موعظة المؤمنين | باب في مسائل متفرقة يُحتَاج إلى معرفتها فى شأن الصلاة| أ.د علي جمعة
- •التلخيص يتضمن دعاء بالعوذ من الشقاق والنفاق وتوحيد الأمة وطلب النظر إلى وجه الله الكريم.
- •يستعرض النص أهمية الصلاة في الإسلام، فهي ذروة سنام الدين وعمودها والفارق بين المسلمين والكافرين.
- •يتناول مسائل فقهية متفرقة في الصلاة كالفعل القليل المكروه إلا لحاجة، وكيفية وقوف المأموم بجانب الإمام.
- •يوضح أن المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهي أول صلاته عند الشافعية، وتكون الصلاة ذات جناحين.
- •يبين متى تدرك الركعة مع الإمام، وكيفية إدراك الركوع وأنه يجب وضع اليدين على الركبتين.
- •يشرح كيفية التعامل مع النجاسة أثناء الصلاة، ويذكر أن النبي خلع نعليه لوجود نجاسة واستمر في صلاته.
- •يبين حكم من ترك التشهد الأول أو شك في عدد الركعات، فيبني على اليقين ويسجد سجدتي السهو.
دعاء جامع بالتوحيد والحشر تحت لواء النبي والنجاة من النار
وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
اللهم وحِّد أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الخير، واحشرنا تحت لوائه يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربةَ ماءٍ لا نظمأ بعدها أبدًا.
ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتِّعنا يا ربنا بالنظر إلى وجهك الكريم، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم يا ربنا كن لنا ولا تكن علينا، وارحم حيَّنا وميِّتنا وحاضرنا وغائبنا، ووحِّد كلمتنا، وافتح علينا فتوح العارفين بك، وعلِّمنا مرادك، وأقمنا في الحق وأقم الحق بنا، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
دعاء بتحبيب الإيمان ونصرة الإسلام وإنزال السكينة على القلوب
اللهم يا ربنا حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع الصادقين يا أرحم الراحمين.
اللهم يا ربنا انصر الإسلام والمسلمين، وأيِّد بفضلك كلمة الحق والدين.
اللهم يا ربنا أنزل السكينة على قلوبنا وقلوب أمهات الشهداء، وسدِّد رمي المجاهدين في سبيلك، وارفع أيدي الأمم عنّا.
اللهم بلِّغ بنا دينك، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت.
دعاء بالهداية وتثبيت الأقدام والانتقال من السخط إلى الرضا
اللهم يا ربنا اهدنا واهدِ بنا، وافتح علينا من فضائل وخزائن فضلك يا أرحم الراحمين ما تثبِّت به أقدامنا وأفئدتنا، وتجعلنا حيثما ترضى.
انقُلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وتُنوِّر قلوبنا، وتغفر ذنوبنا، وتستر عيوبنا، وتُيسِّر أمورنا الغائبة.
وارزقنا علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، وعينًا دامعة، ونفسًا قانعة، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داء.
مقدمة باب المسائل المتفرقة في شأن الصلاة وعظمتها في الدين
قال المصنف رحمه الله تعالى - ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين -: باب في المسائل المتفرقة التي يُحتاج [إلى معرفتها] أي في شأن الصلاة.
والصلاة أمرٌ عظيم؛ ولذلك عندما ألَّف المؤلفون فيها، ألَّف أحدهم كتابًا سمّاه «تعظيم شأن الصلاة». الصلاة شأنها عظيم، واحتياج المسلم إلى ما يجب أن يعرفه يرتبط بعظمة هذا الأمر.
والصلاة أعظم شيء في الدين؛ فهي ذروة سنامه، وهي عمود الأمر، وهي الفارق بيننا وبين الكافرين؛ مَن تركها فقد كفر، كما قال سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.
أنواع الكفر في الشريعة بين الكفر الأكبر وكفر النعمة والعشير
والكفر أنواع: منه كفرٌ ناقلٌ عن الملة - والعياذ بالله تعالى - نسأل الله السلامة وحسن الخواتيم، ومنه كفرٌ دون كفر؛ لأنه كفر العشير، ومنه كفر النعمة.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُطلق الكفر على كل ذلك، حتى قال للنساء:
قال رسول الله ﷺ: «وتكفُرن»، قلن: نكفر بالله يا رسول الله؟ قال: «لا، بل تكفُرن العشير»
وحذَّر النبي من الكفر كله: من الكفر الأكبر الناقل عن الملة - والعياذ بالله تعالى - وهو الذي تعنيه الشريعة عند الإطلاق، وأيضًا من كفر النعمة.
قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»
وأمرنا أن نقول لمن أسدى إلينا معروفًا: جزاك الله خيرًا.
قال رسول الله ﷺ: «ومن قال لأخيه وقد أسدى إليه معروفًا: جزاك الله خيرًا، فقد أجزل له الثواب»
فأمرنا أن نشكر الناس على المعروف، وأمرنا أيضًا ألّا نكفر العشير، وأن لا ننسى الفضل لأهله. وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أهلُه؛ يعني أهل الفضل لا ينسون معروفًا قُدِّم [إليهم من] الناس.
إكرام النبي لابنة حاتم الطائي وأمه حليمة تقديرًا لمكارم الأخلاق
ولذلك ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكرم ابنة حاتم الطائي وقال:
قال رسول الله ﷺ: «إن أباكِ كان يحب مكارم الأخلاق»
وفرش لها عباءته الشريفة وأجلسها عليها، وقال لها يمدح أباها. فطمعت وقالت: أفي الجنة هو؟ قال: «إنه في النار»؛ إنما كان يفعل ذلك لسمعةٍ يتسمّعها، يعني من الكرم والجود.
لكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مكارم الأخلاق ويكره سفاسفها، وأكرم عديًّا ابن حاتم الطائي أيضًا، وأكرم أمه حليمة [السعدية] لأنها أرضعته وكانت على الكفر.
وهكذا كان لا ينسى للناس معروفهم، وأخذ يمدح ابن جُدعان وأنه كان يُضيف الحجيج بمكة، حتى ظنّ الناس أنه في الجنة، فقال: «إنه في النار».
فالمسألة ليست على الكفر والإيمان حتى نشكر الآخرين، بل هي على المعروف والعمل الحسن الذي يرضى عنه الله سبحانه وتعالى، حتى ولو صدر من كافر.
تعظيم النبي لشأن الصلاة حتى وهو ينتقل إلى الرفيق الأعلى
يحتاج المسلم لمعرفة هذا الشأن العظيم، شأن الصلاة. والنبي صلى الله عليه وسلم يُعظِّم شأنها، وكان يهتم بها حتى وهو ينتقل إلى الرفيق الأعلى صلى الله عليه وآله وسلم، يقول:
قال رسول الله ﷺ: «الصلاة وما ملكت أيمانكم»
يعني الذي يشغله من بعده في أمته أن يتقوا الله في الصلاة وأن يقيموها على وجهها وحقها؛ لأنها هي التي توصل إلى الله.
ويهتم برقّة القلب، فيأمرنا أن نتقي ربنا سبحانه وتعالى فيما ملكت أيماننا من العبيد؛ ولذلك ترى المسلمين قد سارعوا بإعتاق العبيد عندما دعا الناس إلى إعتاقهم وإلى إنهاء الرق من الدنيا؛ لأنهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حكم الفعل القليل في الصلاة وكراهته إلا لحاجة مع وجوب الخشوع
قال [المصنف]: المسألة الأولى: الفعل القليل وإن كان لا يُبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة.
إذا قام أحدنا إلى الصلاة ينبغي أن تخشع جوارحه حتى يخشع قلبه. والنبي صلى الله عليه وسلم رأى أحدهم يعبث في صلاته ويفعل الفعل القليل الذي لا يُبطل الصلاة، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»
وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
أي ساكنين ساكتين، لا تتكلمون في غير الصلاة. فإن هذه الصلاة كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لا يصلح فيها من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد»
فالفعل القليل وإن كان لا يُبطل الصلاة فهو مكروه إلا لحاجة.
الأفعال المباحة في الصلاة لحاجة كتثبيت الثوب ودفع المار وقتل الحية
كمن سيسقط عنه ما يستر به عورته فإنه يُثبِّته، وهذا الفعل إنما هو لمصلحة الصلاة فلا يقدح في الخشوع، وإنما قد يكون هو نفسه عين الخشوع؛ لأن فيه امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى.
