مكونات العقل المسلم | 25 | الإنسان سيد في الكون | أ.د علي جمعة
- •موقف العقل المسلم من الكون يقوم على رؤية كونية متكاملة تؤمن بأن الكون كله يسبح بحمد الله.
- •يؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" ومعجزة تسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم.
- •الكون في نظر المسلم حي متفاعل يسبح ويسجد ويشعر، فالسماء والأرض تتكلم وتطيع وتأبى كما ذكر في قصة عرض الأمانة.
- •الإنسان في هذه الرؤية سيد في الكون وليس سيداً له، فالسيد الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى.
- •كرم الله الإنسان وجعله خليفة في الأرض ووهبه العقل والعلم وحمّله الأمانة.
- •سخر الله للإنسان ما في السماوات وما في الأرض، وأسجد له الملائكة تكريماً له.
- •هذا التكريم والتسخير يوجب على الإنسان القيام بواجب العبودية لله والخلافة في الأرض.
- •الإنسان مخلوق فريد وليس مجرد جزء من الكون، بل هو مكرم ومستخلف فيه.
مقدمة حول موقف العقل المسلم من الكون المحيط بنا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مكونات العقل المسلم أنه يرى هذا الكون المحيط بنا، وله موقف من هذا الكون. هذا الموقف من مكونات العقل المسلم؛ الموقف من الكون من مكونات العقل المسلم.
مما يتكون هذا الموقف من الكون؟ هو أننا نأخذ شذرات مما ذكرنا ونضيف عليها، حتى نفهم موقف العقل المسلم من الكون، باعتبار ذلك مكوّنًا من مكونات ذلك العقل.
رؤية المسلم الكلية بأن الكون يسبح لله تعالى
يرى المسلم في رؤيته الكلية لهذا الكون أن هذا الكون يسبح؛ لأنه سمع قوله تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
ويؤكد هذا ويرجحه ما ورد في البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سبَّح الحصى في يديه، بين يديه في كفه الشريف، وسمع هذا التسبيح الناس.
وكانت هذه معجزة، لكن هذه المعجزة لم نرها، إنما ترسخت في وجداننا وتأكدت من قوله تعالى من ناحية:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]
ومن ناحية أخرى أن يسبح الحصى في يده صلى الله عليه وسلم. وينقل هذا المسلمون عبر التاريخ وهم يصدقون هذه المعجزة حتى لو لم يروها.
أدب المربين المتصوفين في التعامل مع الكائنات المسبحة
لو جمعنا بين هذا لترسخ عندنا أن هذا الكون يسبح، وإذ بالمربين المتصوفين هؤلاء الناس يأتوننا ويقولون: لا تُفزع الكائنات؛ أن هذه الكائنات تسبح.
ولذلك ينهون أن نتعامل بعنف مثلًا مع الباب، فلا نطرقه بعنف، ولا نتعامل معه بعنف، فنتركه يُغلق بعنف، لا نغلقه بعنف.
لماذا؟ هذا باب جماد لا يشعر! لا، يحس. لا أبدًا! رؤية المؤمن الكلية لهذا الكون أن هذا الكون في تفاعل، يشعر [المؤمن] بالتفاعل مع الكون.
الأدلة القرآنية على سجود الكون وبكاء السماء وطاعة المخلوقات
هذا الكون يسجد لله سبحانه وتعالى، هذا الكون:
﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]
لهذا الكون. وقوله تعالى:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ﴾ [الدخان: 29]
إذن السماء تبكي والأرض. والله سبحانه وتعالى قال للسماء والأرض:
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
فالسماء والأرض تتكلم وتأتي وتطيع. وقوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
إذن فالسماء والأرض والجبال والبحار والأنهار عُرضت عليها الأمانة فأبت، إذن فهي من شأنها أن تأبى وأشفقت من هذه الأمانة ولم تقبل.
معنى استواء الرحمن على العرش وحركة الكون بين التسبيح والخضوع
وقال تعالى:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
ويقول أهل السنة: استوى أي استولى، واستولى هنا بمعنى قهر. عُرِضَ عليه [العرش] الإتيان بمثال لذلك، أو قد يكون حدَّث نفسه بشيء من العظمة.
هكذا ينظر المؤمن في هذا الكون أنَّ فيه حركة، وفيه تسبيح، وفيه سجود، وفيه شفقة، وفيه رحمة، وفيه قهر، وفيه خضوع، وفيه حركة.
النظرة الكلية للعقل المسلم بأن الإنسان سيد في الكون وليس سيدًا له
ولذلك هنا يأتي مكوِّن من المكونات الأساسية في هذه الرؤية. النظرة الكلية للعقل المسلم تتلخص في أن الإنسان ليس جزءًا من هذا الكون تجري عليه تلك المجريات، إنما هو سيد فيه وليس سيدًا له.
