مكونات العقل المسلم | 23 | المسؤولية الفردية | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 23 | المسؤولية الفردية | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • المسؤولية الفردية من أهم مكونات العقل المسلم، وأصلها في القرآن الكريم قوله تعالى: "لا تزر وازرة وزر أخرى".
  • أكد القرآن هذا المبدأ في آيات عديدة مثل: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه"، و"يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه".
  • رفض المسلمون فكرة ميراث الخطيئة، وأكدوا أن الإنسان حر يتحمل مسؤولية أفعاله بنفسه.
  • تظهر المسؤولية الفردية في قصص الأنبياء كإبراهيم الذي كان أبوه كافراً ولم يؤاخذ بكفره، ونوح الذي لم يؤاخذ بعصيان ابنه.
  • امرأة فرعون كانت من الصالحات رغم كفر زوجها، وامرأتا نوح ولوط خانتا زوجيهما الصالحين.
  • طبق النبي ﷺ هذا المبدأ مع عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، فلم يحمله ذنب أبيه المنافق.
  • هذا المبدأ من المبادئ العامة التي تحكم تصرفات المسلم وتعامله مع الآخرين.
  • ذكر القرآن أن هذا المبدأ موجود في صحف إبراهيم وموسى، وهو جزء من الشرع الأول الذي أراده الله للبشرية.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة في مكونات العقل المسلم ومبدأ المسئولية الفردية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع مكونات العقل المسلم ورحلة في هذا العقل الذي يفهم النص ويدرك الواقع ويحاول أن يربط بينهما، يعيش عصره ويخدم مصره.

من مكونات العقل المسلم التي استقرت في وجدان المسلمين وكوّنت طريقة تفكيرهم، ما يمكن أن نطلق عليه المسئولية الفردية.

الأدلة القرآنية على مبدأ المسئولية الفردية في الإسلام

والمسئولية الفردية أساسها في كتاب الله، مؤكد في أكثر من آية:

قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]

إذن فكل إنسان هو مسئول عن نفسه.

رفض الإسلام لفكرة ميراث الخطيئة وتأكيد حرية الإنسان

وهذا المكون [المسئولية الفردية] جعل المسلمين يرفضون فكرة ميراث الخطيئة التي نجدها في بعض الديانات، أن آدم عندما أخطأ فإن هذه الخطيئة يتوارثها أبناؤه.

هذه الفكرة، فكرة ميراث الخطيئة، ليست موجودة في الإسلام؛ بل إن الإنسان حر طليق، وهذه الحرية تحمل معها مسئولية فردية.

هدم الإسلام لمبدأ أخذ الإنسان بجريرة غيره ومبدأ الثأر الجاهلي

وهذه المسئولية الفردية وعدم السؤال عما فعله الجار تهدم القاعدة الجاهلية التي كانت تقول: "خذ ثأرك من جارك". هذا ليس في مفهوم الإسلام.

بل جاء الإسلام وهدم ميراث الخطيئة، وهدم مبدأ أن يُؤخذ الإنسان بجريرة غيره، وجعل هذا ليس من العدل في شيء.

ولذلك المسئولية الفردية تتحكم في سلوك المسلم في كل شيء.

المسئولية الفردية مبدأ عام يتجلى في السيرة والقصص والعقيدة

هذه المسئولية الفردية نراها في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونراها في قصص الأنبياء، ونراها في العقيدة وفي كل كبيرة وصغيرة في الإسلام.

مما يجعل المسئولية الفردية مبدأً عامًّا، ويجعل المسؤولية الفردية مكونًا أساسيًّا من مكونات العقل المسلم.

مكانة سيدنا إبراهيم في الإسلام وصيغ الصلاة على النبي

إذا ذهبنا إلى قصص الأنبياء نرى أن إبراهيم كان نبيًّا من أنبياء الله الكبار، فقد كان أبًا للأنبياء ومثالًا للأنبياء، حتى أن الله سبحانه وتعالى قد علّمنا الصلاة على نبينا صلى الله عليه وسلم بالتشبيه والطلب من الله سبحانه وتعالى كالصلاة على إبراهيم.

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم، اللهم صلِّ على سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وآل سيدنا إبراهيم.

في كثير من صيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت عنه، وهي نحو أربعين صلاة، كانت هذه الصلوات تتضمن مقارنة بين سيدنا محمد وآل سيدنا محمد وبين سيدنا إبراهيم وآل سيدنا إبراهيم، وجعل المشبه به سيدنا إبراهيم.

﴿ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]

سيدنا إبراهيم له قيمة كبيرة [في الإسلام].

تبرؤ إبراهيم من أبيه الكافر دليل على المسئولية الفردية

سيدنا إبراهيم كان أبوه كافرًا، وتبرأ إبراهيم عليه السلام منه، ولم تنتقل هذه الخطيئة من والد إبراهيم إلى إبراهيم، ولم يُؤاخَذ إبراهيم بما فعله أبوه.

