مكونات العقل المسلم | 4 | التكليف | أ.د علي جمعة
- •التكليف هو طلب ما فيه مشقة، سواء كان طلباً للفعل أو للترك، وبذلك تتكون الأحكام الشرعية.
- •الطلب الإلهي قد يكون لازماً وقد يكون غير لازم، مما أوجد الأحكام الخمسة: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح.
- •الواجب هو ما يلزم فعله كالصلاة والزكاة، أما المندوب فهو مستحب غير لازم كالسنن والنوافل.
- •الحرام هو ما يلزم تركه سواء كان من الكبائر كالشرك والزنا، أو من الصغائر التي تستوجب التوبة والاستغفار.
- •المكروه هو ما يُطلب تركه لكن دون عقاب على فعله، أما المباح فهو ما لا طلب فيه.
- •العلاقة بين العبد والله في التكليف هي علاقة حب، والمشقة تنتج الأجر والثواب.
- •الإيمان باليوم الآخر من مكونات العقل المسلم وركن أساسي لفهم التكليف.
- •دائرة التكليف محدودة ودائرة المباح واسعة جداً.
- •الفقه الإسلامي يبحث في هذه الأحكام الخمسة ليصف بها أي فعل بشري.
مقدمة ومراجعة لمكونات العقل المسلم والإيمان بالله والرسل والكتب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.
مع مكونات العقل المسلم، وكيف نستعملها في بناء الشخصية المسلمة، تحدثنا عن طبيعة العقل، وعن الإيمان بالله كمكوّن أول وأساس ورئيس للعقل المسلم، وتحدثنا عن الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والوحي، وأن الله سبحانه وتعالى لم يترك الناس عبثًا، بل أرشدهم وأنزل لهم طريق الحق وطريق الله وطريق الخير، وبيّن الباطل والشر حتى يجتنبه الناس.
مفهوم التكليف في اللغة وأقسام الطلب بين الفعل والترك
نحن الآن أمام قضية التكليف، والتكليف كما هو في اللغة معناه طلب ما فيه مشقة. وطلب ما فيه مشقة إما أن يكون طلبًا للفعل، وإما أن يكون طلبًا للترك.
ولذلك تكوّنت الأحكام الأربعة، وهناك حكم خامس وهو الإباحة؛ أن الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا الفعل ولم يطلب منا الترك.
تفصيل الأمر والنهي في الشريعة وبيان معنى الواجب والمندوب
تفصيل ذلك أن الله أنزل الكتاب وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وقال لنا: افعل ولا تفعل. كلمة "افعل" طلب، وكلمة "لا تفعل" أيضًا طلب. هذا طلب ويسمى أمرًا [أي: افعل]، وهذا طلب ويسمى نهيًا [أي: لا تفعل].
الأمر يقتضي الفعل، و"لا تفعل" يقتضي الترك. إذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بالفعل وأمرنا أيضًا بعدم الفعل على أشياء معينة بيّنها لنا، لاحظنا أن أمره سبحانه وتعالى وأن نهيه سبحانه وتعالى قد يكون كل واحد منهما لازمًا، يعني لا بد أن نفعل.
وقد يكون كل واحد منهما ليس بلازم، يعني يُحبّه الله أن نفعل، أو يُحبّ الله أن لا نفعل، لكنه لا يُلزمنا بذلك، بل يتركنا بحريتنا نفعل أو لا نفعل، ولكن إذا فعلنا كان ذلك أحبّ إلى الله، وإذا تركنا كان ذلك أحبّ إلى الله سبحانه وتعالى.
الحكم الأول: الواجب وأمثلته من الصلاة والزكاة والحج والجهاد
فتكوّن عندي أربعة أحكام: الطلب بالفعل ويكون لازمًا ويسمى واجبًا. الواجب هو ما يجب عليّ أن أفعله، كالصلاة والزكاة والحج ولو مرة واحدة في العمر، وكالجهاد في سبيل الله عند حلول البلاء والعدوان وزيادة الطغيان.
