مكونات العقل المسلم | 18 | الأمور بمقاصدها | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 18 | الأمور بمقاصدها | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • القواعد الخمس الكبرى للفقه الإسلامي هي: الأمور بمقاصدها، الضرر يزال، المشقة تجلب التيسير، العادة محكمة، واليقين لا يزول بالشك.
  • تفرعت هذه القواعد إلى نحو خمسين قاعدة فقهية، ثم إلى مائتي قاعدة شاملة لكل أبواب الفقه.
  • يفرق العلماء بين القاعدة والضابط؛ فالقاعدة أمر كلي يشمل أحكام جزئيات من أبواب متعددة، أما الضابط فيختص بمسألة معينة تحتها صور كثيرة.
  • قاعدة "الأمور بمقاصدها" مأخوذة من حديث "إنما الأعمال بالنيات" وتظهر في أكثر من سبعين باباً فقهياً.
  • النية لغةً هي القصد، وشرعاً قصد الشيء مقترناً بأول فعله غالباً، ومحلها القلب.
  • للنية أحكام سبعة: حقيقتها، حكمها، محلها، زمنها، كيفيتها، شرطها، ومقصودها.
  • من شروط النية الإسلام والعقل، فلا تصح من كافر أو مجنون أو نائم.
  • تؤثر قاعدة "الأمور بمقاصدها" في سلوك المسلم واستنباط فقهه وفهمه للمصادر الشرعية.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة ومراجعة القواعد الخمس الكبرى للفقه الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع مكونات العقل المسلم، تكلمنا بصورة إجمالية في حلقة سابقة عن القواعد الخمس الكبرى للفقه الإسلامي، هذه القواعد التي لُخِّصت في قول الناظم:

ضررٌ يُزال، عادةٌ قد حُكِّمت، وكذا المشقة تجلب التيسير، والشك لا ترفع به متيقنًا، وخلوص نية إن أردت أجورًا.

وعبّرنا عنها بأنها: الأمور بمقاصدها، الضرر يُزال، المشقة تجلب التيسير، العادة محكّمة، وهكذا من صياغات تكلم عنها الفقهاء الخمسة الكبار.

تفرع القواعد الخمس الكبرى إلى قواعد فرعية شاملة لأبواب الفقه

هذه [القواعد الخمس الكبرى] تفرعت إلى نحو خمسين قاعدة فقهية من هذه الخمس الكبار، والقواعد الفقهية الخمسون تفرّع كل واحدة منها إلى قواعد أقل منها في التفريع، وصلوا إلى مائتي قاعدة.

وهذه القواعد شاملة لكل الأبواب: لكتاب الصلاة، والزكاة، والصيام، والبيع، والنكاح، والجهاد، والقضاء، والشهادات، والعلاقات الدولية إلى آخره.

الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي عند العلماء

ثم رأينا أن كل باب قد اختص بقاعدة خاصة به هو، ولذلك يفرق العلماء بين القواعد والضوابط.

فالقاعدة: أمر كلي يشتمل على أحكام جزئياته غالبًا، ولكن الضابط: أمر كلي نعم، وهو يشتمل على صور فرعية، يعني الضابط إنما يكون في مسألة معينة تحته صور كثيرة، ولكن القاعدة تحتها فروع كثيرة؛ بعضها من القاعدة، وبعضها مستثنى من القاعدة، وبعضها قد خرج عن مفهوم القاعدة لقاعدة أخرى، وهكذا.

قاعدة الأمور بمقاصدها ومأخذها من حديث إنما الأعمال بالنيات

أول هذه القواعد: الأمور بمقاصدها، ومبنى هذه القاعدة ومأخذها قوله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

والنية أمر نراه في أكثر من سبعين بابًا من أبواب الفقه.

