مكونات العقل المسلم | 3 | الإيمان بالرسل | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 3 | الإيمان بالرسل | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • مكونات العقل المسلم تبدأ بالإيمان العميق بالله تعالى المتصف بصفات الكمال والجلال والجمال.
  • يؤمن المسلم أن الله لم يخلق الخلق عبثاً، بل أرسل الرسل وأنزل الكتب ليوضح للناس طريق العبادة والاستخلاف.
  • الإيمان بالرسالة والنبوة من المكونات الأساسية للعقل المسلم ليعرف كيفية العيش في العصر الحالي ومواجهة الشبهات.
  • اختلفت المذاهب الإسلامية في تعريف النبي والرسول، فقيل أنهما مترادفان، وقيل النبي أعم من الرسول، وقيل العكس.
  • جاء الأنبياء بمعجزات تميزهم عن المدعين والكذابين، وللنبي محمد معجزة رسالة هي القرآن ومعجزات للرسول رآها أقوامه.
  • الكتب المنزلة هي التي تبين للإنسان معنى الخير والشر، والحق والباطل، وطريق الله تعالى.
  • بهذه المكونات يستطيع المسلم خدمة وطنه وأمته والتعامل مع الحياة بشكل صحيح.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة حول أهمية معرفة مكونات العقل المسلم في العصر الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع مكونات العقل المسلم، حيث يسأل كثير من الناس: ما مكونات العقل المسلم الذي يستطيع أن يعيش بها في عصرنا هذا؟ وأن يواجه بها العالمين، وأن يجيب بموجبها على أسئلة توجَّه إلينا، وعلى شبهات تُساق ضد المسلمين وضد الإسلام وضد تاريخ المسلمين وضد نبي المسلمين وضد كتاب المسلمين.

ثمرات إدراك العقلية المسلمة في التربية والحياة والآخرة

لو أدركنا العقلية المسلمة نعرف كيف نربي أبناءنا، ونعرف كيف نتعامل مع عصرنا، ونعرف كيف نخدم مصرنا ووطننا، ونعرف كيف نفيد أمتنا، ونعرف كيف نعيش حياة هنيئة في هذه الحياة الدنيا حتى ننقلب إلى الله سبحانه وتعالى فيدخلنا الجنة.

المكون الأول للعقل المسلم: الإيمان العميق بالله وصفاته العلى

أول هذه المكونات: الإيمان بالله جل جلاله. وذكرنا في الحلقة السابقة أن إيمان المسلم بالله إيمان عميق، حتى أنه إذا ما ذُكر ذلك اللفظ [لفظ الجلالة] تراه قد دخل في وجدانه وعرف أنه أمام خالق عظيم حكيم، متصف بالصفات العلى؛ بصفات الكمال والجلال والجمال.

وأنه سبحانه وتعالى يحبنا، وأنه يرزقنا، وأنه يمنّ علينا بالمنن، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

الإيمان بالله مكون راسخ يشكل معيار إدراك الأشياء وتقويمها

هذا الإيمان في الحقيقة هو إيمان راسخ عند المسلمين، ومكوِّن من مكونات العقل الذي سوف يدرك الأشياء، وسوف يتعامل مع الأشياء، وسوف يُقَوِّم الأشياء، وسوف يضع معيارًا لذلك التقويم، وسوف يفعل [بمقتضاه].

إذا نحن أمام شيء كبير جدًا وهو الإيمان بالله وتوحيد الله سبحانه وتعالى.

إيمان المسلم بأن الله لم يترك الخلق عبثًا بل أرسل الرسل

يؤمن المسلم أن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الخلق لم يتركه عبثًا. هناك من الخلق من يظن هكذا [أن الله تركهم دون تكليف].

نقول لهم: من الذي خلق هذا الكون؟ فيقول: الله. نقول: إذن، لماذا لا تصلي؟ لماذا لا تصوم؟ لماذا لا تزكي؟ لماذا لا تحجّ؟ لماذا لا تبيع بالحلال أو تلتزم؟ يقول: ما كلّفنا الله بهذا!

هل تعتقدون أن الله لما خلق لنا العقل خلق شيئًا آخر؟ هو خلق الإنسانية ثم خلق العقل ثم ترك الناس بعقولهم تعيش في هذه الحياة الدنيا. هذا صنف من الناس موجود سمعناه كثيرًا.