مثل هذه الأشياء هي واجبات، ولكن هذا الواجب هو عبارة عن طلب رباني إلهي من الإنسان بأن يفعل، وبالفعل إذا فعلته [أُثبت عليه].
الحكم الثاني: المندوب وأمثلته من صلاة السنن وصيام النوافل
أو طلب يكون هذا الطلب غير لازم؛ افعل ولكن غير لازم. فصلوات السنن، وصيام الاثنين والخميس هو من نوع الصيام [المستحب]، والعمرة بعد العمرة، والحج بعد الحج (حج النافلة) الذي هو ليس بحج الفريضة — حج الفريضة مرة واحدة في حياة الإنسان —
فهذه النوافل تسمى بـالمندوب؛ أمرنا الله سبحانه وتعالى ليس على سبيل الإلزام، بل أمرنا على سبيل الاستحباب والندب.
الحكم الثالث: الحرام وأقسامه بين الكبائر والصغائر مع ذكر السبع الموبقات
كذلك نهانا [الله سبحانه وتعالى] عن الكبائر، بل وعدّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «اتقوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وعقوق الوالدين، والقتل، قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، والسرقة»
كل هذه الأشياء الكبائر حرام. والحرام ليس مقتصرًا على الكبائر فقط، بل إنه قد يكون أيضًا للصغائر؛ فإذا فعلت هذه الصغيرة يأثم الإنسان.
فعندما نهاني [الله] عن الزنا، نهاني عن النظر المحرم لعورة النساء، ونهى النساء عن النظر المحرم لعورة الرجال. فإذا نظر رجل إلى امرأة أو إلى عورة امرأة، فإنه يكون قد ارتكب حرامًا، لكنه ليس من الكبائر بل من اللمم من الصغائر.
وجوب التوبة من الصغائر وعدم التهاون بها لأنها حرام
وليس هذا معناه أن نفعله [أي الذنب الصغير]، بل لا بد علينا من التوبة، ولا بد علينا من الاستغفار، ولا بد علينا من الإقلاع عن الذنب ومقاومة النفس.
لأن بعض الناس يعتقد أنه ما دام ذنبًا صغيرًا فإنه يُباح له أن يفعله. هذا يناقض كلمة حرام؛ فهذا حرام، وحرام معناها أن الله سبحانه لا يرضى عنه، أنه سيعاقب على فعله.
الحكم الرابع: المكروه والفرق بينه وبين الحرام والحكم الخامس المباح
المكروه: لا يعاقب الله على فعله، لكنك لو تركته لأن الله يكرهه فإن الله يثيبك ويعطيك ثوابًا، وإذا فعلته لا يحاسبك عليه رحمةً من عنده.
ويبقى الخامس وهو المباح الذي لا طلب فيه.
التكليف فيه مشقة لكنه يحمل الثواب والبركة كمثال الوضوء على المكاره
إذن التكليف معناه طلب شيء فيه مشقة على الإنسان. الوضوء فيه مشقة، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «والوضوء على المكاره»
الدنيا باردة في الصباح وتتوضأ فتتأذى، هذا تكليف فيه مشقة، ولكن بالرغم من أن فيه مشقة إلا أنه:
- أولًا: فيه ثواب.
- ثانيًا: إذا لم تفعل الوضوء لا تصح الصلاة وتأخذ عقابًا.
ولذلك هذا واجب عليك أن تفعله. هكذا فإذا فعلته وقد أحسنت علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، تعبد الله بحب وأنك تطيعه، تجد ثوابًا وبركة، وهو من مكفرات الذنوب.
علاقة التكليف بالحب بين العبد وربه وأبيات شعرية في طاعة المحب
الوضوء على المكاره:
تعصى الإله وأنت تُظهر حبه، هذا لعمري في القياس بديع لو كنت حقًّا حبه لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع
يعني العلاقة في التكليف وإن كانت هي تحمّل المشقة، إلا أنها علاقة الحب بين العبد وبين ربه.
