ندر اليوم وجود الجو العلمي الصحيح ويصعب الانتقال من بلد لأخر فكيف يتدارك طالب العلم هذا النقص ؟
- •يمر طالب العلم الشرعي بمرحلتين: الأولى التحصيل، وفيها يدرس العلوم الأساسية كالقرآن والسنة والفقه والتوحيد والتصوف، مع العلوم المساعدة كالنحو والصرف والبلاغة والمنطق والتاريخ والسيرة.
- •المرحلة الثانية هي الإجازة، التي تستلزم المصاحبة والتحصيل والاختبار، ولا يصبح المرء عالماً إلا بها.
- •كان نظام التعليم في الأزهر قديماً يعتمد على حلقات علمية مفتوحة، حيث يتفاعل الطلاب مع الشيخ في نقاش مستمر.
- •الامتحان للعالمية كان صارماً، حيث يختبر المشايخ الطالب اختباراً شاملاً، ويمنحونه إحدى أربع درجات حسب كفاءته.
- •نظام الإجازة التقليدي لا يمكن تحصيله عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي.
- •الأزمة الحالية أن الشباب يستعجلون ويظنون أنهم حصّلوا العلم دون إجازة حقيقية، فيفتون بغير علم.
- •العصر الحالي يحتاج إلى أساليب جديدة تواكب زيادة السكان مع الحفاظ على جودة التعليم الشرعي.
سؤال عن كيفية تدارك طالب العلم للنقص في ظل ندرة الجو العلمي الصحيح
يسأل سائل: ندر اليوم وجود الجو العلمي الصحيح، ويصعب الانتقال من بلد لآخر بسبب الظروف الحالية، فكيف يتدارك طالب العلم هذا النقص؟
طالب العلم الشريف يمر بمرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة التحصيل، وفيها يحصّل العلوم الأساسية، ويحصّل العلوم المساعدة، ويحصّل العلوم الفرعية.
العلوم الأساسية في العلم الشرعي من قرآن وسنة وفقه وتوحيد وإحسان
والعلم الشرعي الشريف في أساسياته يتكلم عن علم القرآن وعلومه، وعلوم السنة المشرفة، وعن علم الفقه وأصوله. ويتكلم أيضًا عن علم التوحيد، وعن علم الإحسان الذي أُطلق عليه التصوف.
ويتكلم عن العلوم التي توصل إلى ذلك [أي إلى فهم العلوم الأساسية] من علوم اللغة المختلفة كالنحو والصرف والبلاغة وفقه اللغة والوضع. ويتكلم عن علوم المعقول كالمنطق وآداب البحث والمناظرة والحكمة العالية، وهو علم يختص بدراسة الموجود.
أهمية التاريخ والسيرة وعلم الرجال والأسانيد ومدارس العلم المختلفة
ويتكلم أيضًا عن التاريخ وعن السيرة وعن علم الرجال وعلماء الإسلام وأسانيد الدفاتر؛ لأن هذه الأمة تميزت بنقل العلم كابرًا عن كابر.
وفي هذا مدارس: بعضهم أخذ بالرخصة، وبعضهم أخذ بالعزيمة، وبعضهم أخذ بظاهر الأمر، وبعضهم أخذ بباطنه، وبعضهم جمع بين ذلك كله.
مرحلة التحصيل وشروط نيل العلم الستة عند الإمام الشافعي
في مرحلة التعلم والتحصيل يحصّل الإنسان بعض هذه العلوم أو كلها، وقالوا: أعطِ للعلم كلّك تأخذ منه بعضه؛ لأن هذا [العلم واسع لا يُحاط به].
ومن الجيل الأول نرى الإمام الشافعي رحمه الله يقول:
أخي لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تأويلها ببيان:
- ذكاء
- وحرص
- واجتهاد
- وبُلغة
- وإرشاد أستاذ
- وطول زمان
نظام الأكلات الجاهزة (التيك أواي) غير موجود عندنا في [طلب العلم]، وطول زمان.