أو أنه يدفع المارّ الذي لا يعرف أنه في الصلاة. والنبي صلى الله عليه وسلم من تعظيم شأن الصلاة نهانا أن نمرّ بين يدي المصلي، وأمرنا أن ندفع المارّ وأن ننبِّهه، وقال:
قال رسول الله ﷺ: «فإن لم يندفع فهو شيطان»
يعني يفعل فعلًا من أفعال الشياطين. وأجاز لنا رحمةً بنا قتل العقرب والحية والكلب العقور التي سيترتب عليها ضررٌ بليغ، ويُقاس على ذلك ما يُوقع بالمسلم الضرر.
حكم حكّ الرأس والتثاؤب والعطاس والتجشؤ أثناء الصلاة
وقاس العلماء على ذلك ما يُزيل التشويش عن المصلي كالحكّة؛ يعني يُخرج يده هكذا على رأسه ليزيل الحكّة حتى يتمكن من التركيز في الصلاة، تعظيمًا لشأن الصلاة. والحكّة هذه هي - حسنًا - لقد انتهت.
وإذا تثاءب الإنسان وضع يده على فمه ليكتم تثاؤبه؛ لأن التثاؤب دليلٌ على عدم الهمة والكسل؛ ولذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان.
وإن عطس فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى - الحمد لله - في نفسه ولا يُحرِّك لسانه؛ أي يقولها بقلبه ولا يقولها بلسانه.
وإن تجشّأ - أخرج هواءً من معدته، تجشّأ، وهذا ما نسمّيه "اتكرع" في مصر، هكذا تجشّأ تعني تكرّع، احفظها حسنًا - فينبغي ألّا يرفع رأسه إلى السماء؛ لأنه قد نهانا رسول الله عن أن نرفع أبصارنا إلى السماء في الصلاة تأدُّبًا وتخشُّعًا.
موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام متأخرًا قليلًا لمقام الإمامة
ويُسنّ أن يقف الواحد عن يمين الإمام متأخرًا عنه قليلًا؛ يعني لمقام الإمامة في اللغة وفي الشرع. لكنه إذا ساواه جاز، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقف عن يمين النبي تساوي قدمه. هذا لبيان الجواز.
ولكن لمقام الإمامة في اللغة: الإمام لابد أن يكون مَن يُؤتمّ به، فيجب أن يكون متقدمًا قليلًا هكذا. في اللغة فإنه يُستحسن أن يكون [المأموم] متأخرًا.
فيأتي حديث ابن عباس وهم لا ينتبهون لا إلى اللغة ولا إلى الشرع ولا إلى العرف ولا إلى أي شيء، ويقول لك: يجب أن نفعل هكذا! هذا خطأ؛ إنه لا يفهم شيئًا؛ لأن كلمة الإمام في اللغة تعني المتقدِّم.
إذن كيف يكون متقدمًا إذا وضعتُ قدمي بجانب قدمه؟ فقالوا: طيب، إذا تأخّر قليلًا، هل في الحديث ما ينهى؟ لا، هذا الحديث إنما هو بيان للجواز.
هل لو تركنا هذا وساوينا الإمام نكون مخطئين؟ قال له: تكون قد تركت المندوب فقط الذي ورد إلينا من السنة. أما هذا الفعل من ابن عباس وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له فيُثبت الجواز، وليس كل حركة وسكنة للصحابة تُثبت الندبية أبدًا؛ هذه تُثبت الجواز لأنه جاءنا فخالف اللغة.
موقف المرأة خلف الإمام في الصلاة حفظًا للستر والحياء
والمرأة الواحدة تقف خلف الإمام؛ لأن شأنها الستر، وهي في حالة السجود لا ينبغي أن يكون من ورائها الرجال. فكانت في المؤخرة لا لتأخُّر شأنها عند الله، بل لعلّه أخَّرك ليقدِّمك.
وكثيرٌ من النساء أولى من الرجال عند الله: الحافظات للغيب، القانتات، المؤمنات، الداعيات إلى الله. وكثيرٌ من النساء يدخلن الجنة قبل رجالٍ كثيرين بمئات السنين.
ولكن لأجل الستر فكان المناسب للستر وحفظ الحياء أن تكون في المؤخرة، حتى إذا سجدت لا يكون خلفها من الرجال أحد. فإن كان معها رجلٌ وقف الرجل عن يمين الإمام وهي خلف الرجل.
حكم المسبوق وهل ما أدركه أول صلاته أم آخرها عند الشافعي ومالك
ثم قال [المصنف]: إن المسبوق إذا أدرك آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته وليس آخرها.