المكون الثاني: إيمان المسلم بأن الله أرسل الرسل وأنزل الوحي

لكن المسلم من مكونات عقله أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل. إذن هذا مكون مهم جدًا سيترتب عليه مكونات ثالث ورابع وخامس وسابع، ولكن نحن نبني الهرم الذي به يتكون العقل المسلم؛ حتى نعرف من نحن، وكيف نتعامل، وكيف نتقي ما حولنا من شرور، وكيف نثير ما حولنا من خير.

إذا الإنسان المؤمن بالله ومؤمن أن الله ينزل الوحي على رسله [من] الرسل والأنبياء، والكتب كلها متعلقة بقضية أن الله سبحانه وتعالى لم يترك الناس عبثًا، بل وضّح لهم الطريق إليه، فأمرهم بعبادته.

الآيات القرآنية الدالة على أن الله لم يترك الخلق بلا هداية

ونزل في القرآن [ما يدل على ذلك]:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37]

﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ﴾ [البقرة: 38]

إذن هناك هدى سينزله الله سبحانه وتعالى، وهناك اتباع لهذا الهدى، ثم هناك الجزاء الآخر [يوم القيامة].

الإيمان باليوم الآخر والرسالة من مكونات العقل المسلم الأساسية

إذا هناك رسالة وهناك يوم آخر، وهو أيضًا من مكونات العقل المسلم. الإيمان بالله وأن هذا الله لم يتركنا عبثًا يترتب عليه الإيمان بأن هناك من البشر من اصطفاهم الله سبحانه وتعالى واختارهم وجعلهم رسلًا وأنبياء.

الفرق بين الرسول والنبي والرأي الأول بأنهما مترادفان

في هذا المجال يسأل السائل: من الرسول ومن النبي؟ وهنا تختلف المذاهب الإسلامية، ولذلك عندنا آراء في الإسلام حول هذه القضية.

الرأي الأول: أن الرسول والنبي لفظان مترادفان، يعني معناهما واحد؛ الرسول هو النبي، والنبي هو الرسول. فقد أرسل الله إنسانًا برسالة، يعني أنه قد نبّأه فهو نبي.

أصل كلمة نبي في اللغة العربية بين الهمز وعدمه ومعناها

وكانت العرب منها من يهمز النبي، ومنها من يقرؤها من غير همز؛ فبعضهم يقول "نبيّ" وبعضهم يقول "نبيء". وكلمة "نبيء" تأتي على وزن فعيل، وهذا الوزن في لغة العرب يُطلق ويَرِد منه اسم الفاعل فهو "مُنبِئ"؛ أي إنه يُنبئ قومه بالكلام الذي ينزله الله سبحانه وتعالى على قلبه.

ويُطلق ويَرِد منه اسم المفعول فهو "مُنبَّأ"؛ فالله سبحانه وتعالى يُنبئه بأمور تتعلق بالغيب أو بالوحي والتكليف أو بالحقائق التاريخية التي تُؤخَذ منها سنن الله سبحانه وتعالى في كونه. فهو قد نُبِّئ من قِبَل الله سبحانه وتعالى.

التنبؤ بالغيب وتمييز النبي من الساحر والكاهن والمدعي

ويُطلق التنبؤ على بعض العلم بالغيب. فالأنبياء كانوا يأتون لأقوامهم، فلا بد أن يميز الناس من النبي ومن المجنون ومن المدعي الكذاب ومن الساحر ومن الكاهن.

ولذلك كان لما يأتي النبي وهناك رفض له في بداية الأمر، على الدوام يُتهم بهذه التهم الجاهزة: إما أن يكون ساحرًا، وإما أن يكون كاهنًا، وإما أن يكون كذابًا مفتريًا، وإما أن يكون مجنونًا، وهكذا.

معجزات الأنبياء والفرق بين معجزة الرسالة ومعجزة الرسول

النبي يُنبئ بشيء من الغيب فيذكره لقومه حتى يؤمنوا، ولذلك كان المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان الأنبياء من قبله أصحاب معجزات خوارق للعادات. هذه الخوارق للعادات ترد على يد النبي من أجل أن يطمئن البشر.