انظر إلى الكلام، أمامنا أمران:
- الأول: أن الإنسان سيد في الكون وليس سيدًا للكون.
- الثاني: أن الإنسان ليس جزءًا من الكون؛ لأنه سيد فيه.
هذه تترتب على هذه، وهما مكونان نُفرد في حلقة قادمة [الحديث عن] أنه ليس جزءًا من الكون.
الله هو السيد الحقيقي للكون الخالق البارئ المصور
ولكن هيا بنا نتحدث عن أنه [الإنسان] سيد في الكون وليس سيدًا للكون. السيد هو الله، هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سيد الكون هو من أنشأه وخلقه ورزقه وأحياه ويميته وينشئه، فهو الخالق البارئ المصور ويُفنيه سبحانه وتعالى، فهو الأول والآخر. هذا هو سيد الكون الذي بيده المُلك والملكوت.
الإنسان سيد في الكون بما وهبه الله من العقل والعلم والأمانة
أما الإنسان فهو سيد في الكون، سيد في الكون لأن الله سبحانه وتعالى وهبه العقل، ووهبه العلم، وحمَّله الأمانة؛ أمانة التكليف. فهو قابلٌ بهذه الأمور، ولذلك جعله الله سبحانه وتعالى سيدًا في الكون.
هذه السيادة تتلخص في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
إذ إن ابن آدم مكرم وليس مهملًا في هذا الكون. وقوله تعالى:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
لا يصلح أن نقول إن بني آدم خليفة الله في أرضهم، حسنًا.
تسخير الله ما في السماوات والأرض دليل سيادة الإنسان في الكون
ماذا فعل الله سبحانه وتعالى حتى يثبت سيادة ابن آدم في هذا الكون؟
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]
يبقى نظرية التسخير كوّنت مكوّنًا مهمًّا في عقل المسلم. يقول ذلك المكون: أنت أيها المسلم سيد في الكون ولست سيدًا لهذا الكون، بل إنك سيد في هذا الكون.
سخر الله لك الليل والنهار، سخر الله لك الشمس والقمر، سخر الله لك الجماد والحيوان.
سجود الملائكة لآدم وتحميله الأمانة والعلم دليل تكريمه
وكذلك تسجد لك الملائكة. في قصة الخلق قصَّ الله علينا شيئًا غريبًا، وهو أنه قال للملائكة:
﴿ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
aسجدوا لآدم، فآدم سيد يُسجد له، سجد له الملائكة. يترسخ عند المسلم بأن الله حمَّله الأمانة وأن الله سبحانه وتعالى وهبه العلم.
لما قال:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ * قَالُوا سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 31-32]
قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم.
ترسخ مكون السيادة في العقل المسلم من خلال العلم والأمانة والتسخير
وقد وهب الله لنا العلم، ووهب الله لنا الأمانة التي حملها الإنسان، ووهب الله لنا السيادة فأسجد لنا ملائكته.
ترشح من كل ذلك هذا المكون للعقل [المسلم]: أنني سيد في هذا الكون لأن الله سخر الكون له [للإنسان]، وأنني لست سيدًا لهذا الكون؛ الله هو السيد، وأنا مكرم في هذا الكون.
ويجب عليّ أن أقوم بواجبي الذي كلفني الله به وخلقني من أجله؛ هذه الخلافة الربانية، هذا العلم الذي ينبغي عليّ أن يوصلني إلى الله رب العالمين.
خلاصة مكون العقل المسلم بين العبودية لله والسيادة في الكون
تكوين مكنون عقل المسلم بأنه عبد لله، سيد لهذا الكون، ليس سيدًا [مطلقًا]، إنه سيد في هذا الكون، وأنه ليس سيدًا لهذا الكون بل السيد هو الله.
هذا هو الجزء الأول من هذا المكون، جاء من تراكم هذه الرؤية:
- •التسخير
- •التسبيح
- •السجود
- •التفاعل الكوني
- •التكريم لابن آدم
كل هذه الأشياء نتج منها هذا المكون المهم، وهو أن الإنسان إنما هو سيد في الكون وليس سيدًا للكون.
ما سيأتي في الحلقة القادمة حول فرادة الإنسان وعدم كونه جزءًا من الكون
نتج من هذا ما سنفرده مرة أخرى من أجل أن نتبين كيف تولّد من هذا المعنى أنه [الإنسان] ليس جزءًا من هذا الكون، بل أنه فريد وحيد، وهذا الكون كله قد سخره الله له.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
