مكونات العقل المسلم | 27 | اعتبار الإجماع | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 27 | اعتبار الإجماع | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • من مكونات العقل المسلم مراعاة هُويّة الإسلام، والهُويّة مشتقة من الضمير "هو" وتعني تطابق الصورة الذهنية مع الحقيقة الواقعية.
  • هوية الإسلام تتمثل في الإجماع الأصولي الذي هو اتفاق المجتهدين من الأمة على أمر شرعي.
  • الإجماع تحقق فعلاً وهو ممكن، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
  • الإجماع نوعان: إجماع يعتمد على النص فيمنع الاستنباطات الجديدة، وإجماع لا يعتمد على النص فيكون كاشفاً عن الدليل.
  • من أمثلة الإجماع: وجوب الصلاة، فرضية الصلوات الخمس، شروط الصلاة، وجوب الوضوء قبل الصلاة، حرمة الخمر والزنا والكذب.
  • العقل المسلم لا يمكنه مخالفة الإجماع، فلا يجوز التجرؤ على تفسير النصوص بما يخالف ما أجمعت عليه الأمة.
  • مراعاة هوية الإسلام والتمسك بالإجماع يجب أن تكون من أساسيات بناء عقلية المسلم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في مكونات العقل المسلم وكيفية تعامله مع الحياة والنصوص الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع مكونات العقل المسلم التي نكتشف بها كيف يفكر، كيف يواجه الحياة، كيف ينقل الإسلام للآخرين، كيف يفهم النص الشرعي الشريف، كيف يفسر التاريخ، كيف يستفيد منه، وكيف يراعي مستقبله، وكيف يتعامل مع حاضره.

معنى كلمة هُوِيَّة في اللغة وعلاقتها بتطابق الذهن مع الواقع

من مكونات العقل المسلم أنه دائمًا يراعي هُوِيَّة الإسلام. وهُوِيَّة الإسلام، كلمة هُوِيَّة جاءت من "هُوَ هُوَ"، ولذلك فهي بالضم هُوِيَّة، ولا تقل هَوِيَّة؛ لأنها أتت من الضمير "هُوَ هُوَ".

وتكرر الضمير لأن معنا أمرين: الأمر الأول هو ما قام في الذهن، والأمر الآخر هو ما كان في الواقع والخارج خارج الذهن. فالصورة التي في الذهن تطابق الحقيقة الواقعية التي في خارج الذهن من الدنيا التي نعيش فيها؛ هُوَ في الذهن هُوَ في الخارج، هُوَ في الخارج هُوَ في الذهن.

ومن هنا الهُوِيَّة معناها الحقيقة، ومعناها أيضًا تطابق هذه الحقيقة مع ما قام في الذهن.

هُوِيَّة الإسلام هي المشترك بين أهل القبلة وتتمثل في الإجماع الأصولي

هُوِيَّة الإسلام حقيقة الإسلام، حقيقة الإسلام ينبغي إذن أن تكون هي المشترك الذي بين أهل القبلة. فما هناك سُنَّة وشيعة وصوفية وسلفية، وهناك طوائف كثيرة عبر التاريخ، وفي العصر الحاضر هناك مشارب كثيرة، هناك مداخل كثيرة.

فأين الإسلام؟ أين هُوِيَّة الإسلام؟ إن هُوِيَّة الإسلام هي الإجماع الأصولي، والإجماع الأصولي هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على أمر شرعي، هذا هو الإجماع.

الرد على من يشكك في إمكانية تحقق الإجماع بالأدلة النبوية الشريفة

والسؤال الذي يسأله بعض الناس: هل هذا الإجماع قد تحقق وهل هو ممكن أن يتحقق؟ فنعم تحقق، ولذلك فهو يمكن أن يتحقق.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»

ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة»

إذن هذه الطائفة التي على الحق هي في الأمة، فإذا أجمعت الأمة فإن هؤلاء منهم. وعلى ذلك فإن رضا الله سبحانه وتعالى على ما اتفق عليه المسلمون يكون لأن الطائفة التي رضي الله عنها ووفقها وجعلها طائفة الحق ستكون من أولئك الذين أجمعوا.

الإجماع مزية ثابتة في الأمة والعقل المسلم لا يتجرأ على نقضه

الإجماع الثابت في هذه الأمة ومزية في هذه الأمة، وهو يمثل هُوِيَّة الإسلام.

والعقل المسلم لم يستطع أن يخرج متجرئًا على هُوِيَّة الإسلام؛ لأن العقل المسلم عقل عاقل، والعاقل خصيم نفسه، ولا يأتي العاقل بالمتناقضات وإلا لكان أتى بالهذيان.

ولذلك لو أن العقل هذا نقض الإجماع لنقض هُوِيَّة الإسلام حتى لا تعود للإسلام هُوِيَّة، وهو أمر مرفوض بكل المقاييس، مرفوض من ناحية أن المسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا تمسك بحقيقة الإسلام، ولذلك فلا يجوز له أن يخرج على الإجماع خاصة بعدما استقر.

الرد على من يستدل بقول الإمام أحمد في إنكار الإجماع وبيان المراد منه

وهنا يأتينا الكلام، يأتينا شخص ويقول إن سيدنا الإمام محمد بن حنبل يقول: "من ادعى الإجماع فهو كاذب". نعم، لأنك لو ادعيت الإجماع بلا دليل ولا برهان وفي مسائل قد اختلف الناس فيها، فمن أدراك أنهم ربما اختلفوا؟

هذا [الذي قاله الإمام أحمد إنما هو] في المسائل النظرية الظنية الدقيقة، ولكن الإجماع سنضرب له الأمثلة حتى نتبين أنه قد وقع، وما دام قد وقع إذن فهو ممكن عقلًا وشرعًا وفعلًا.