فالإمام الشافعي يقول: هو أولها، واعتمد في ذلك على حديث:
قال رسول الله ﷺ: «فما أدركتَ فصلِّ، وما فاتك فأتمّ»
والإمام مالك روى الحديث بصورة أخرى:
«وما فاتك فاقضِ»
يبقى الإمام مالك: كل الذي أنت أدركته هو الذي أنت أدركته. فلو أنك أدركت الركعة الرابعة فهذه هي الرابعة، وستقوم بماذا؟ تؤدي الأولى والثانية والثالثة.
الإمام الشافعي يقول: التي أدركتها هي رقم واحد، فأتمم، فتكون هذه رقم واحد. [أما عند مالك]: فاقضِ، فتكون هذه رقم أربعة، فاقضِ ما فاتك.
أثر الخلاف بين الشافعي ومالك في قراءة السورة للمسبوق
حسنًا، وهذا [الخلاف بين المذهبين] سيختلف في ماذا؟ في السورة التي نقرؤها في الركعة الأولى والركعة الثانية.
فإذا أدركتُ الركعة الأخيرة [عند الشافعي] ستصبح بالنسبة لي الأولى، فأقوم بقراءة سورة معها، وبعد ذلك تصبح الركعة الثانية هي الثانية فأقرأ سورة، وفي الثالثة والرابعة لا أقرأ.
في حين أن المذهب المالكي لن يقرأ [في الأولى التي فاتته]، ثم يقرأ، ثم يقرأ، ثم لا يقرأ. فتكون الصلاة في أولها لا يوجد قراءة [سورة] وفي آخرها لا توجد قراءة. هل انتبهت؟
وكذلك لو دخل [المسبوق في] الركعة الثانية، فإن المصلي رقم اثنين سيقرأ، وكذلك الثالث والرابع مع الإمام لا يقرأ، ويأتي إلى الركعة الأخيرة وهي الأولى بالنسبة له فيقرأ مرة أخرى.
إذن فهو يقرأ في أول الصلاة ويقرأ في آخر الصلاة، ويسمّونها المالكية: الصلاة ذات الجناحين؛ لأن هناك جناحًا في أولها وجناحًا في آخرها، تطير إلى الجنة! يعني الصلاة ذات الجناحين.
قصة الشيخ صالح الجعفري ومسألة ذات الجناحين في صلاة المسبوق
ونحن هنا في هذه القبلة كان يصلي بنا الشيخ صالح الجعفري رحمه الله تعالى، وبعد الصلاة قام أحدهم وسأله هذا السؤال قائلًا: يا مولانا، أنا دخلت في الركعة الثانية وقرأت معك السورة، وعندما وصلت إلى الركعة الأخيرة قلت: هذه التي عليَّ، وقرأت السورة أيضًا. أتصلح [صلاتي]؟
فقال له: نعم يا بني تصلح، وهي ذات الجناحين التي تطير بك إلى الجنة.
وشرح المسألة التي شرحناها الآن: أنه يكون عندك هذه الأولى، والثانية هي الثانية بالنسبة لك، والأولى تقضيها لقول رواية الإمام مالك عن سيدنا رسول الله: «فاقضِ». وشرح هذا الكلام.
ثم قال: الحمد لله الذي حفظ علينا العلم! هذه المسألة سمعتها من شيخي منذ خمسين سنة، وهي مسألة ذات الجناحين هذه، لم يسألني أحدٌ فيها خمسين سنة!
حسنًا، هذا الكلام من كم؟ من خمسة وثلاثين سنة. حسنًا، جيدٌ هكذا. لكن سألوني فيها كثيرًا في الخمسة والثلاثين سنة الأخيرة؛ يبدو أن الناس كثُرت.
حكم المسبوق في موافقة الإمام والقنوت في صلاة الصبح عند الشافعي
إذا أدرك [المسبوق] آخر صلاة الإمام فهو أول صلاته، فليوافق الإمام وليبنِ عليه؛ يوافق الإمام ويبني على ذلك.
وليقنت في الصبح في آخر صلاة نفسه. الإمام الشافعي يرى أن القنوت في الصبح الذي نؤديه في الفجر هذا سنة، حتى أنه إذا نسيتها [يُشرع لك العودة إليها].
