مكونات العقل المسلم | 21 | العادة محكمة | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 21 | العادة محكمة | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • "العادة محكمة" قاعدة فقهية عظيمة مبنية على قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.
  • تمثل هذه القاعدة منهج حياة ومكوناً أساسياً من مكونات العقل المسلم في التعامل مع المجتمعات المختلفة.
  • قدم النبي صلى الله عليه وسلم أربعة نماذج للتعايش: في مكة حيث تعايش مع المشركين رغم الاضطهاد، والهجرة إلى الحبشة حيث عاش المسلمون في كنف ملك نصراني عادل.
  • النموذج الثالث في المدينة مع اليهود والمشركين والمنافقين، وفق صحيفة المدينة التي نظمت العلاقات بين المكونات المختلفة.
  • النموذج الرابع بعد جلاء اليهود بسبب خيانتهم العهد.
  • ويتجلى تطبيق هذه القاعدة في صلح الحديبية حيث قبل النبي تغيير "بسم الله الرحمن الرحيم" إلى "باسمك اللهم" ومحو "رسول الله" من الوثيقة.
  • هذه القاعدة لا تقتصر على الأحوال الشخصية فقط، بل تشمل المفاوضات والمعاهدات والتعايش مع الآخرين وطرق الحوار.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

قاعدة العادة محكمة من القواعد الفقهية الخمس الكبرى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

من مكونات العقل المسلم التي يتعامل بها مع الحياة أن العادة محكّمة، وهي قاعدة فقهية عظيمة من القواعد الخمس الكبار:

  1. الضرر يُزال.
  2. العادة قد حُكّمت.
  3. المشقة تجلب التيسير.
  4. الشك لا يُرفع به متيقَّن.
  5. خلوص النية إن أردت أجورًا.

هذه الخمسة، منها: العادة محكّمة، والعادة محكّمة مبنية على قوله تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نأخذ بالعرف السائد.

تعليم النبي ﷺ كيفية تعايش المسلم في وسط مختلف يحارب الإسلام

هذا الكلام في الحقيقة تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبدع ما يكون، عندما ضرب لنا [أمثلة عملية في] كيف يعيش المسلم في وسط مختلف تمام الاختلاف بعضه عن بعض.

كيف يعيش المسلم وهو في بلد يكره الإسلام والمسلمين؟ علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يعيش المسلم وهو في بلد يكره الإسلام والمسلمين ويحارب الإسلام والمسلمين، ويخالف في نُظمه ومناهجه وتعليمه وتعليماته وحياته الإسلامَ والمسلمين، كما كان المسلمون في مكة المكرمة في وسط المشركين.

تعايش النبي ﷺ في مكة مع المشركين وصلاته في المسجد الحرام بين الأصنام

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد الحرام ويصلي فيه، وكان في المسجد الحرام أكثر من ثلاثمائة وستين صنمًا. إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعايش، وهذا أمر مهم يُؤخذ من تلك القاعدة [قاعدة العادة محكّمة].

كيف يتعايش المؤمن مع هذا الوسط الذي يحاربه ويكرهه ويلفظه؟ بل ويعذّب بلالًا وعمارًا ويقتل سميّة وياسرًا. كل هذا الحال ما الذي حدث فيه؟ حدث فيه أنه [النبي ﷺ] قال لخبّاب:

قال رسول الله ﷺ: «ألا إني رسول الله ولينصرنّي الله، حتى تسير الظعينة -يعني المسافرة- من مكة إلى الحيرة لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها، ولينصرنّي الله. ولقد كان من كان قبلكم يُؤتى بأحدهم فيُوضع المنشار في مفرق رأسه يُنشر ما بين جلده وعظمه، لا يردّه ذلك عن أمر دينه شيئًا»

هجرة الأمن إلى الحبشة وتعليم النبي ﷺ قيمة احترام العدل حيثما كان

تعايش [المسلمون] في مكة، [و] لمّا اشتدّ البلاء كانت هناك صورة أخرى من صور كيفية التعايش، تمثّلت في أمره ﷺ لهجرة الأمن. والهجرة نوعان: هجرة أمن وهجرة إيمان.

هجرة الأمن كانت إلى الحبشة؛ أمر [النبي ﷺ] أصحابه أن يهاجروا إلى الحبشة فهاجروا إليها عبر الفترة والعهد المكي مرتين: الهجرة الأولى والهجرة الثانية. وكان دفع النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن قال لهم:

قال رسول الله ﷺ: «إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد»

هذا الملك لم يكن مسلمًا، كان النجاشي وكان على الدين النصراني، لكنه كان عادلًا. وهنا يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيمة مهمة في مجال العادة محكّمة، وهي أننا نحترم العدل حيثما كان، ونحترم الكرم حيثما كان، ونحافظ على ذلك مع كل أحد.

الأمر بالعدل حتى مع الأعداء والنهي عن شهادة الزور

قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، يحب العادلين. ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بألّا نشهد شهادة الزور ولو لصالح من نحبّ، وقال إنها من أكبر الكبائر، وكان متكئًا فقام وقال:

قال رسول الله ﷺ: «ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور»

إلى آخر ما هنالك من هذا المعنى.

نموذج المسلمين في الحبشة وفهمهم لمعنى المواطنة والتعايش

من معيشة المسلم في وسط الأعراف التي تمثّل دائرة وإن لم تكن دائرة إسلامية، إلا أنها في وضع مكة في دولة تحارب الإسلام والمسلمين، وفي وضع الحبشة في دولة تبنّت الإسلام وسمحت له بالمعيشة ولم تؤمن به.

