مكونات العقل المسلم | 17 | المقاصد | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 17 | المقاصد | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • استخلص الفقهاء المسلمون القواعد الكلية الفقهية الكبرى من خلال البحث في كتاب الله وسنة نبيه، وهي جزء من عقلية المسلم.
  • الأمور بمقاصدها: ينبغي إخلاص النية لله، وهذا مستمد من حديث "إنما الأعمال بالنيات" الذي يدخل في أكثر من سبعين باباً من أبواب الفقه.
  • الضرر يُزال: الشريعة تمنع إيقاع الضرر وتثيب على إزالته، كما في حديث "لا ضرر ولا ضرار".
  • المشقة تجلب التيسير: الشريعة السمحاء تفتح أبواب اليسر، والنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
  • اليقين لا يزول بالشك: يبني المسلم قراراته على اليقين دون الالتفات للشكوك، مما يخلق نفسية قوية غير متأثرة بالوسوسة.
  • العادة محكمة: مراعاة العرف الصحيح من سمات الشريعة، وهذا مستنبط من قوله تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف".
  • هذه القواعد الخمس مشتركة بين جميع المذاهب الإسلامية وليست خاصة بمذهب معين.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة عن جهود الفقهاء المسلمين في استخلاص القواعد الكلية الفقهية الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

بذل الفقهاء المسلمون وهم يبحثون عن منهج الله سبحانه وتعالى في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، بذلوا جهدًا كبيرًا وهم يستخلصون المنهج المبثوث بالشريعة كسريان الماء في الورد، وجلسوا السنين الطوال يحاولون استنباط ما أسموه بـالقواعد الكلية الفقهية الكبرى.

ورأينا أن هذه القواعد هي جزء لا يتجزأ من عقلية المسلم.

القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها وضرورة إخلاص النية لله رب العالمين

هذه القواعد تقول أولًا: الأمور بمقاصدها، أي أن الإنسان لا بد له من أن يخلص النية لله رب العالمين، وأن يحرر المقصد، وأن البشر جميعًا لا بد أن يتوجهوا بأعمالهم إلى الله.

وذلك أن الله باقٍ وأن هذه الحياة الدنيا زائلة، وأن الدنيا تحتاج لعمارتها إلى التراكم، وحتى يستطيع الإنسان أن يراكم عبر العصور شيئًا فشيئًا فإنه يجب أن يكون ذلك لله وبالله؛ لأنه إذا خُلِّيَ الإنسان مع نفسه فإنه يريد أن يفعل لنفسه فقط ولمصلحته فقط دون مصلحة أبنائه وأحفاده وأحفاد أحفاده ممن لم يرهم.

فطر الله الإنسان على هذا الشأن من ناحية، وأمره شرعًا بهذا التراكم، وأمره شرعًا بأن يجعل شيئًا لله.

حديث إنما الأعمال بالنيات وأهميته في استخلاص قاعدة الأمور بمقاصدها

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

وكان هذا الحديث هو العمدة لاستخلاص هذه القاعدة التي نراها وهي مبثوثة في أكثر من سبعين بابًا من أبواب الفقه الإسلامي: الأمور بمقاصدها، الأعمال بالنيات.

ونرى الإمام البخاري وقد صدّرها في صدر صحيحه، ونرى الإمام النووي وقد اختار الأحاديث الأربعين التي بُنِيَ عليها الإسلام أو قيل فيها إنها قد بُنِيَ عليها الإسلام، يجعل «إنما الأعمال بالنيات» أول حديث في هذا المقام.

أقوال السيوطي والفضيل بن عياض في شرط الإخلاص والصواب لقبول العمل

ونرى السيوطي في الأشباه والنظائر وهو يقول إن هذا الحديث يدخل في أكثر من سبعين بابًا من أبواب الفقه.

ونرى الفضيل بن عياض وهو يقول: لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب؛ أما الإخلاص فـ«إنما الأعمال بالنيات»، وأما الصواب فـ«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

فينبغي أن يكون العمل حتى يقبله الله سبحانه وتعالى مخلص النية، وأن يكون على نمط ما أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس خارجًا عن ذلك.

الأمور بمقاصدها قاعدة كبرى، لكنها مع ذلك هي واحدة من الخمس الكبار.

القاعدة الثانية: الضرر يُزال وأدلتها من السنة النبوية الشريفة

القاعدة الثانية: الضرر يُزال، فمتتبع الشريعة يرى أنها تزيل كل ضرر، وكما أنها لا تقبل أيضًا أن يوقع الإنسان الضرر بغيره، فقد أثابت كل من يزيل الضرر وعاقبت كل من يوقع الضرر.

فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»

ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «الحياء بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس»

إزالة الضرر، فما بالك بمن يضر ويوقع الأذى في طريق الناس!

حكم تلويث الأماكن العامة وقول الإمام النووي بتحريم ذلك لورود اللعن

قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:

قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الملاعن الثلاثة»

إذن هذه مواطن أمرنا بتنزيهها ونظافتها حتى لا يلعننا الله ولا يلعننا الناس.