إذا نسيتها إلى أي حدٍّ أنت نزلت؟ بعد القيام من الركوع نزلت على ركبتيك ووضعت يديك الاثنتين على الأرض وخفضت رأسك استعدادًا للسجود، لكنك لم تضع رأسك بعد، وتذكرت: ياه، إنني لم أقنت! فتقوم مرة أخرى [للقنوت].
ولكن إذا كنت قد وضعت رأسك على الأرض فلا يجوز لك أن تقوم مرة أخرى، وإذا قمت مرة أخرى تبطل صلاتك؛ لأنك قد تلبّست بركن [وهو السجود].
ضابط العودة للقنوت المنسي قبل التلبس بركن السجود
لكنك لم تتلبّس بركنٍ بعد. إلى أين وصلت؟ لقد وضعت قدميَّ الاثنتين - وهما موجودتان من البداية على الأرض - نزلت بركبتي ووضعت يديَّ الاثنتين، ولا زال رأسي في المنتصف هكذا، لا يزال باقٍ خمسة عشر سنتيمترًا، ولم أضع رأسي بعد.
تذكرت أنني لم أقنت، فقُم أقوم مرة أخرى، وانتبه لأنك لم ترتبط بعد بالركن [وهو السجود] الذي بعده. هذه [المسألة مهمة].
ونحن صغار سألنا فيها شيخنا - نحن سألنا -: متى يجوز لك أن تقوم إلى القنوت [المنسي]؟ فقلت له هذا الكلام، قلت له: عندما يحدث كذا وكذا [أي قبل وضع الرأس على الأرض]. فدعا لي بالخير وقال: فتح الله عليك، فتح الله عليك!
هذه المسائل جميلة. قال لي ماذا؟ فتح الله عليك! هذا دعاءٌ جميل، فتح الله عليك.
حكم المسبوق إذا أدرك بعض القيام وبدء الفاتحة دون دعاء الافتتاح
وإذا أدرك [المسبوق] مع الإمام بعض القيام فلا ينشغل بالدعاء وليبدأ بالفاتحة وليخفِّفها.
يعني نحن جئنا الآن خلف الشيخ عيد وكان قد انتهى من الفاتحة، فورًا نكبِّر الله أكبر وندخل في الفاتحة. أنت ليس لديك وقت حتى تقول [دعاء] الافتتاح وهكذا.
فإن ركع الإمام قبل تمامها [أي تمام الفاتحة] وقدر على لحوقه في اعتداله عن الركوع فليُتمّ [الفاتحة]. فإن عجز وافق الإمام وركع، وكان لبعض الفاتحة حكم جميعها فتسقط عنك.
بالكاد سيركع الإمام وأنت قد بدأت في قراءة الفاتحة، فاقرأها بسرعة ثم اركع معه في الصلاة. حسنًا، الإمام ركع وأنت لم تستطع [إتمامها]، انتهى الأمر، فلتدعها وتركع معه.
يعني إذا كانت هناك فرصة فقُلها بسرعة، وإذا لم تكن هناك فرصة فاركع معه وتُحسب لك الركعة.
ضابط إدراك الركعة مع الإمام في الركوع ومعنى الركوع الشرعي
حسنًا، الإمام أدركته وهو راكع بقدر تسبيحة ثم رفع من الركوع، تُحسب الركعة.
وأنا نازلٌ للركوع وهو صاعد؟ التقينا في النصف هكذا؟ لا، لا تُحسب الركعة.
والركعة معناها أن معتدل الخِلقة يضع يديه على ركبتيه، هذا معنى الركوع. يعني ماذا؟ ركوع يعني أقف هكذا وأنا معتدل الخِلقة.
ماذا يعني معتدل الخِلقة؟ يعني إذا فردتُ يدي هكذا تكون المسافة بينهما - ما بين إصبعي هذا وإصبعي هذا - بقدر طولي هكذا، معتدل الخِلقة.
تجد بعض الناس أيديها طويلة قليلًا وأطول من طولها مع الأمانة، وهناك ناسٌ أقصر من طولها. ومن الذي يكتشف هذه المسألة؟ إنه الخيّاط! هو من ينتبه لهذا الأمر وهو يُفصِّل لك الجلباب، وعندما يأتي ليقيس يقول: يا الله، إن يديك قصيرتان! أو إن يديك طويلة! وهكذا، ويأخذ انتباهه أنه يُفصِّل لك بدقة حتى يكون التفصيل كالكأس مع الرسم.