معنى البُلغة والتفرغ لطلب العلم ودور الأوقاف في دعم طلبة العلم
ستة منها البُلغة، وهي التخصص والتفرغ؛ تتفرغ للعلم فتأتي ببُلغة تحيا منها. وقد أوقف المسلمون عبر التاريخ أوقافًا لطلبة العلم حتى يتفرغوا لهذا التحصيل.
المرحلة الثانية وهي الإجازة وشروطها كما في نموذج الإمام مالك
ثم تأتي المرحلة الثانية: وهي الإجازة. فلم يتصدر مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والذي قيل فيه: لا يُفتى ومالكٌ في المدينة، إلا بعد أن أجازه سبعون من مشايخه من علماء أهل المدينة، منهم من كان من التابعين الأكابر كنافع.
أجازوه بالرواية وأجازوه بالعلم. والإجازة تستلزم المصاحبة، وتستلزم التحصيل، وتستلزم الاختبار والتجريب، وهذه مرحلة أخرى.
الفرق بين التحصيل والإجازة ومثال عمّ المتحدث الذي لم يُجَز
والسائل يتكلم أنه يريد الأمرين: يريد أمر التحصيل وأمر الإجازة. وقد يتعذر على بعضهم الإجازة حتى ولو حصّل.
عمي رحمه الله التحق بالأزهر الشريف وحصّل، لكنه لم يُجَز، لم يُجَز، لم يُجَز، يعني لم يدخل الامتحان الخاص بالعالمية ويأخذ العالمية؛ لأنه تعب في نظره فرجع إلى البلد.
فهذا يُعتبر أزهريًا لكنه لا يصلح للتدريس؛ لأنه ليست معه الإجازة.
نظام طلب الامتحان في الأزهر القديم والحلقات العلمية المفتوحة
وكان في القديم إذا شعر الإنسان أنه قد حصّل بما فيه الكفاية من العلوم الأصلية ومن العلوم المساعدة ومن العلوم الفرعية، طلب الامتحان.
وكان الأزهر في حلقات علمية مفتوحة؛ كان يجلس الشيخ وأمامه الطلاب ليدرسوا مثلًا ألفية ابن مالك. كل طالب بيده شرح مختلف عن الطالب الثاني. غدًا سنأخذ بيتًا من أبيات ابن مالك من أبياته الألف في ألفيته:
طا تا افتعال رُدّ أثر مُطبِق، في ادّان وازدد وادّكر دالًا بقي
ولا الإنجليزي [أي أن هذا العلم عربي خالص لا يُدرس بغير العربية].
منهج التعجيز في الحلقات العلمية ودوره في إثراء الدرس والتعلم المتبادل
فيذهب كل واحد لدراسة معنى هذا البيت، ويأتون فيقرر الشيخ معناه ويضرب لذلك المثال ويتوسع في الشرح. وبعد ما يشرح يقول كلمة «تعجيز».
الشيخ الكبير صاحب الدرس يقول ماذا؟ تعجيز، يعني تحدٍّ لأي طالب يسأله، حتى لو كان يعرف الإجابة حتى يُعجز الشيخ. فيشعرون بلُحمة العلم وأن العلم رحم بين أهله.
تعجيز: فيتكلم الطالب بما لم يسمعه في الشرح، لكنه فهمه من عبارة المصنف التي معه. فإن كان صوابًا تكلم الشيخ في هذا الجانب الذي لم يذكره في شرحه الأول، ويصبح هناك شرح آخر طبقًا لما بدر في كل عقل من عقول الحاضرين حول المسألة.
تصحيح الفهم الخاطئ واعتراف الشيخ بعدم معرفته وحالة التعلم الدائم
أو قد يكون السؤال خطأً؛ لأنه فهم خطأً من الكتاب، فيصحح له فهمه، ويقرؤون عبارة ما استُشكل عليه، ويفسر الشيخ له ما بين يديه.
أو قد يقول [الشيخ]: يا بني، أنا لا أعرف هذا الفرع ولم أسمع به من قبل، فيقرؤون العبارة ويستفيدون فائدة جديدة. فكأن المدرس والطالب في حالة تعلم دائم.
