مكونات العقل المسلم | 19 | الضرر يزال | أ.د علي جمعة
- •القاعدة الثانية من القواعد الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي هي "الضرر يُزال"، وأساسها حديث "لا ضرر ولا ضرار".
- •تعني هذه القاعدة ألا يضر الإنسان نفسه ولا غيره، ويشمل ذلك البشر والحيوان والنبات والجماد.
- •المسلم يتفاعل مع الكون الذي يسبح بحمد الله، وقد أمرنا النبي ﷺ بالرحمة بالحيوان ونهى عن الإسراف.
- •تفرعت من هذه القاعدة قواعد أخرى مثل: "الضرورات تبيح المحظورات" التي تطبق عند خشية الهلاك.
- •"ارتكاب أخف الضررين واجب" عند الاختيار بين ضررين لا مفر من أحدهما.
- •"الضرورة تُقدَّر بقدرها" حيث تزول الإباحة الاستثنائية بزوال الضرورة.
- •العصر الحالي يسمى "عصر الضرورة" لكثرة الحاجات والضرورات التي تؤثر في اختيارات المسلم الفقهية.
- •فهم هذه القواعد يساعد المسلم على العيش في أي مكان وحضارة دون مشكلات أو خلافات.
مقدمة في القاعدة الثانية من القواعد الفقهية الكبرى: الضرر يُزال
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع مكونات العقل المسلم نقف عند القاعدة الثانية من القواعد الخمس الكبرى التي استنبطها الفقهاء من مُجمل الشريعة، ومن تتبعهم لمئات الفروع في الفقه الإسلامي المستنبط من المجتهدين العظام من الكتاب والسنة.
وهذه القواعد كما قلنا: الأولى الأمور بمقاصدها، والقاعدة الثانية الضرر يُزال. ومبنى هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»
ومعنى الحديث أنه ينبغي ألا تضر نفسك وألا توقع الضرر بغيرك.
شمولية منع الضرر في الشريعة للإنسان والحيوان والنبات والجماد
ومن هنا أمرنا الشرع بكل الوسائل وفي كل فروعه ألا نضر بالناس أجمعين، بمسلمهم وغير مسلمهم، حتى أن تعدّى الأمر إلى عالم الحيوان، حتى أنه تعدّى إلى عالم النبات، بل إلى الجماد. نحن مأمورون بألا نوقع الضرر بشيء مما حولنا.
عقيدة المسلم مبناها كمكوّن عقلي أيضًا من مكونات العقل المسلم، أن هذا الكون الذي حولنا يسبح؛
قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
فالمؤمن يرى نفسه متفاعلًا مع الكون ولذلك لا يؤذيه.
النهي عن الإسراف في الماء وتعامل النبي مع الكائنات بالرحمة
والنبي صلى الله عليه وسلم رأى سعدًا وهو يستعمل ماءً كثيرًا في الوضوء، فقال له:
قال رسول الله ﷺ: «لا تُسرِف»، قال [سعد]: أفي الوضوء سرفٌ يا رسول الله؟ قال: «ولو كنت على نهرٍ جارٍ»
المسلم لا يؤذي شيئًا في الكون، ولذلك تراه وهو يحب الكائنات ويشعر أنها تسبح ربها معه وأنها تسجد لله رب العالمين معه.
هذا الشعور يؤيده كل شيء أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما اشتكى له الجمل في البستان أن صاحبه يجيعه وأنه يضربه وأنه يحمله ما لا طاقة له به.
رحمة النبي بالجمل ومسحه دمعته وأمره بحسن معاملة الحيوان
فرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلوم الشاب صاحب الجمل ويأمره أن يخفف عنه وألا يضربه، وأن يعامله معاملة حسنة وأن يطعمه.
والنبي صلى الله عليه وسلم أزال ذَفَرة، يعني أزال دمعة من هذا الجمل ومسح خلف أذنه، مما يدل على أننا أُمرنا بهذه الرحمة.
دخول النار بسبب هرة ودخول الجنة بسبب سقي كلب عطشان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقابل يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ودخلت امرأة الجنة في كلبٍ وجدته عطشان فسقته، فغفر الله لها فأدخلها الجنة»
إذن، أُمِرنا ألا نوقع الضرر بأحد.
حديث التقاء المسلمين بسيفيهما ومشروعية القصاص لإزالة الضرر
حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قالوا: هذا شأن القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «كان حريصًا على أن يقتل صاحبه»
النبي صلى الله عليه وسلم، كما ورد في القرآن، جعل لنا من القصاص حياة، وذلك أن الضرر يُزال، وجعل الحرمات قصاصًا، وجعل الجروح قصاصًا.
ولذلك تكونت هذه القاعدة: الضرر يُزال من مُجمل الشريعة.
قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وتعريف الضرورة والحاجة عند الفقهاء
وكما قلنا أن الفقهاء عندما استنبطوا القواعد الخمس الكبرى فإنهم فرّعوها إلى قواعد أخرى. فهذه القاعدة مثلًا من ضمن الفروع التي تفرعت منها: الضرورات تبيح المحظورات.
وجدوا قوله تعالى:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
فاتخذوها كأنها قاعدة وجعلوا الضرورات تبيح المحظورات: تتبعوا الشرع فوجدوا أن الشرع قد حرَّم علينا محرمات، لكنه عند الضرورة فإنه يبيحها.
والضرورة في تعريف الفقهاء: ما إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. والحاجة: إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة بليغة، ولكن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. عامة يعني إزالة هذه الضرورة من على المسلمين، أو خاصةً يعني إزالتها من مجموعة أو شخص أو طائفة أو فئة معينة.
قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب وتطبيقها في الموازنة بين المفاسد
الضرر يُزال تولدت منها الضرورات تبيح المحظورات، وتولدت منها قاعدة ارتكاب أخف الضررين واجب.
فإذا فعل الإنسان فعلًا سيترتب عليه ضرر، وإذا امتنع عن هذا الفعل سيترتب عليه ضرر آخر، فماذا نفعل؟ نقيس الأضرار ونفعل أخفُّ الضررين حتى لا نقع في أشد المفسدتين، وهذا يناسب عصرنا الذي نعيش فيه.
تطبيق قاعدة ارتكاب أخف الضررين على مسألة الدفن في أرض مصر
في قضية الدفن أرشدتنا الشريعة إلى اللحد والشق، ولكن أرض مصر قد تخلل فيها النيل عبر العصور، فإذا ما حاولنا أن ننشئ شقًا أو لحدًا وجدنا أن ذلك متعذر لوجود المياه، وكأننا سنلقي الجثمان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى في الماء.
فاخترع المصريون هذه الطريقة (الفساقي) أو الحجر التي هي للدفن، من أجل أن يصدوا عن الجثمان هذا النشع أو هذا الرشح أو هذه المياه. إما أن يفعلوا هذا وإما أن يهينوا موتاهم.
ارتكاب أخف الضررين واجب، والضرر يزال، والضرورات تبيح المحظورات.
تسمية العصر الحالي بعصر الضرورة وأثر ذلك في الاختيار الفقهي
ولذلك سمّوا العصر الذي نحن فيه من كثرة هذه الأمثلة عصر الضرورة، وهذا يؤثر في اختيار المسلم الفقهي ويؤثر في حياة المسلم اليومية.
وارتكاب أخف الضررين يعني قاعدة مهمة وهي متولدة من تلك القاعدة الأم: الضرر يزال.
قاعدة الضرورة تُقدَّر بقدرها ومثال إباحة أكل الميتة عند الاضطرار
أيضًا من هذه القواعد التي تولدت من كلمة الضرر يزال بالإضافة إلى الضرورات تبيح المحظورات، وارتكاب أخف الضررين واجب: الضرورة تُقدَّر بقدرها.
أي أنهم ضربوا مثالًا للميتة التي أباح الله لنا أكلها عند الضرورة، ولكنها ليست إباحة مطلقة، بل لسد الرمق والتقوي على ما نحن فيه من ضرورة، وتعود الأمور بعد ذلك إلى الحرمة.
مثال لوح الخشب المغصوب في السفينة وتطبيق قاعدة أخف الضررين
يقولون أن شخصًا اغتصب لوح خشب ووضعه في سفينته، ثم إنه تاب وهو في وسط البحر ويريد أن يتخلص من هذا اللوح الخشبي حتى يرده إلى صاحبه.
فإذا نزع لوح الخشب غرقت السفينة وما فيها من بشر وما فيها من بضائع. إذن واجب عليه أن ينتظر حتى يصل إلى الشاطئ، ثم بعد ذلك ينزع لوح الخشب ويعطيه للآخر.
مثال خيط الجراحة المغصوب وحكم إبقائه في الجرح لدفع الضرر الأكبر
شخص اغتصب خيط جراحة وخاط به جرحًا، وبعد ما خاط به جرحًا تاب فأراد أن يرفع هذا الخيط حتى يرده لصاحبه. أبدًا لا يصلح، لا يجوز.
ارتكاب أخف الضررين واجب؛ لا بد عليه أن يترك هذا [الخيط] في جرحه وأن يعوض صاحبه ثمنه إن أمكن. لكن كونه الآن بين ضررين: ضرر النزع وضرر العدوان مرة أخرى، وهو إذا استمر استمر في الغصب، وإذا رَدَّ يصبح كأنه أوقع الضرر مرة أخرى على الطرف الآخر.
ولذلك يُخرِجنا الفقه الإسلامي من هذه الحيرة بتلك القاعدة ومن هذه الفروع.
ملخص القواعد المتفرعة من قاعدة الضرر يُزال وضرورة تقدير الضرورة بقدرها
فيقول هذا المقال: الضرورات تبيح المحظورات، والضرر يُزال، وارتكاب أخف الضررين واجب، والضرورة تُقدَّر بقدرها.
فلا بد علينا أنْ نقدّر الضرورة؛ نحن أصبحنا في عصر الضرورات وفي عصر الحاجات.
عصرنا ليس عصر ورع وأجر العامل فيه كأجر خمسين من الصحابة
ولذلك قالوا عن عصرنا أنه ليس بعصر ورع؛ كانت الصحابة تترك سبعين بابًا من أبواب الحلال حتى لا تقع في باب من أبواب الحرام. هذا متعذّر في هذا العصر، وإنما الأعمال بالنيات.
وعلى ذلك يصدق علينا قول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «أجر العامل فيهم كأجر خمسين منكم»، قالوا: منّا أم منهم يا رسول الله؟ قال: «بل منكم، فإنكم تجدون عونًا على الخير وهم لا يجدون»
أهمية استيعاب القواعد الفقهية لتمكين المسلم من العيش في كل عصر ومكان
وصلنا إلى هذا العصر الذي نحتاج فيه مرة أخرى إلى التنبه لتلك القواعد التي تكوّن العقل المسلم، من أجل أن يوجد المسلم في كل الحضارات وفي كل الأرض وفي كل مكان، وأن يعيش العصر من غير مشكلات ومن غير أيضًا إرهاق ومن غير خلاف.
فإنه إذا استوعب تلك القواعد وتلك المكونات وتلك المقدمات وتلك المبادئ وتلك المنطلقات، فإنه سيرى نفسه يطبقها من غير عناء ومن غير عنت يوقع فيه نفسه.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