بداية الركوع وتمامه وحكم إدراك الإمام فيه بقدر تسبيحة
أما المعتدل الخِلقة فالمسافة بين يديه تساوي الطول. إنه هكذا: من وضع كفيه على ركبتيه فهو راكع في بداية الركوع هكذا، من وضع كفيه على ركبتيه.
وتمام الركوع أن يكون ظهرك مستويًا مثل ميزان الماء. لكن بداية الركوع هكذا: أن تضع يديك على الركبتين.
إذا لم تُدرك الإمام في هذه [الهيئة] بقدر تسبيحة، يبقى أنك لم تُدرك الركعة.
وإن ركع الإمام وأنت في السورة فلتقطعها. إذا كنت في سورة صغيرة والإمام في صلاة الظهر وذهب راكعًا، فلا تُكملها بل اركع؛ فمن الأفضل أن تتابع الإمام من أن تُكمل [السورة].
حكم من أدرك الإمام في السجود أو التشهد وتكبيرة الإحرام والهوي
في السجود أو التشهد كبِّر للإحرام ولابد؛ لأن الإحرام هو الذي يدخل به الصلاة، ثم جلس ولم يكبِّر [تكبيرة أخرى].
بخلاف ما إذا أدركه في الركوع؛ فإنه يكبِّر ثانيًا في الهُوِيّ [أي النزول إلى الركوع]؛ لأن ذلك انتقالٌ محسوب له.
انظروا كيف قال الرجل الذي نتحدث معه [أي المصنف] الآن يُعلِّمنا ماذا؟ ماذا يُعلِّمنا يا إخواننا؟ ها! أبدًا، هذا يُعلِّمنا التصوف! ها هو التصوف: يُخبرنا ماذا نفعل، وما هو الحلال وما هو الحرام.
ها هو التصوف! فهذا كتابٌ في التصوف، وقد طلبوا من الشيخ الرعيني أن يؤلِّف لهم كتابًا في ترقيق القلوب وفي التصوف والطريق إلى الله، فألَّف لهم كتابًا في البيوع! ألَّف لهم كتابًا عن كيفية الحلال والحرام؛ لأن أول درجات التصوف مراعاة الحلال والحرام.
التصوف الحقيقي يبدأ بتربية الإنسان على أحكام الشريعة العملية
وفي تربية الإنسان قبل البنيان، نربّيه في ماذا؟ في أن يعرف كيف يجادل الناس أو نحو ذلك؟ أبدًا! الصالحون مشغولون وهو [المصنف] يُعلِّم الناس كيف تُدرك الركوع مع الإمام.
فما الذي بقي؟ الإسلام الذي نتحدث عنه حتى اليوم! حسنًا، وأين ذهب المحتلون؟ أين ذهب الصليبيون؟ في مصيبة! والتتار؟ إلى المصيبة! وأين ذهبت أمريكا؟ إلى المصيبة! الكل ذهب إلى المصيبة.
ومن بقي؟ من بقي: «إذا أدركه في الركوع فإنه يكبِّر ثانيًا في الهُوِيّ». هذا هو الذي بقي، هذا هو الذي بقي!
ويجعل المسلمين كم الآن؟ مليار ومائتي مليون! العدد الكبير الذي [وصلوا إليه] لأنهم يُعلِّمونهم.
بناء الإنسان لا البنيان والسير على درب الأجداد في تعليم الدين
علَّموهم أن يقولوا لربنا ماذا؟ قالوا لهم: قولوا له:
﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]
﴿سَيُغْنِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 59]
بنوا الإنسان، لم يهتموا ببناء هرمٍ يبقى عبر الزمان، إنما بنوا مَن؟ بنوا الإنسان.
فلا تُضيِّعوا تراث أجدادكم، وسيروا كما ساروا. لا تقل قد ذهبت أربابه؛ كل من سار على الدرب وصل.
ترتيب الصلوات الفائتة وتقديم الجماعة الحاضرة على القضاء
من فاتته صلاة الظهر إلى وقت العصر فليصلِّ الظهر أولًا ثم العصر؛ فهو يُعلِّمه كيف يفكر ويرتِّب عقله.
فإن وجد جماعةً [تصلي العصر] فليصلِّ العصر ثم ليصلِّ الظهر بعده؛ فإن الصلاة مع الجماعة بالأداء أولى.