قالوا: لن تنال العلم حتى تتعلم:
- •ممن هو فوقك [أي الشيخ]
- •أو ممن هو مثلك [أي المذاكرة مع زملائنا]
- •أو ممن هو دونك [أي طالب الدرس]
وهذا يستلزم إخلاصًا في النية وصفاءً في النفس.
التركيب العلمي لا يوجد في الإنترنت والفرق بين التحصيل والإجازة
وكل هذا التركيب العلمي لا يوجد في الإنترنت، ولا يوجد في وسائل التواصل الاجتماعي.
ولذلك، فحتى تحصّل شيئًا من التحصيل: ادخل وذاكر واقرأ وابحث وهكذا إلى آخره. ولكن لا تعتبر نفسك عالمًا؛ لأنك لم تُجَز بعد.
مثل عمي يرحمه الله، ولم يكن يقول أنا شيخ ولا شيء؛ لأنه لم يحصل على الإجازة بعد. ذهب بسبب تعب في عينيه، خلاص تعب في عينيه، تعب. وكثير من الناس هكذا كانوا منتمين إلى الأزهر ولم يمتحنوا.
نظام امتحان الإجازة في الأزهر القديم وجلوس الطالب مجلس الأستاذ
فإذا أراد الطالب الامتحان ذهب إلى المشايخ وطلب منهم ذلك، فعطّلوا الدرس في الأزهر ويقولون لهم: يا أبناء، غدًا السبت سيلقي الشيخ فلان الدرس، ونحن نعلم أن هذا الشيخ فلان ليس شيخًا بعد، وإنما هو طالب علم.
فيجلس مجلس الأستاذ، ويجلس المشايخ مجلس الطلاب على الأرض، ويلقي الدرس ويقرره. ثم يقول كما يقول المشايخ: «تعجيز».
فيأخذ كل واحد من المشايخ الكبار في تعجيزه ومناقشته.
درجات الإجازة الأربع في الأزهر وإلباس الطيلسان للخريج
ثم بعد ذلك يعطونه شهادة من أحد أربع شهادات أو درجات:
- الدرجة ألف: لك أن تدرّس في كل العلوم.
- الدرجة باء: لك أن تدرّس في بعضها.
- الدرجة جيم: لك أن تدرّس في علم واحد تميزت به، والباقي لا يعجبنا.
- الدرجة دال: إياك أن تدرّس.
وحينئذ يقوم شيخ المشايخ بإلباسه الطيلسان. والطيلسان الذي نحن نسميه الآن الغترة البيضاء، الشال الذي يرتديه إخواننا في السعودية. فيلبس الطيلسان على العمامة، فيكون مرتديًا العمامة وفوقها يلبس الطيلسان. وعندما يمشي بالطيلسان يقولون له: مبارك يا مولانا.
ولذلك حصل على كرسي التدريس في الأزهر الشريف.
تطور نظام الأزهر من الحلقات العلمية إلى نظام العالمية وشروطه
استمر هذا حتى أواخر القرن التاسع عشر، ثم بعد ذلك تطور إلى نظام العالمية.
وفي نظام العالمية يفتح الشيخ كل سنة لستة أفراد للامتحان، فإذا تقدم ستة أُغلق الباب. يصبح خريج الأزهر ستة فقط كل عام، والباقي طلاب علم، لكن المشايخ ستة.
ويذهبون إلى بيت شيخ الأزهر، وكانت تجري عليه الأوقاف من أجل هذه الأيام. ويجلسون اثني عشر شيخًا آكلين شاربين نائمين في مكتبة شيخ الإسلام في بيته، مخدومين وكل شيء.
تفاصيل اختبار العالمية من الفجر حتى ما بعد العشاء ومناقشة الأدلة
ويجلسون مع هذا الشخص [المتقدم للامتحان] من الصباح الباكر؛ يصلون الفجر ويجلسون يختبرونه حتى ما بعد العشاء، ثم يذهبون للنوم.
إذا أرادوا مراجعة الكتب فالكتب موجودة، وإذا أرادوا التحقق من مسألة ما، وإذا اختلف معهم يحضرون له المراجع والكتب ويقيمون عليه الأدلة ويقدمونها له مما قد ورثوه عن آبائهم.
