مكونات العقل المسلم | 15 | مراعاة المقاصد | أ.د علي جمعة
- •المقاصد الشرعية من المكونات الأساسية للعقل المسلم، وهي ما يقصده الشارع من المكلفين.
- •مقاصد الخالق من خلق الإنسان تشمل العبادة والعمارة والخلافة في الأرض وتزكية النفس والأخلاق الكريمة.
- •اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالأخلاق، وأكرم ابنة حاتم الطائي لكرم أبيها رغم كفره.
- •مقاصد التشريع للمكلفين خمسة وهي: حفظ النفس، ثم حفظ العقل، ثم حفظ الدين، ثم حفظ الكرامة الإنسانية، ثم حفظ الملك.
- •تمثل هذه المقاصد النظام العام الذي يحكم الدولة الإسلامية ويندرج تحته المسلم وغير المسلم.
- •الحضارة الإسلامية قبلت تحتها المسلمين وغير المسلمين، وتؤمن بالتعددية دون إكراه في الدين.
- •حفظ النفس يأتي أولاً لأنه بدونه لا يمكن توجيه الخطاب للإنسان.
- •حفظ العقل مهم لأنه مناط التكليف، ويليه حفظ الدين وصون الكرامة الإنسانية واحترام الملكية.
مقدمة حول مكونات العقل المسلم ومراعاة المقاصد الشرعية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مكونات العقل المسلم: من ضمن هذه المكونات التي راعاها المسلمون وحافظوا عليها واهتموا بها وألّفوا فيها ودرسوها ودرَّسوها، ما يُسمى بـمراعاة المقاصد الشرعية.
بحث المسلمون في كل الشرائع، خاصةً في شريعة الإسلام، بحثوا عن مقصد الشرع؛ وهو ما يقصده الشارع ويريده من المكلفين. ووجدوا أن هناك مقاصد عليا أرادها الشرع.
المقاصد العليا للخالق: العبادة والعمارة وتزكية النفس
أراد [الله] منا عبادة الله؛
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
فأصبح هذا من مقاصد الإله في خلق الكون؛ خلق الكون لهدف معين وغاية معينة.
قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
أي طلب منكم عمارها. إذن طلب منا العبادة وطلب منا العمارة.
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
طلب منا أن نزكي أنفسنا وأمرنا بالأخلاق الكريمة، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
اهتمام النبي بالأخلاق وقصة إكرامه لابنة حاتم الطائي
وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتم بالأخلاق اهتمامًا بليغًا، حتى أننا رأينا أنه يكرم ابنة حاتم الطائي وقال لها:
«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»
فطمعت البنت فقالت: أهو في الجنة يا رسول الله؟ قال:
«هو في النار، إنما كان يفعل ذلك لسمعة يتسمّعها»
فرسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم ابنة حاتم من أجل كرم أبيها الكافر. قضية النار بيد الله لا علاقة لنا بها، وإنما نحن هنا في الدنيا نحب الأخلاق الكريمة التي منها الكرم.
حب الأخلاق العظيمة ومقصد تزكية النفس وتحليتها بكل جميل
نحب هذه الأخلاق العظيمة التي منها الحب والرحمة.
قال رسول الله ﷺ: «إنما أنا رحمة مُهداة»
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
إلى آخر ما هنالك من مقصد تزكية النفس؛ تخليتها من كل قبيح وتحليتها بكل صحيح، حتى يتجلى الله سبحانه وتعالى في قلب المؤمن الذي هو محل نظر الله.
قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم»
فالقلب محل نظر الله سبحانه وتعالى.
مقاصد المكلفين الخمسة: حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك
إذا رأينا مقاصد الخالق، فما هي مقاصد المكلف؟ بالاستقراء والتتبع [للتشريع] وجدنا أن تلك المقاصد هي:
- حفظ النفس
- حفظ العقل
- حفظ الدين
- حفظ كرامة الإنسان
- حفظ مِلك الإنسان
تقديم حفظ النفس على حفظ الدين خلافاً لترتيب الإمام الشاطبي
حفظ النفس رتّبناه أولًا بالرغم من أن الإمام الشاطبي رتّبه بعد ذلك؛ فيقول هو حفظ الدين أول شيء. لأنه في الحقيقة رأينا في الحفاظ على هذه المقاصد نوعًا من أنواع الالتزام بالنظام العام الذي أقرّه كل العقلاء عبر التاريخ وإلى يومنا هذا.
والنظام العام يجعل ليس المسلم فقط هو الذي يلتزم بتلك المقاصد، بل إن العالمين يجب أن يلتزموا بتلك المقاصد.
المقاصد الشرعية مظلة إنسانية تشمل المسلم وغير المسلم في الدولة الإسلامية
ولذلك فإذا ما جئنا في دولتنا وقلنا إنها دولة إسلامية، فإن النظام العام الذي يحكم هذه الدولة الإسلامية يندرج تحته المسلم وغير المسلم.
ولا يجد غير المسلم حينئذ، إذا ما فهم أن هذه المقاصد التي هي مظلة الإنسانية كلها، لا يجد غضاضة في أن يكون مندرجًا تحت الحضارة الإسلامية.