حتى إن الإمام النووي يقول: ومقتضى لفظ الحديث أن ذلك حرام؛ لأن كثيرًا من الناس قالوا أن تلويث الماء الراكد أو ظل الناس أو طريق الناس بالنجاسات أو بالأذية هو يعني مكروه، لكن الإمام النووي يقول هو حرام؛ لأن ورد فيه لعن، واللعن هذا قد يكون لعن الناس وقد يكون لعن الله سبحانه وتعالى، وكلاهما يفر منه المؤمن.

إذن الضرر يُزال، قاعدة ثانية.

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير وأدلتها من القرآن والسنة

القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير، قال تعالى:

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا يُغلب عُسرٌ يُسرين»

لأن العُسر تكرر ولكن تكرر معه اليُسران [أي أن اليسر ذُكر مرتين في الآية بينما العسر واحد].

رأينا الشريعة السمحاء وهي تفتح بابها بكل يُسر، فما خُيِّر النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وسُميت بـالحنيفية السمحاء.

القاعدة الرابعة: اليقين لا يزال بالشك وتطبيقها في الصلاة والوضوء

قاعدة رابعة وهي: اليقين لا يزال بالشك، ولذلك رأينا النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «إذا أحس أحدكم في صلاته بأنه قد خرج منه شيء فلا ينصرفنّ من صلاته حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»

يعني يصل إلى مرحلة اليقين، حيث إن الشك ليس بقادر في عقل المسلم وفي مكوناته.

ومبثوث ذلك في كل فروع الشريعة، واستنبط ذلك العلماء الفقهاء من مجمل الشريعة ومن كل فرع فيها، فإنهم استنبطوا بأن اليقين عند الله وفي مكون عقل المسلم لا يزول بالشك.

أثر قاعدة اليقين لا يزال بالشك في بناء نفسية المؤمن القوي

إذن هذه نفس قوية؛ لأن الشك لا يتلاعب بها، ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تقل إذا أصابك شيء لو كنت أفعل لكان كذا وكذا، بل قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»

توكل على الله، ثقة بالله، تسليم ورضا بأمر الله سبحانه وتعالى، فتح صفحة جديدة، استمرار في العمل، قوة في الإيمان الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم علامة الخيرية عند الله سبحانه وتعالى.

إذن اليقين لا يزال بالشك، يحدث نفسية قوية لا تلتفت إلى الشك. نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسواس في الوضوء وفي الصلاة وفي سائر أعمالنا أيضًا.

القاعدة الخامسة: العادة محكمة واعتبار العرف في الشريعة الإسلامية

العادة محكمة، قال تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. تأسس منها ومن غيرها وفي مجمل الشريعة وفي كل فروعها أن العرف معتبر، وأن المؤمن لا يخالف الناس في دائرة المباح، وأن المؤمن يراعي أوضاع الناس الاجتماعية والعرفية.

ولذلك فإن العادة محكمة، ولذلك نرى ابن مسعود يقول: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.

حديث الاقتداء بسنة الخلفاء الراشدين واعتبار العرف الصحيح في الشريعة

ونرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»

أمرنا أن نأخذ بأعراف وتصرفات وأفعال بل وأحكام الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، والمسلمون أسموا عمر بن عبد العزيز بالخليفة الراشد الخامس، وعمر مات في سنة مائة وواحد [من الهجرة].

إذن فهذا معناه أن كل عرف صحيح هو معتبر في الشريعة.

القواعد الخمس الكبرى مشتركة بين جميع المذاهب الفقهية الإسلامية

وهكذا عقل المسلم. جمع أحدهم هذه الخمسة في أبيات نسبها للإمام الشافعي، ولكن نسب هذه القواعد لمذهب الإمام الشافعي، ولكن في الحقيقة هي موجودة في كل المذاهب:

  • ضرر يُزال
  • وعادة قد حُكِّمت
  • وكذا المشقة تجلب التيسير
  • والشك لا ترفع به متيقنًا
  • وخلوص نية إن أردت أجور

خمس محررة، قواعد مذهبي للشافعي بها تكون بصيرًا.

انتقال القواعد الفقهية الكبرى بين العلماء والمذاهب عبر التاريخ الإسلامي

والحقيقة أن هذه القواعد موجودة في كل مذهب، ولذلك رأينا أن مَن ألّف في تلك القواعد كـابن السبكي وابن الوكيل ثم السيوطي، أخذ كلامهم ابن نجيم ورأيناه يختصر أشباه السيوطي في كتابه [الأشباه والنظائر] أيضًا.

ويأتي ابن عابدين الحنفي وابن نجيم كان حنفيًا أيضًا، فيتكلم على هذه القواعد التي أقرها ابن نجيم آخذًا من الإمام السيوطي الشافعي. وهكذا نرى أن هذه القواعد إنما هي قواعد لكل المذاهب.

الدعوة إلى التوقف عند كل قاعدة من القواعد الخمس لفهم تفكير العلماء المسلمين

بل هو الأحسن أن نقف عند كل واحدة من هذه الخمس [القواعد الفقهية الكبرى] حتى نرى كيف كان يفكر العلماء المسلمون.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.