[فيحكمون عليه بإحدى الدرجات:] ألف أو باء أو جيم أو ساقط.
قصة الشيخ الدسوقي العربي وطريقته في إسقاط الطالب غير المؤهل
وظل هذا الأمر إلى ألف وتسعمائة وعشرين حتى فُتحت الكليات. كانوا يعملون بهذا النظام.
كان عندنا سيدنا الشيخ الدسوقي العربي، إذا ناقش الطالب ووجد أنه لم يحصّل شيئًا فيقول له [كناية عن رسوبه]. هم كانوا دائمًا حاملين عُلبًا هكذا اسمها علبة النشوق، يضعونه هكذا في أنوفهم، أشياء ويستنشقونها. لا أعرف، يبدو أنها تُحدث تركيزًا أو شيئًا ما.
ويكون معهم المنديل المُحلاوي هذا لأجل هذا التبغ الذي يضعونه في أنوفهم.
عبارة تستنشق يا سيدنا الشيخ وكيف كانت تعني سقوط الطالب في الامتحان
فعندما كان الشيخ الدسوقي العربي يرى الشاب لا يُجيب ولا يعرف شيئًا، ويتكلم كلامًا ليس ككلام أهل العلم، فيقول له: «تستنشق يا سيدنا الشيخ؟» فيعلم الطالب أنه قد سقط.
فيأخذ النشوق ويقول له: «استنشق يا مولانا». فالطالب يأخذ النشوق، يعني أنت ماذا؟ صاحبنا، يعني أحاديث المقاهي، ليس هذا علمًا. ابقَ صديقنا وحسب. يأخذ النشوق ويقوم بصمت.
«تستنشق يا سيدنا الشيخ»، يقول له: «استنشق يا مولانا». ماذا تعني «استنشق يا مولانا»؟ خلاص، انتهى الامتحان وأنت غير صالح. فكانوا يفعلون هذا.
الإنترنت ووسائل التواصل لا تغني عن الإجازة والفرق بين التثقف والعالمية
هل سينفع هذا [النظام العلمي] في الإنترنت؟ لن ينفع في الإنترنت. سينفع في التواصل الاجتماعي؟ والله ما هو نافع في التواصل الاجتماعي. هذه حياة [أي تجربة حية لا تُنقل عبر الشاشات].
ولذلك دور الإجازة [عظيم]؛ هناك فرق بين التعلم والتثقف والمعرفة وبين أن تكون عالمًا. لا بد من هذه الإجازة، ولا بد من إقرار المشايخ لك.
بلية استعجال الشباب في ادعاء العلم وخطورة الفتوى بغير علم
أطلت في هذا السؤال لأنه بلية كبرى وعظمى. استعجل الشباب وظنوا أنهم قد حصّلوا العلم، وأن أمراءهم قد حصّلوا العلم، والله عليم أنهم أجهل من دابة، وأنهم لا يعرفون اللغة ولا الأصول ولا التوثيق ولا أسس الفهم.
فيسيرون في ظلام ويحكمون بالهوى كابرًا عن كابر، أي المتكبر هو ومن ظن أنه درس عليه، ومن ظن أنه درس عليه، كلهم في النار؛ لأنهم يفترون على الله سبحانه وتعالى الكذب. بعضهم وهم يعلمون، وبعضهم من غير علم، إنما هو ظن وكِبر أفسد الأرض وأفسد ما هنالك.
علة زيادة السكان وأثرها على الحاجة إلى أساليب جديدة في التعليم الشرعي
ونحن في علة أخرى وهي علة زيادة السكان. انظر: كان هناك يخرج من الأزهر كل سنة ستة، وكنا أربعة عشر مليونًا فأصبحنا مائة.
حسنًا، أربعة عشر عندما تضربها، لنقل في عشرة يا سيدي، تصبح مائة وأربعين مليونًا. فينبغي أن يخرج ستون وليس ستة آلاف، يخرج ستون.
ولذلك نحن في عصر أزمة، في عصر يحتاج إلى أن نفكر في أساليب جديدة خارج الصندوق.
