مكونات العقل المسلم | 5 | الأخرة | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 5 | الأخرة | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • العقل المسلم يؤمن بالله والوحي والرسالة والنبوة والكتاب والتكليف واليوم الآخر.
  • الإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالحساب والثواب والعقاب والجنة والنار والميزان والصراط.
  • هذا المكون يؤثر في سلوك المسلم اليومي، فيجعله يُقبل على الطاعات ويحجم عن المعاصي.
  • فكرة تناسخ الأرواح التي تؤمن بها بعض المعتقدات كالهندوسية والبوذية تتناقض مع مفهوم اليوم الآخر.
  • هذا التناسخ يؤدي إلى إشكالات منطقية في قضية المحاسبة والمسؤولية.
  • أهل الكتاب من المسيحيين واليهود أقرب الناس إلى المسلمين لاشتراكهم في الإيمان بالإله والوحي والرسل والكتب والتكليف واليوم الآخر.
  • الفرق الأساسي بين المسلمين وأهل الكتاب هو الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وما يترتب عليه من الإيمان بالقرآن والشريعة.
  • لذلك سماهم المسلمون أهل الذمة وأهل العهد، وأمر النبي بالوفاء بعهدهم.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة حول مكونات العقل المسلم وتأثيرها في التعامل مع الحياة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع مكونات العقل المسلم وكيف تؤثر هذه المكونات في تعامل المسلم مع الحياة، ومع العصر الذي نعيش فيه، ومع الأحداث، ومع الأفكار.

إيمان العقل المسلم بالله والوحي والتكليف واليوم الآخر

العقل المسلم يؤمن بالله، ويؤمن بالوحي والرسالة والنبوة والكتاب، ويؤمن بالتكليف؛ ولذلك فهو يؤمن باليوم الآخر.

واليوم الآخر هو يوم الحساب، يوم الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما دام قد كلّفنا وأمرنا ونهانا، وطلب منا أن نفعل شيئًا أو أن نترك شيئًا، فإنه لا بدّ إذن من الحساب والثواب والعقاب.

عقيدة تناسخ الأرواح عند بعض البشر وأصلها الشيطاني

وهناك تخيّل عند بعض البشر دلّهم عليه إبليس، يقول لهم أن الأرواح تتناسخ، فتخرج من جسد الإنسان ثم تعود مرة أخرى من أجل نظرية الحساب هذه [الثواب والعقاب].

فإن كان [الإنسان] قد فعل خيرًا فإنه يُمتَّع في الدنيا، وإن كان قد فعل شرًّا فإنه يُعاقب في الدنيا وينزل في طبقة من المنبوذين من الناس الذين يعانون الجوع والعُري والمرض والجهل والنبذ من المجتمع.

التفاسخ والتراسخ وحلول الروح في الحيوان والنبات

بل إنه تمادى البشر وتكلموا عن أن التناسخ يكون بين الإنسان وإنسان آخر، ولكن هناك التفاسخ وهناك التراسخ.

التفاسخ هو أن تحلّ روحه في حيوان، فبدلًا من أنه كان إنسانًا، فإنه بعد ذلك يحلّ في حمار أو في خنزير أو كلب. والتراسخ [هو أن] يحلّ [الإنسان] في نبات، روحه تحلّ في نبات.

كل هذه الأفكار ما أنزل الله بها من سلطان.

تميّز المسلم بإيمانه باليوم الآخر والحساب عند الله

ولذلك يتميز عنهم المسلم ويقول: أنا مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى عنده يوم آخر، وهذا اليوم الآخر يتم فيه الحساب.

ولذلك هو يؤمن بأن هذا اليوم ستُعرض فيه الأعمال على الله سبحانه وتعالى، وهو قد خلق الخلق ويحييهم كلهم في المحشر ويوقفهم للحساب ويحقق معهم ويزن أعمالهم بميزان لا يكذب.

وبعد ذلك يُخرِج نتيجة الحساب: الخيرات والحسنات في جانب، والشرور والمعاصي والباطل في جانب آخر، وتتم عملية مقاصّة بينهما.

