع إلى شُعَب، والشُّعَب إلى قبائل، والقبيلة إلى بطون، والبطون إلى أفخاذ، وهكذا؛ يعني هناك تقسيمات في هذا المجال. العرب قبائلها كثيرة ولهجاتها كثيرة.

منهج المسلمين في جمع لغة العرب من جميع القبائل دون تمييز

ولمّا جاء المسلمون جمعوا لغة العرب جمعًا واحدًا من غير تمييز بين قبيلة وأخرى. وسبب ذلك أنهم لو كانوا جمعوا كلام كل قبيلة على حدة لطال الأمر هذه أولًا، ولتكرر في كثير جدًا من المشتركات بين القبائل.

ولذلك تعاملوا مع القبائل العربية كلها كشيء واحد وإن اختلفت اللهجات وإن اختلفت الدلالات.

ظاهرة الاشتراك اللفظي في اللغة العربية وأمثلتها من كلمة العين

فظهرت بعض الظواهر في لغة العرب، منها الاشتراك؛ أن تكون الكلمة واحدة ولها معانٍ متعددة. فكلمة "العين" مثلًا معناها الجاسوس، ومعناها العين التي نُبصر بها، ومعناها حرف الهجاء، ومعناها الذهب، ومعناها الفضة، ومعناها الشمس، ومعناها البئر؛ لها معانٍ كثيرة.

فهذه كلمة واحدة ولها معانٍ كثيرة. ظهر هذا الاشتراك لأن الجامعين للغة جمعوا القبائل كلها ولغة القبائل كلهم في سياق واحد.

ولذلك وجدوا العين هنا بمعنى الجاسوس، والعين هنا بمعنى البئر، والعين هنا بمعنى الجارحة المبصرة، والعين هنا بمعنى الحرف، والعين هنا بمعنى الشمس، إلى آخره.

ظاهرة الترادف في اللغة العربية وكتاب الفيروزآبادي في هذا الباب

وجدوا ظاهرة أخرى وهي ظاهرة الترادف؛ أن معنى واحدًا يكون له عدة كلمات. فهناك سيف والمهند واليماني والحسام والبتار وأشياء كثيرة للسيف، حتى قيل إن الأسد أطلقوا عليه سبعمائة اسم.

وجاء الفيروزآبادي وأشار إلى هذه الحقيقة وهي حقيقة الترادف، فألَّف كتابًا أسماه "الروض المألوف فيما له اسمان أو ثلاثة في لغة العرب إلى ألوف"؛ يعني هناك أشياء لها آلاف من الأسماء، وضربوا مثلًا بقصة الأسد الذي له نحو سبعمائة اسم، وقيل ألف.

بعضهم أنكر وقال: الأسد في لغة العرب هو الأسد والبقية هذه إما أن تكون أسماء أشخاص؛ كان يكون هناك أسدٌ معين اسمه كذا أو زهبر أو الأشاوس أو غير ذلك، أو أن تكون صفات للأسد، فكلمة سبع وناهد مثلًا من أسماء الأسد.

نشأة ظاهرة الترادف بسبب جمع لغات القبائل العربية معًا

إذن فنحن أمام ظاهرة تسمى بظاهرة الترادف، والتي نشأت لأن جامعي اللغة العربية جمعوا لغات القبائل كلها على حدٍّ سواء مع بعض، توفيرًا للوقت ومنعًا للتكرار.

خدمة المسلمين للغة العربية بوضع المعاجم وحصر الجذور اللغوية

لغة العرب تُعد من مكونات العقل المسلم، ولذلك نرى المسلمين وقد خدموها خدمة كبيرة جدًا؛ خدموها فوضعوا المعاجم، وهذه المعاجم تحصر الكلمات.

حتى أنهم حصروا الحروف العربية فوجدوها ثمانية وعشرين حرفًا، ووجدوا الكلمة العربية مبناها ثلاثة أحرف. إذن فسوف نكون من الثمانية والعشرين حرفًا شيء يعني حوالي خمسمائة مليون كلمة مثلًا أو كذا إلى آخره بالتباديل والتوافيق، نجدها أنه رقم كبير جدًا.