الحضارة الإسلامية قبلت التعددية الدينية وأسست لها بصحيفة المدينة
الحضارة الإسلامية قبلت تحتها المسلمين وغير المسلمين، قبلت تحتها المسيحيين واليهود والمجوس وأصحاب الكتب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنهم:
«سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»
لماذا قبل الإسلام أن يكون تحت رعايته أو تحت مواطنته أنواع مختلفة من البشر؟ فلما دخل النبي المدينة وسيطر عليها وأصبح حاكمها، أنشأ معاهدة بينه وبين اليهود في صحيفة المدينة.
إيمان الإسلام بالتعددية الدينية والفرق بين حضارة الإسلام ودين الإسلام
إذن هو [الإسلام] يؤمن، هذا الإسلام يؤمن بالتعددية.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
إلى آخر ما هنالك.
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
ليس هناك إكراه، ولكن يُقبَل بالتعددية. لماذا؟ لأن السقف هو حضارة الإسلام وليس هو دين الإسلام الذي هو إقامة شعيرة الصلاة والصيام. لا نُكرِه الناس على هذا.
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]
المقاصد الشرعية الخمسة تمثل النظام العام وحضارة الإسلام الجامعة
ولكن حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ كرامة الإنسان، وحفظ مِلك الإنسان، هي التي تمثل المقاصد الشرعية من ناحية للمكلفين.
وأيضًا من ناحية أخرى هي تمثل النظام العام، وأيضًا تمثل من ناحية ثالثة حضارة الإسلام التي يندرج تحتها التعدد من الأجناس ومن الأديان ومن المذاهب.
تقديم حفظ النفس في ترتيب المقاصد لأنها أساس التكليف والخطاب الشرعي
وهكذا فكان لزامًا علينا أن نرتب المقاصد ترتيبًا آخر؛ أي أن نُظهر هذا المعنى وهذا الترتيب في حفظ النفس، إذ إن الله أمرنا بحفظ النفس حتى تكون هي البداية.
لأنه لو هلكت النفس فكيف يتوجه إليها الخطاب بالعبادة وبالعمارة وبتزكية النفس إذا كانت قد هلكت ودُمرت وذهبت؟
وحفظ النفس مقصد من مقاصد الشريعة حتى ندعوه [الإنسان] بعد ذلك؛ يؤمن أو يكفر، يصلح أو يفسد، هذا له شأن آخر. لكن لا بد من حفظ النفس. حرّم الله سبحانه وتعالى القتل والإجهاض والإفساد في الأرض بغير الحق.
حفظ العقل مناط التكليف وضرورة تعليمه وتوجيهه
حفظ العقل: بعد أن نحفظ النفس، لا بد علينا أن نحفظ العقل؛ لأن العقل هو مناط التكليف، وليس هناك خطاب إلا إذا كان العقل واعيًا. فحرّم الله علينا الخمر وحرّم كذا [كل ما يُذهب العقل].
لكن أيضًا لا بد علينا من أن نعلّم هذا العقل ونعرّفه كيف يفهم وكيف يدرك الشريعة ويدرك الواقع ويعمر الأرض ويزكي النفس ويستعمل هذا العقل في مكانه.
العقل مهم الحفاظ عليه حتى يأتيه التكليف؛ لأنه مناط التكليف.
حفظ الدين بمعناه الحضاري العام وبمعناه الخاص عند المسلمين
القضية الثالثة بعد ذلك: حفظ الدين كدين. فلا بد علينا أن نحترم الدين وأن نحترم هذا الشيء الذي خلقه الله لنا كمنهاج وشريعة لنا.
إذن حفظ الدين هنا هو حفظ الدين على الإنسانية، وهذا هو المعنى الحضاري. أما بالنسبة للمسلمين فحفظ دينهم معناه حفظ الإسلام الذي يرون أنه هو دين الحق، وأنه لا بد منه، وهو سبب خلاصهم أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ [آل عمران: 19]
صحيح أن أتباع الأديان يعتقدون أن دينهم هو الذي سيخلصهم أمام الله سبحانه وتعالى.
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
كل شخص في يوم القيامة سينبئنا بما كنا فيه نختلف وبما كنا نعمل. موعدنا في هذا يوم القيامة، لكن الذي يجتمع عليه البشر أنه ينبغي أن يكون في النظام العام احترام لحرية العقيدة التي نُعبِّر عنها بالدين.
حفظ كرامة الإنسان وتحريم التعذيب والإهانة
القضية الرابعة هي قضية الكرامة الإنسانية؛ فممنوع إطلاقًا قضية التعذيب. تعذيب الإنسان ممنوع إطلاقًا، وقضية إهانة الإنسان إلى آخره [من صور انتهاك الكرامة].
حفظ ملك الإنسان وحرمة الاعتداء عليه واتفاق العقلاء على ذلك
القضية التي بعد ذلك هي مِلك الإنسان، والمِلك هنا محترم ومعتبر وينبغي علينا أن نحترمه. مِلك الإنسان ولا نغتصب منه ملكه أبدًا.
وهذا جزء لا يتجزأ من كل شريعة أرسلها الله سبحانه وتعالى، وهذا مما يتفق عليه العقلاء أيضًا عبر التاريخ. وأي نُظم شمولية رفضت هذا المعنى فإنها لم تستمر وانهارت، ولم تصلح في الأرض ولم يكن لها أي مقام محمود عند الله سبحانه وتعالى وعند الناس.
مراعاة المقاصد الشرعية مكون أساسي من مكونات العقل المسلم
فإن مراعاة المقاصد الشرعية هي عبارة عن مكوّن أساسي من مكونات العقل المسلم.
إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