نرى أن نوحًا كان من أولي العزم من الرسل، ولكن ابنه كفر وعصى، وقصة طويلة في سورة هود يحكيها ربنا سبحانه وتعالى عن هذا الابن العاق العاصي:

﴿يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا﴾ [هود: 42]

ولكنه لا يستمع إلى هذا [النداء]، ولا يُؤاخَذ نوح بما فعل ابنه.

أمثلة قرآنية على عدم مؤاخذة الإنسان بذنب زوجه أو ولده أو والده

ونرى أن امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين صالحين فخانتاهما. إذن الإنسان ليس مسئولًا عما تفعل زوجته، ليس مسئولًا عما يفعل ابنه، ليس مسئولًا عما يفعل أبوه، وهكذا أبدًا.

إذن علينا أن نتبين وأن نعرف هذا المعنى الجليل، المعنى الذي جعل امرأة فرعون من الصالحات وهي زوجة لأعتى بشر قال:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

لكن لمّا كان أنه:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

وكانت المسئولية الفردية واضحة في عقيدة المسلمين، في قصص الأنبياء، في سيرة سيد المرسلين، في أوامره ونواهيه.

قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ومبدأ المسئولية الفردية

رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكم على عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين أنه من المنافقين، وكان نفاقه بيِّنًا.

كان معه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وكان عبد الله الابن رضي الله تعالى عنه مسلمًا مؤمنًا صادقًا، لا شأن له بأبيه؛ لأن هناك مسئولية فردية يتحملها هو بنفسه، ولا ينظر إلى أبيه وإلى فعل أبيه.

موقف النبي من قتل المنافقين وتعليمه سد الذريعة والعفو

يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخاف أن يأمر غيره بأن يقتله [عبد الله بن أبي بن سلول] إذا كان قد حُكم عليه بالقتل، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحدًا حتى من المنافقين، وقال: «لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه».

علّمنا كيف نسد الذريعة على الآخرين، علّمنا كيف نراعي الملاءمة العالمية، علّمنا العفو والصفح والصبر، بالرغم من أن الله تعالى قد أباح له أن يقتل المنافقين.

قال تعالى: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]

تعليم النبي التعايش مع الناس من خلال مفهوم المسئولية الفردية

إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحدًا من أصحابه أبدًا، وقال: «لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه»، حتى لو أباح الله قتلهم، وحتى لو أباح الله من أجل نفاقهم أن لا يكونوا من أصحابه ولا من المؤمنين أصلًا.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يُعلّمنا كيف نتعايش مع الناس من خلال مفهوم المسئولية الفردية.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

كانت من مكونات العقل المسلم، وكانت أيضًا من المبادئ العامة كما سنرى في القرآن الكريم.

المبادئ العامة في القرآن الكريم ومكونات العقل المسلم لا تُحصر

والمبادئ العامة في القرآن الكريم يصلح كل واحد منها أن يكون من مكونات العقل المسلم. ونحن نبحث في مكونات العقل المسلم ونضرب المثال تلو المثال ونبحث فيها ونتكلم عنها، كيف تتحكم في السلوك وفي رسم المنهج.

فإننا مع ذلك لا نحصرها؛ فكلما فكرنا وتفكرنا، وكلما مضى علينا زمان، ظهر لنا شيء آخر من مكونات العقل المسلم نكتشفه ونجده في أنفسنا وفي عقائدنا وفي فقهنا وفي تاريخنا وفي شريعتنا، ونجد له أمثلة في التطبيق العملي وفي التعامل مع النفس ومع الأمة ومع الغير، مع غيرنا.

التأمل والتدبر يكشفان عمق العقل المسلم وربانيته وحضاريته

ولكن بالرغم من كل ذلك إلا أننا نكون قد لم نلتفت إليه [بعض مكونات العقل المسلم] أو مررنا عليه مرور الكرام.

كلما تأملنا وكلما تدبرنا وكلما مر علينا الزمان، كلما اكتشفنا من مكونات العقل المسلم ما يؤكد عمقه، وما يؤكد ربانيته، وما يؤكد حضاريته.

فهذا العقل عقل رباني وعقل عميق مستنير؛ لأنه مستنير بالله رب العالمين.

مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى موجود في صحف إبراهيم وموسى

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

هذا المبدأ أشار الإسلام إلى أنه لم يتفرد به، بل إنه أيضًا قد وُجِدَ في صحف إبراهيم وموسى.

فلمّا ظهر عكس ذلك المبدأ في بعض الشرائع الأخرى، عرفنا أن هذا من طول العهد والنسيان لشرع الله.

القرآن جاء ليُحيي الشرع الأول ويصحح المفاهيم المغلوطة

جاء القرآن وعلّمنا أن نُحيي في أنفسنا دائمًا الشرع الأول الذي أراده الله سبحانه وتعالى للبشرية.

علّمنا ربنا سبحانه وتعالى كثيرًا من هذا الشرع الأول، وصحح به مفاهيم مغلوطة كانت بسبب طول الزمان وقسوة القلب، وكانت من جراء الفهم الخطأ المتراكم المتراكب لبعض كهنة الدين الذين انحرفوا بشرع الله الأول عن مساره.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

كنز من الكنوز، مبدأ من المبادئ العامة، مكون من مكونات العقل المسلم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.