التكليف من مكونات العقل المسلم والرد على من يتعجب من العبادة في المشقة
هذا من مكونات العقل المسلم؛ لأن بعض الناس وهو يراني وأنا أتوضأ في البرد وأنا أمشي إلى الصلاة في الظلمات، قد يتعجب وقد ينكر ويقول:
يعني ما الذي جعلك تستيقظ من النوم ثم تترك الفراش الهانئ الدافئ وتذهب للوضوء بهذه الصفة؟ أمجنون أنت؟
فقل له: لا، أنا محب؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرني بذلك، بل وفرض عليّ ذلك. وإن كان في هذا [مشقة]، أنا أدرك أن هذا فيه مشقة ولكني أرجو ثواب الله.
الإيمان باليوم الآخر مكون أساسي من مكونات العقل المسلم
وهنا سوف يتعجب [السائل]:
وهل يعطونكم في المسجد عندما تذهبون يعني مكافأة للحضور؟
أقول له: لا، هذا الثواب إنما هو في اليوم الآخر. فجاء من مكونات العقل المسلم التي يقيس بها ويفهم بها الأشياء ويقوّم بها الخير والشر: الإيمان باليوم الآخر.
وأصبح الإيمان باليوم الآخر ركنًا من أركان الإيمان.
حديث جبريل في بيان أركان الإيمان والإسلام والإحسان كمراتب الدين
ولذلك نجد حديث جبريل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إن هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم»
فإنه يسأل رسول الله ﷺ: ما الإيمان؟ فذكر له ستة أركان، فيقول له صلى الله عليه وسلم:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره»
قال: ما الإسلام؟ قال:
«أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا»
قال: صدقت. وما الإحسان؟ قال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»
هذه الثلاثة الأقسام: الإيمان والإسلام والإحسان هي مراتب الدين، وهي حقائق إيمانية قد كوّنت وجدان المسلم، وكوّنت أيضًا عقل المسلم.
الإيمان بالتكليف يقود إلى الإيمان باليوم الآخر ودائرة التكليف ضيقة والإباحة واسعة
الإيمان بالتكليف سوف يسلّمني إلى المكوّن الذي بعده وهو الإيمان باليوم الآخر. إذا ما ذهبنا إلى هذا التكليف وجدنا أن التكليف محصور؛ أفعال البشر كثيرة لا تتناهى.
ولكن ما المباح وما المطلوب؟
نجد أن الله سبحانه وتعالى حرّم علينا أشياء بعينها، أشياء قليلة، دائرة قليلة جدًّا، وبقية أفعال البشر مباحة. فدائرة التكليف ضيقة جدًّا سواء كانت الواجب أو في المكروه أو سواءً أكانت في الحرام أو المندوب.
كلاهما — كلا الأمرين: الواجب والمندوب، أو الحرام والمكروه — كل نوع من هذا التكليف تجده قليلًا جدًّا، أما المباح فهو أمر كثير جدًّا.
نشأة الفقه الإسلامي من تنظيم الأحكام الخمسة وقواعد التكليف
تكلم علماء الأصول باستفاضة واسعة كبيرة، وقسّموا هذه الأحكام ونظّموها حتى يستطيعوا أن يتعاملوا مع القرآن ومع السنة ومع الواقع المعيش الذي نعيشه بطريقة تكون أقرب ما تكون إلى رضا الله سبحانه وتعالى.
ونتج من هذا التعامل الفقه الإسلامي. والفقه الإسلامي تراه مع ثرائه وكثرة ما كُتب فيه من الأبحاث هو يبحث عن هذه الخمسة [الأحكام التكليفية] حتى يصف بها أي فعل بشري إلى يوم الدين.
ولذلك كلما سأل الناس عن أي شيء استطاع الفقه الإسلامي أن يجيب على هذا الشيء بهذه القواعد: أن التكليف محصور، وأن الإباحة هي الواسعة، وأنه لا تكليف إلا بنص، وأنه ينبغي علينا أن نتبع النصوص التي هي الوحي.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