نوعا الإجماع الأصولي: الإجماع المانع للاجتهاد والإجماع الكاشف عن الدليل

حيث إن الإجماع على نوعين: إجماع يعتمد على النص، وفائدته أنه يمنع من استنباطات جديدة ويكون معنى الكلام واحدًا وليس له معنى ثانٍ. والإجماع الذي لم يعتمد على النص يكون كاشفًا عن دليل [لم يُذكر صراحة].

فالإجماع إما أن يكون مانعًا أو كاشفًا؛ مانعًا لاجتهاد جديد إذا كان معتمدًا على النص، أو كاشفًا عن دليل لم يُذكر إذا كان ليس له دليل مخصوص.

وفي كل من الأمرين، سواء كان الإجماع كاشفًا عن الدليل أو سواء كان الإجماع مانعًا للمجتهد أن يمارس اجتهاده، في كل من الأمرين فإن الإجماع مأخوذ به.

أمثلة على الإجماع في وجوب الصلاة وأركانها وفرضيتها على كل مسلم

هيا بنا نضرب بعض الأمثلة للإجماع حتى يتضح الحال؛ لأنه بضرب المثال يتضح الحال.

أجمعت الأمة على أن الصلاة واجبة، لم نرَ أحدًا من الأمة أبدًا يقول إن الصلاة ليست واجبة. أجمعت الأمة على أن الصلاة فرض عين، ولذلك فهي فرض على المسلم البالغ سواء كان ذكرًا أو أنثى، سواء كان عبدًا أو حرًّا، سواء كان مقيمًا أو مسافرًا، سواء كان صحيحًا أو مريضًا، ولذلك فهي فرض عين.

أجمعت الأمة على أن الصلوات المفروضة هي الصلوات [الخمس] في اليوم. أجمعت الأمة على أن الظهر أربع ركعات. أجمعت الأمة على أن هذه الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وقيام وسجود وقيام وتحيات وسلام وتكبير في البداية.

أمثلة على الإجماع في الوضوء قبل الصلاة وتحريم الكبائر والصيام

أجمعت الأمة على أنه لا بد من الوضوء وأن هذا الوضوء قبل الصلاة، لم يقل أحد من المسلمين أبدًا أن الوضوء بعد الصلاة.

أجمعت الأمة على حرمة الخمر وحرمة الزنا وحرمة شهادة الزور وحرمة الكذب وحرمة القتل وحرمة السحر وحرمة عقوق الوالدين.

أجمعت الأمة على وجوب الصيام وأن الصيام لشهر رمضان، وأن هذا الصيام هو الامتناع عن شهوتي البطن والفرج. وأن [المسلمين] أجمعت الأمة على هذا.

ولو جلسنا نعدّ مواطن الإجماع التي تمثل هُوِيَّة الإسلام لطال بنا المقام. إذن هناك إجماع.

الإجماع يمنع الاستنباطات الشاذة كالقول بأن الوضوء بعد الصلاة

فهل يستطيع أحد أن يستنبط من قوله تعالى:

﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]

أن الوضوء يكون بعد الصلاة؟ النص من الناحية اللغوية والتحليل اللغوي بالأدوات اللغوية يحتمل أن يكون كذلك، ولكن لم يقل أحد من المسلمين هذا المعنى ولن يقوله.

أنه "إذا قمتم" -فعل ماضٍ- إلى الصلاة، يعني انتهت الصلاة، فللتعقيب "اغسلوا"، فيكون الغسل أتى بعد الانتهاء من الصلاة. لم يقل أحد هذا ولن يقول أحد هذا؛ وذلك لأن العقل المسلم يراعي هُوِيَّة الإسلام، يعني يعتبر الإجماع.

الرد على من يتلاعب بالألفاظ اللغوية لتحليل الخمر والزنا خلافًا للإجماع

خرج علينا بعض الظرفاء من السكارى والمدمنين ويقول: قوله تعالى في شأن الخمر:

﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]

يعني ضعوه في جانبكم! هذا الفهم لـ"فاجتنبوه" أن تضعه في جنبك، لعل هذا الفهم يعتمد على استعمال الأدوات اللغوية والألفاظ اللغوية، لكنه يعارض هُوِيَّة الإسلام؛ حيث أجمع المسلمون جميعًا سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا على حرمة الخمر، واختلفوا في نجاستها هل هي نجسة أو طاهرة، لكن شربها أُجمع على أنه حرام.

لا يأتينّ أحد من الناس بعد ذلك ويستدل على إباحة الزنا مثلًا ويقول أن الله سبحانه وتعالى لم يستعمل كلمة حرام في الذنب [أي الزنا] بل قال:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]

لكنه لم يحرمه [بلفظ صريح]! لم يقل أحد من المسلمين هذا، ولا يجوز له أن يقول، ولا يستطيع أن يقول ذلك.

خلاصة أهمية مراعاة هُوِيَّة الإسلام والإجماع في بناء العقل المسلم

وذلك لأن مكوّن العقل المسلم يراعي هُوِيَّة الإسلام، ويعتبر الإجماع هذا مكوّنًا مهمًّا من مكونات العقل المسلم.

ينبغي إذا ما أردنا أن نتفهم بعمق المسلم وعقليته، وينبغي إذا أردنا أن نبني عقلية أبنائنا أن نلتفت إلى هذه المكونات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.