ثم بعد ذلك رأيناهم قد وجدوا اللغة العربية لا تزيد في جذورها عن ثمانين ألف جذر، وبقية الخمسمائة مليون هذه كلها مهملة. فقسموا الكلمة العربية إلى مستعمل ومهمل؛ أي ثلاثة حروف يمكن أن نبين منها ما المستعمل وما المهمل، قد تكون كلها مهملة وقد يكون بعضها مهملًا وبعضها مستعملًا.

مثال تطبيقي على المستعمل والمهمل من حروف الهاء والراء والجيم

فلو أننا مثلًا كان عندنا الهاء والراء والجيم، فأحد الاحتمالات أن أنتقي أي الحروف وكيف ترتيبها: هرج أي هـ ر ج، ثم رهج، ثم جهر، ثم جره. هذه ليست مستعملة [أي جره]، لكن جهر وهجر ورهج وهرج كلها مستعملة.

والاحتمالان الأخيران [غير المستعملين]؛ لأن كل ثلاثة حروف يمكن أن نصنع منهم ست كلمات، فـ"جره" هذه غير مستعملة، حسنًا، و"رجه"؛ إذن يكون المستعمل خمسة وغير المستعمل واحد في هذه الكلمة مثلًا.

العلاقة المعنوية بين الألفاظ المكونة من نفس الحروف بترتيب مختلف

وجدوا أن هناك ارتباطًا بين هذه الألفاظ المكونة من الحروف بغض النظر عن ترتيبها. فما العلاقة بين الجهر والهجر وهاجر وجهر وبين رهج وبين هرج؟ الحركة.

تجد في كل هذه حركة؛ الهجرة خروجٌ من المكان وانتقالٌ وحركة إلى مكان آخر، والرهج تحرك النار وهي مشتعلة يمينًا ويسارًا من الرياح، والجهر تحرك الصوت وطبقات الصوت وطبقات الهواء التي يسير فيها الصوت.

وهكذا وجدوا أو أوجدوا معنى ما بين كل الحروف التي تكونت منها العربية، وبينوا المهمل والمستعمل فيها.

الخليل بن أحمد رائد علم المعجم العربي وكتابه العين

وأول من التفت إلى هذا [المنهج في تصنيف الألفاظ العربية] كان الخليل بن أحمد في كتابه "العين"، ثم بعد ذلك جاء من بعده وساروا على منواله ونقحوا هذه المسألة.

نسبة الجذور اللغوية المستعملة في القرآن والسنة من لغة العرب

في الثمانين ألف جذر [التي تمثل جذور] لغة العرب، ثمانين ألف جذر، ولكن الموجود منها في القرآن مائة ألف وثمانمائة جذر فقط؛ ألف وثمانمائة وعشرين جذرًا. ألف وثمانمائة على ثمانين ألف جذر، أي لا تتعدى اثنين في المائة؛ اثنين وقليل في المائة.

القرآن الكريم استعمل من لغة العرب اثنين في المائة فقط، استعمل اثنين في المائة فقط من لغة العرب.

والقرآن الكريم استعمل هذا [القدر]، والسنة استعملت من لغة العرب ثلاثة آلاف جذر؛ يعني أربعة في المائة من لغة العرب تقريبًا.

اللغة المقدسة ثلاثة آلاف جذر وبقية اللغة قابلة للتطوير والاستيعاب

إذن، بقية اللغة أين هي؟ تخدم هذا المعنى [معنى النص المقدس]، لكن اللغة المقدسة هي ثلاثة آلاف جذر فقط، والبقية هي لغة قابلة للتطوير وقابلة للتخييل وقابلة للاستعمال وقابلة لأن تستوعب كل جهة.

اللغة العربية مكون أساسي من مكونات العقل المسلم لفهم المصادر والتراث

اللغة العربية ومفهومها ودلالات ألفاظها وخصائصها هي من مكونات العقل المسلم؛ حيث أنه يفهم بها المصادر، ويدعو بها الناس، ويفهم بها التراث، وهي مكونٌ أساسي من مكونات العقل.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.