مصير الإنسان بعد الحساب بين الجنة والنار يوم القيامة

ثم بعد ذلك يخرج الإنسان إما إلى الجنة وإما إلى النار، وفي النار أيضًا إما أن يخرج منها إلى الجنة بعد ذلك إن كان موحّدًا، وإما أن يبقى فيها خالدًا فيها أبدًا.

هذه الصورة من مشاهد يوم القيامة من وجود الجنة، ومن وجود نار، ومن وجود حساب، ومن وجود ثواب، ومن وجود عقاب، ومن وجود ميزان، ومن وجود كتاب أُحصيت فيه أعمالهم في الدنيا، ومن وجود صراط يسيرون عليه وهذا [الصراط] منصوبٌ على النار يسيرون [عليه] إلى الجنة.

كل هذا التصور هو في وجدان المسلم وفي مكونات عقله، في أن هناك يومًا آخر سوف يقومون فيه للحساب، للثواب أو العقاب.

أثر الإيمان باليوم الآخر في سلوك المسلم اليومي وإقدامه وإحجامه

المسلم في سلوكه اليومي يريد الثواب ويخشى من العقاب، فيؤثر ذلك كما قلنا في إقدامه وفي إحجامه.

يفكر المسلم في أن يحصّل شهوة، ثم يرى أن هذه الشهوة محرمة، وتراه يبدأ في تحصيلها لأن نفسه تدفعه إلى تحصيل هذه الشهوة، ثم يفيق ويتذكر فيُحجم ويمتنع عن إكمال هذا الحرام.

لماذا يفعل ذلك إذا كانت هذه [الشهوة] فيها لذة وإذا كان هذا [الفعل] فيه منفعة؟ لأن المنفعة هي جلب اللذات ووسائلها ودفع الآلام ووسائلها، فإذا كان في هذه المعصية لذة، فلِمَ يمتنع عن هذه اللذة؟ الإجابة أنه يؤمن بالحساب، وأنه يؤمن بيوم القيامة، وأنه يؤمن بالعقاب والثواب، وأنه يرجو ثواب الله ويخشى عقابه.

وهذا الشعور والفكر والمكوّن العقلي الذي استقر في ذهنه هو الذي جعله يُقبل على الطاعات ويُحجم عن المعاصي.

الإيمان باليوم الآخر يجعل المسلم يختار الحق ولا يستمر في الخطيئة

إذا كان الإيمان باليوم الآخر يؤثر عمليًّا في سلوكيات المسلم، فإن الإيمان باليوم الآخر يجعله دائمًا يختار الحق، ودائمًا يختار الخير عند تذكّره.

وأيضًا يجعله لا يستمر في الخطيئة ولا المعصية ولا الشر إذا وقع فيها، فليتذكّر فيعود [إلى الله].

غياب الإيمان باليوم الآخر يؤدي إلى التجرؤ على الشر واعتماد مقياس المصلحة المحضة

الإيمان باليوم الآخر عندما لا يكون واضحًا في ذهن البشر، تراهم يتجرّؤون على الشر بكل وسيلة، وتراهم لا يبالون، وتراهم أنشأوا مقياسًا آخر غير مقياس الحلال والحرام وهو مقياس المصلحة المحضة.

والمصلحة الحقيقية تختلف باختلاف الأشخاص، فمصائب قوم عند قوم فوائد، وفوائد قوم عند قوم مصائب؛ ولذلك تحديد هذا المعنى متعذّر جدًّا.

أن نصف هذا الفعل بأنه حسن وهذا الفعل بأنه قبيح من عند أنفسنا، هذا أمر لا يمكن أن يتم؛ لأن الناس تختلف في التقويم وفي المصالح، بل إنها تتنازع في هذه المصالح.

اليوم الآخر مكون أساسي في حياة المسلم وليس مجرد عقيدة نظرية

اليوم الآخر إذن مكوّن مهم ومهم جدًّا في حياة المسلم. اليوم الآخر ليس فقط عقيدة، بل إنه مكوّن من المكونات [الأساسية للعقل المسلم].