يرتِّب له عقله قائلًا: هذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من [ذاك]. ولكل ذلك أسرار.
فتح الله علينا بأسرار الشريعة الغرّاء، وبأنوارها تتلألأ في قلوبنا بحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
حكم من صلى ثم رأى نجاسة على ثوبه أو أثناء الصلاة
قال [المصنف]: من صلّى ثم رأى على ثوبه نجاسة فالأحبّ قضاء الصلاة ولا يلزم.
ولو رأى النجاسة في أثناء الصلاة رمى بالثوب وأتمّ [صلاته]. وأصل هذا قصة خلع النعلين؛ حيث أخبر جبريل عليه السلام رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام بأن عليهما نجاسة، فخلعهما ولم يستأنف الصلاة.
فيمكن للمرء وهو يصلي إذا رأى في الجبة نجاسة فيقوم يخلع الجبة أثناء الصلاة ويستمر في صلاته. لكن يجب أن يكون مرتديًا تحت الجبة ثوبًا ساترًا للعورة، وليس هذا فحسب؛ فلو كانت هي فقط [أي الجبة هي الساتر الوحيد] أخرج من الصلاة.
الترتيب الصحيح هكذا: يجب عليك ترتيب الأمر. لماذا تفعلها هكذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعلين، فأخبره جبريل بنجاسة فيهما، فخلعهما واستمر في الصلاة.
رحمة الله بعدم المؤاخذة بعدم العلم والدعاء بالعفو عما نعلم وما لا نعلم
ولماذا [لم يُعِد النبي ﷺ الصلاة من البداية]؟ قال: ما أخذنا [أي لم يؤاخذنا] ربنا؛ لم يؤاخذنا بعدم العلم من باب الرحمة، ونستمر.
كان من الممكن أن أقول: لا، هذا ما قد علمتُ. ألا يكون من البداية إنها رحمة من ربنا؟ إنها تخفيف، إنها تخفيف - عدم المؤاخذة - بالعلم.
ولذلك نقول له: اللهم اعفُ عمّا نعلم وعمّا لا نعلم وأنت به أعلم. فمن الممكن أن يكون شخصٌ ما يفعل المصائب وهو لا يدري.
فنقول له: يا رب سامحنا في ما نعرفه وما لا نعرفه والذي أنت به أعلم. يا رب استجب!
حكم من ترك التشهد الأول أو شك في عدد الركعات وسجود السهو
من ترك التشهد الأول أو شكّ فلم يدرِ أصلّى ثلاثًا أم أربعًا، أخذ باليقين وسجد سجدتي السهو.
وأنت واقفٌ وعقلك ليس معك، تفكر في الشرق والغرب، مسكين! وصلنا إلى الركعة الثالثة: هل هي الرابعة أم الثالثة؟ ركعات! ابنِ على اليقين الذي هو الأقل.
متشكك ثلاثة أم أربعة؟ دعهم ثلاثة. متشكك اثنين أم ثلاثة؟ دعهم اثنين. وابنِ على ذلك، وبعدها سجدتان للسهو في النهاية تُغيظ بهما الشيطان.
[الشيطان] يريد أن ينقص صلاتك، فأنت تقول له: لا، سأزيدها! خذ سجدتين تُغيظك أيها الشيطان، اغتظ الآن! وستجد أنه تركك.
حكم سجدتي السهو بين السنة والوجوب وأثرهما في إرغام الشيطان
هاتين السجدتين سنة أو فرد سنة. حسنًا، ولو تركتهم والشيطان أنساك السجدتين، وبينما تنتهي من التحيات أنساك أنك نسيت، إذا تقوم وتسلِّم وتنصرف، وصلاتك صحيحة.
القضية كلها أنك تسجد سجدتين تُرغم بهما الشيطان، تُرغم بهما الشيطان؛ أي تجعل أنفه في التراب. والرغام ماذا يعني؟ إنه التراب. تُرغم بهما الشيطان يعني تضع مناخيره في التراب، تُغيظه.
إن أنساك أن تُغيظه، حسنًا، اذكر الله، قل: لا إله إلا الله.
النهي عن الوسوسة في الصلاة والدعاء بالمغفرة وتيسير الأمور
ثم نهانا [المصنف] عن الوسوسة؛ لأن الوسوسة هذه بلاء.
اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ويسِّر لنا أمرنا كله.