النية ركن من أركان الوضوء ومحلها القلب عند غسل الوجه

من هذه الأبواب كتاب الطهارة، فنرى النية وهي ركن من أركان الوضوء؛ فإذا أراد الإنسان أن يتوضأ لا بد عليه أن ينوي رفع الحدث.

وهذه النية تكون في أول العمل، وأول الوضوء هو غسل الوجه، هذا أول الفروض. ولذلك فالنية هنا ينبغي أن تقترن في القلب، ومحل النية القلب مع غسل الوجه.

نغسل أيدينا، نتمضمض، نستنشق، ولكن النية ينبغي أن تكون مع غسل الوجه؛ يجوز أن تكون من أول الوضوء ولكن تُستصحب في القلب إلى غسل الوجه.

النية في الصلاة واستحضارها عند تكبيرة الإحرام وتحديد نوع الصلاة

النية في الصلاة: أول الصلاة تكبير الله أكبر، فعندما يلفظ اللسان "الله أكبر" ينبغي على القلب أن يكون مستحضرًا للنية.

ماذا يصلي؟ أيصلي الفجر أو يصلي الظهر، أو أنه يصلي الفرض، أو أنه يصلي النفل، أو أنه يصلي سنة من السنن، أو أنه يصلي قضاءً عليه، أو أنه يصلي أداءً عليه.

ولذلك ولأن الصلاة قد ترددت بين الفرض والنفل، وبين الأداء والقضاء، وبين السنة والنافلة، وهكذا؛ احتاجت إلى نية تفرق بين كل هذه الصور.

النية في الزكاة والحج والتفريق بين الفريضة والنافلة

في الزكاة لا بد عليه وهو يخرج المال أن ينوي أن هذه الزكاة [المفروضة عليه].

الحج لا بد عليه أن يفرق بين حج الفريضة وبين حج النافلة، بين العمرة وبين الحج، وهكذا أبدًا.

نرى أن الإنسان يحتاج إلى النية في مواقف كثيرة؛ منها العبادات ومنها المعاملات.

النية في الطلاق والفرق بين الألفاظ الصريحة وألفاظ الكناية

النية نلجأ إليها في الطلاق مثلًا؛ فهناك ما يسمى بـالألفاظ الصريحة وهناك ما يسمى بـألفاظ الكناية، وألفاظ الكناية تحتاج إلى نية [لتحديد مراد المتكلم].

تعريف النية لغة وشرعًا وقيد غالبًا بسبب نية الصيام

النية في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد الشيء مقترنًا بأول فعله غالبًا. قصد الشيء كالصلاة والوضوء والحج والعمرة مقترنًا بأول فعله.

ثم جئنا وقلنا غالبًا، لماذا غالبًا؟ لماذا لا يكون دائمًا؟ لأن الصوم يتعذر أن نبدأ فيه النية مع الخيط الأول للفجر، ولذلك فنحن نبدأه بالليل.

وكان مشايخنا يعلموننا أن نقول: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، نويت صيام غد من رمضان، ونحن في الإفطار؛ لأن هذا محله الليل.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «من لم يُجمع النية بالليل فلا صيام له»

فأنا الآن نويت ولكن قبل الفجر، فيبقى إذا جئنا بقيد غالبًا؛ لأن في بعض الصور ومنها هذا [الصيام] نجد أنها في بداية العمل متعذرة، ولذلك نقدمها قبل بداية العمل.

الأحكام السبعة للنية من حقيقة وحكم ومحل وزمن وكيفية وشرط ومقصود

النية لها ما يسمى بـالأحكام السبعة:

  1. تعريف النية لغةً: القصد، وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بأول فعله غالبًا.
  2. محل النية: القلب.
  3. مقصود النية: لا بد أن تكون خالصة لوجه الله تعالى.
  4. حكم النية: أنها واجبة غالبًا.
  5. زمن النية: أول الفعل غالبًا.

وهكذا فإن النية لها تفصيل يعيشه المسلم في مكون عقله حتى يحرر الأمور بمقاصدها، وهي القاعدة الأولى من تلك القواعد الخمس.