التناقض العقلي في عقيدة التناسخ ومسألة المحاسبة يوم القيامة

الذين يقولون أنه ليس هناك يوم آخر وأن الدنيا ستظل هكذا أبدًا، وأن الروح الإنسانية تتناسخ أو لا تتناسخ، فالذين يقولون بالتناسخ يقعون في تناقض عجيب بسيط وهو أنه:

حسنًا، أنت الآن كان هذا روح نابليون ثم حلّت فيك أنت. حسنًا، أنت مؤمن باليوم الآخر أم لست مؤمنًا باليوم الآخر؟ فقال: أنا مؤمن باليوم الآخر. طيب، مَن منكما أنت أم نابليون الذي سيُحاسب؟ نابليون قدّم مقدمات وأنت قدّمت مقدمات، من منكما يُحاسب؟

ثم إن هذا التناسخ، هل سيتم مرة بعد مرة بعد مرة؟ يعني مثلًا روح نابليون هذه كانت في شخص قبل ذلك، والشخص قبل ذلك كان قبله آخر، طيب أيُّ واحد فيهم الذي هو مسئول عند الله؟

استحالة محاسبة الروح المتناسخة التي تفعل الخير تارة والشر تارة أخرى

ثانيًا، يعني نريد أن نفهم: كيف أن هذه الروح مرة تفعل الخير ومرة تفعل الشر ومرة تفعل بين بين وهكذا، فكيف تُحاسَب؟

فيقول [القائل بالتناسخ]: إذن أنا أقول أنه ليس هناك يوم آخر. ومن هنا [نجد أنه] ما هو [إلا أنه] لا يحلّ هذه الإشكالات، وفي يوم القيامة ما دام في يوم القيامة لا يمكن أن يكون الشخص عشرة؛ لأنه من الذي سيُحاسب منهم؟

ولذلك يضطرون إلى أن يقولوا لا يوجد يوم قيامة.

البهائية وإنكار يوم القيامة والتناسخ يناقض عقيدة الإسلام

عندما ظهرت البهائية قالوا هكذا، قالوا لا يوجد يوم قيامة، انتهى الأمر، فكل فترة أرواح تدخل في أرواح، ما علينا منهم.

ولكن القضية أن التناسخ ضد عقيدة الإسلام، وعلى ذلك فالإيمان باليوم الآخر مكوّن أساسي من مكونات العقل المسلم.

اشتراك أهل الكتاب مع المسلمين في الإيمان بالإله والوحي واليوم الآخر

قد يشترك بعض الناس في عقيدة التناسخ التي نجدها في الهندوسية والبوذية وبعض الشنتو، ولكنني أجد أن أهل الكتاب من المسيحيين واليهود وكذلك المسلمين لديهم هذا المكوّن من المكونات التي نراها.

ولذلك إذا ما فهمنا ذلك فهمنا لماذا كان أهل الكتاب هم أقرب الناس إلى المسلمين؛ لأنهم يؤمنون بالإله، ولأنهم يؤمنون بالوحي وبالرسل وبالكتب، ولأنهم يؤمنون بالتكليف، ولأنهم يؤمنون أيضًا باليوم الآخر.

الفارق بين المسلم وأهل الكتاب هو الإيمان بالنبي محمد ﷺ والقرآن والشريعة

فما الذي بيني وبينه [الكتابي] إذا كان هو متفق معي حتى الآن في تلك المكونات؟ الذي بيني وبينه هو الإيمان بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى [محمد ﷺ]، وما يترتب على ذلك من الإيمان بالقرآن، وما يترتب على ذلك من الإيمان بالشريعة.

ولكنه متفق معي في مساحة كبيرة جدًّا؛ ولذلك سمّيناهم أهل الذمة وسمّيناهم أهل العهد.

والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالوفاء بذلك العهد وبتلك الذمة، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «من آذى ذميًّا فقد آذاني»

لماذا [قال ذلك]؟ لأنه الفرق الذي بيني وبينه هو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، هو [الكتابي] لا يؤمن به لأي سبب أو عارض كان.

إيمان المسلم بخاتمية النبي ﷺ وحفظ القرآن وبُعد منكري أركان الإيمان

والمسلم يؤمن بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين، وأنه صاحب الرسالة الأخيرة للعالمين، وأن كتابه محفوظ إلى يوم الدين بحفظ الله له:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

لكن لو أن أحدًا أنكر الإله أو أنكر الوحي أو أنكر التكليف أو أنكر الرسالة والكتاب أو أنكر يوم القيامة، فهو بعيد عني وليس قريبًا مني.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.