ولذلك نرى المسلمين في الحبشة وقد عرضوا على النجاشي أن يشتركوا معه في الجيش ويحاربوا تحت لوائه عدوّه، وكان ابن عمّ له يقاتله. وحينئذٍ رفض النجاشي [مشاركتهم]، فانتظروا نتيجة المعركة، فلمّا رأوا النصر للنجاشي هلّلوا وكبّروا وأظهروا الفرح فرحًا شديدًا من قلوبهم.

إذن هؤلاء [الصحابة] فهموا معنى المواطنة، وفهموا معنى أن العادة محكّمة، وفهموا معنى التعايش وكيف يعيش المسلم في دولة غير إسلامية أو في جوّ غير إسلامي.

النموذج الثالث: صحيفة المدينة والتعايش مع اليهود والمشركين والمنافقين

عندما حلّ النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وكان هذا هو النموذج الثالث بكيفية أن العادة محكّمة، صَنع مع اليهود [معاهدة]. وُجد في المدينة مشركون، ووُجد في المدينة منافقون، ووُجد في المدينة يهود، ووُجد في المدينة مسلمون، وأصبحت السلطة له صلى الله عليه وسلم.

إلا أنه عاهد اليهود في صحيفة المدينة، وجاءت فيها مفاهيم التعايش والأخذ بالأعراف والجوار وحسن الجوار. صحيفة المدينة ينبغي أن تُدرس تحت كلمة العادة محكّمة.

العادة محكمة منهج حياة شامل وليست مقتصرة على الفقهيات فقط

إن العادة محكّمة ليست فقط الأخذ بالعرف في الزواج والطلاق والقائمة والمقدّم والمؤخّر وما إلى ذلك، أو في الأحوال الشخصية، أو في الشهادات، أو في الألفاظ والأيمان. أبدًا! العادة محكّمة هي منهج حياة ومكوّن أساسي.

رأيناه أيضًا بصورة مختلفة حينئذٍ حيث أن الحكومة إسلامية ولكن الشعب متعدد الديانات في المدينة أولًا. والنموذج الرابع في المدينة أخيرًا بعد جلاء اليهود بعد خيانتهم؛ بنو قريظة خانوا وبنو قينقاع خانوا وهكذا، فأجلى هؤلاء وحكمَ قضائيًا على أولئك.

أربعة نماذج نبوية تفصيلية لتطبيق قاعدة العادة محكمة عبر القرون

ولكن القضية هي: كيف يعيش المسلم في العالم؟ عنده أربعة نماذج من أجل أن يطبّق من خلالها بصورة تفصيلية. وترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التفصيل في سيرته وفي سنّته بصورة لافتة للنظر، وبصورة تفصيلية تصلح لبناء الأحكام عليها عبر القرون، ولبناء مناهج الحياة عليها عبر القرون.

هذه النماذج الأربعة التي تركها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن ندرجها أثناء شرحنا لمكوّن من أهم مكونات العقل المسلم وعنوانه العادة محكّمة، يعني:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

فنحن الآن أمام هذا المكوّن الذي ينبغي علينا أن نحسن استعماله وأن نعي عمقه في كل شيء.

درس التفاوض في الحديبية وتطبيق قاعدة العادة محكمة في السياسة

يؤيّد هذا ويرشّحه ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلّمنا التفاوض في الحديبية. درس كبير ينبغي أن نقف عنده، وهو يقول لسهيل بن عمرو وهو يكتب صحيفة المعاهدة من أجل أن يُحيّد المشركين في مكة، ثم يخرج بعد ذلك من أجل فكّ حصار خيبر في شمال المدينة:

«بسم الله الرحمن الرحيم»، فيقول [سهيل]: لا نعرف الرحمن الرحيم، اكتب بسمك اللهم. لم يقف النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا عند هذا؛ لأنه يعلّمنا أن العادة محكّمة وأنه يمكن أن نأخذها بالعرف. قضية هنا قضية انتماء وقضية رموز، أو أنها لم تصل بعد إلى هذا [المستوى من الخلاف الجوهري].

تنازل النبي ﷺ عن لقب رسول الله في صحيفة الحديبية لتحقيق المقصد الأعلى

النبي ﷺ يبيّن أن المقصود الأهم هو تنحية المشركين. فيثور عمر أو علي [رضي الله عنهما]، ولكن في النهاية «بسمك اللهم» لا بأس.

«هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله»، قال [سهيل]: لو عرفنا أنك رسول الله ما قاتلناك وما منعناك، اكتب: محمد بن عبد الله. فأبى عليّ [رضي الله عنه] أن يمحو «رسول الله»، فمحاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى يُكمل عليّ رضي الله تعالى عنه كتابته.

ما هذه الأوضاع؟ هو ﷺ يُعلّمنا كيف نتعايش، كيف نُفاوض، في السياسة كيف نتفق مع الآخرين، كيف نحاور الآخرين، وهكذا.

ربط قاعدة العادة محكمة بالمناهج والمبادئ العليا لا بالفقهيات فحسب

وكل ذلك مندرج تحت هذه القاعدة العظيمة [العادة محكّمة] التي قد لا يكون قد التفت إلى هذا المعنى من خلالها أحد، وهو كلما سمع هذه القاعدة فإنه يربطها بالفقهيات.

ولكنني أريد أن أربطها بالمناهج، وأريد أن أربطها بالمبادئ العليا، وأريد أن أربطها بمكونات عقل المسلم الذي يتعامل مع القليل والكثير، مع الجليل والحقير، في أمور الدنيا وهو يسير فيها.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.