كيفية النية وشرط موافقة العمل للنية مع مثال صلاة الجمعة

هذه يسمونها الأحكام السبعة للنية: حقيقة، حكم، محل، زمن، كيفية، شرط، ومقصود حسن.

حقيقة النية تكلمنا عنه، حكم النية تكلمنا عنه، زمن النية تكلمنا عنه، محل النية تكلمنا عنه.

كيفية النية: وفي الكيفية يقولون لا بد أن يكون العمل موافقًا للنية؛ فإذا نويت أن أصلي أربع ركعات فلا يجوز إذن أن أصلي ركعتين، أو إذا نويت أن أصلي ركعتين لا يجوز أن أصلي أربعًا غالبًا.

لأنه في بعض الأحيان اضطر اضطرارًا إلى هذا، مثل ما دخلت في صلاة الجمعة وأنا لا أعرف هل هم في السجدة الأخيرة أو أنهم في سجدة الركعة الأولى، فأنوي الجمعة وأكتشف أن الإمام قد سلّم، فإذا كنا قد انتهينا من الركعتين فاتت عليّ الجمعة ولا بد أن أصلي بدلها ظهرًا، فنويت الجمعة وصليت الظهر، لكن هذه حالة لا تتكرر، ولذلك قلنا غالبًا.

شرط النية الإسلام وبطلان عبادة الكافر لفقدان شرط النية

حقيقة، حكم، محل، وزمن، كيفية، شرط: شرط النية الإسلام؛ فالنية لا تصح من الكافر، ولذلك الكافر ليس مخاطبًا بفروع الشريعة.

فلو توضأ وصلى وصام وحج وهو على كفره، لا يقبل الله منه هذا، وهذه الأعمال باطلة لغو.

لماذا؟ لأن النية فقدت شرطها، وشرطها هو الإسلام.

شرط العقل في النية وعدم وقوع طلاق النائم والمجنون

شرط النية أيضًا أن تصدر من العاقل؛ فليس هناك نية للطفل غير المميز، وليس هناك نية للمجنون والمعتوه، وليس هناك نية للنائم.

ولذلك من المسائل الطريفة الظريفة أن رجلًا وهو نائم طلّق زوجته، لا يقع الطلاق، لماذا؟ لأنه افتقد النية لأنه نائم، والنائم غير مكلف، ولذلك افتقد [النية بسبب فقدان] العقل الذي هو شرط من شروط التكليف وشرط من شروط النية: أن يكون من مسلم، أن يكون من عاقل، وهكذا.

حكم طلاق السكران ومن كان تحت المخدر وخلاف العلماء في ذلك

فإذن هذا الذي تكلم بهذا [بالطلاق] وهو في البنج تحت المخدر، أو تكلم بهذا وهو في النوم، فإنه لا يقع طلاقه.

لماذا؟ لأنه افتقد شيئًا مهمًا وهو العقل.

أما الذي تعدّى بالسكر فهذا له حكم آخر؛ يقول عنه الإمام الشافعي أن تعديه بالسكر أدخله في تحمّل مسئولية ما يفعل، فلو أنه باع بيته لأقررناه، ولو أنه طلّق زوجته لاعتبرناه وطلّقناه.

ولكن ليس كل الأئمة توافق الإمام الشافعي على هذا المنحى؛ فإنهم يقولون أن العقل مطلوب في قضية النية، ولذلك فإن طلاق السكران وهذيان من كان تحت المخدر وكلام النائم لا يُعتد به مطلقًا.

خاتمة الحلقة وأثر قاعدة الأمور بمقاصدها في حياة المسلم

الأمور بمقاصدها من مكونات عقل المسلم، وهي تؤثر في سلوكياته، تؤثر في استنباط فقهه، تؤثر في فهمه للمصادر الشرعية، بل وفي سيره في الحياة.

إلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.