هناك ما يسمى بـمعجزة الرسالة وهناك ما يسمى بـمعجزة الرسول. أما معجزة الرسول فهي عندما يُرسل النبي إلى قومه خاصة، فتظهر بعض المعجزات للبشر الذين كانوا حوله يرونها بأعينهم.

أما معجزة الرسالة فهي تتجاوز الزمان والمكان وتبقى إذا كان هذا النبي قد أُرسل إلى العالمين.

تفرد النبي محمد ﷺ بالجمع بين معجزة الرسالة ومعجزة الرسول

لم نرَ في الأنبياء من له معجزة رسالة ومعجزة رسول إلا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. معجزة الرسالة هي القرآن؛ لأنه معجز في ذاته وهو باقٍ عبر القرون، فهو كالنبي المقيم.

معجزة الرسول رآها أقوامه؛ عدّوا له أكثر من ألف معجزة، منها:

  • تسبيح الحصى في يده صلى الله عليه وسلم.
  • حنين الجذع إليه.
  • فيضان الماء من بين أصابعه الشريفة.
  • سجود الشجر له وتكليم الحيوان [إياه].

وهكذا يعني معجزات وخوارق للعادات كثيرة، حتى أنه قال: كيف تكفرون وأنا فيكم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُجري الله على يديه كل ما وهبه لغيره من الأنبياء من المعجزات.

التعريف الثاني للفرق بين النبي والرسول وأن النبي أعم

الإيمان بالرسول مهم، وأول تعريف له أنه مرادف للنبي [كما سبق بيانه].

التعريف الثاني: أن النبي أعم؛ الأنبياء كُثُر، ثم بعد ذلك يصطفي الله من الأنبياء الرسل. الأنبياء من نُبِّئ لنفسه أو لغيره، ولكن الرسول يكون صاحب رسالة للناس من عند الله.

فإذا كان من أُنبئ لنفسه ولم يُبلَّغ ولم يُؤمر بتبليغ ذلك فهو نبي، أما إذا أُمر [بالتبليغ] فهو رسول. وعلى هذا التعريف يتفق أكثر العلماء.

حديث أبي ذر في عدد الأنبياء والرسل والتفريق بينهما

وذلك لحديث وإن كان ضعيفًا في هذا الشأن، وهو أن أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«كم عدد الأنبياء؟ قال رسول الله: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي. فكم الرسل منهم؟»

فيبقى هذا المفهوم أن الأنبياء أوسع من الرسل؛ لأن الأنبياء يدخل فيهم من أُمر بالتبليغ ومن لم يُؤمر.

«فقال: ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولًا.»

إذن هذا هو التعريف الثاني [الذي يرى أن النبي أعم من الرسول].

التعريف الثالث والرابع في العلاقة بين مفهومي الرسول والنبي

التعريف الثالث: أن يُعكس [المعنى السابق] ويُقال الرسول هو أوسع من النبي. الرسول يعني الريح رسول، والإنسان رسول، وقد يكون الجن رسولًا، وقد يكون الرسول في اللغة يُطلق حتى على غير من أوحى الله له. يعني الرسول هذا شيء كثير، لكن النبوة هي الأقل.

فيُعكس المعنى الذي قلناه نحن [في التعريف الثاني]؛ هناك نقول: كل رسول نبي لكن ليس كل نبي رسولًا. هنا يقول: كل نبي رسول لكن ليس كل رسول نبيًا. هذا هو القول الثالث.

هناك قول رابع: أن بينهما عمومًا وخصوصًا وجهيًا، لا نريد أن نستفيض في هذا المعنى.

خلاصة مكونات العقل المسلم: الإيمان بالوحي والرسالة والكتب المنزلة

لكن على كل حال هناك إيمان بالرسالة وبالنبوة وبالوحي وبالتكليف وبالكتب التي نزلت كتبًا مقدسة؛ لأنها تحكي عن الله سبحانه وتعالى، فهي التي تبين لنا معنى الخير ومعنى الشر، معنى الحق ومعنى الباطل، معنى طريق الله سبحانه وتعالى وكيف نسير فيه.

إذن من مكونات العقل المسلم: الإيمان بالوحي والرسالة والنبوة والكتب المنزلة من عند الله سبحانه وتعالى. وفي لقاء بعد ذلك سنرى كيف نبني من هذا الإيمان بقضية التكليف.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.