نذر أن ينفق شيئا في مقابلة ارتكابه المعصية | أ.د علي جمعة - فتاوي

نذر أن ينفق شيئا في مقابلة ارتكابه المعصية | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • توضيح حكم من أقسم أن لا يفعل معصية وإذا فعلها يخرج صدقة، فإن صيغة اليمين تحدد التكرار.
  • إذا قال "كلما وقعت في المعصية أخرجت صدقة" فعليه إخراج الصدقة في كل مرة.
  • عدم ذكر "كلما" يعني التزامه بالصدقة مرة واحدة فقط.
  • لفظ "التَكْرار" بالفتح صحيح لغوياً، وكل "تَفْعال" في الأسماء يكون بالفتح.
  • هناك فرق في المعنى بين "متى شئت" التي تفيد مرة واحدة و"كلما شئت" التي تفيد التكرار.
  • اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، ومن يفقد اللغة يفقد القدرة على الفهم السليم.
  • الجهل باللغة يؤدي إلى أخطاء في فهم الأحكام الشرعية.
  • يظهر ذلك في الخلط بين مفهوم الليل الذي يبدأ بالمغرب وبين الظلام.
  • معرفة اللغة تحمي من الوقوع في الأخطاء والتشكيك في الثوابت.
  • الإلمام باللغة ضروري لبناء الحضارة وفهم الدين، فالقرآن نزل عربياً للتنبيه على أهمية اللغة.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

حكم من أقسم ألا يفعل معصية ثم فعلها مرات متعددة

يسأل سائل أنه أقسم ألا يفعل شيئًا من المعاصي، فإذا فعلها فإنه ينفق شيئًا في مقابل وقوعه في تلك المعصية، ففعلها ووقع في المعصية مرات.

فهل عليه أن يُخرج عن كل مرة شيئًا، أم أن المرة الأولى عندما عصى انفكّ اليمين؟

الإجابة حسب صيغة اليمين؛ فلو كانت الصيغة بـ «كلما» أي أنه قال: والله كلما وقعت في المعصية أخرجتُ صدقة، إذن ففي كل مرة سيُخرج الصدقة؛ لأنه قال: والله كلما وقعت في المعصية.

الفرق بين كلما ومتى في صيغة اليمين وأثره على التكرار

فإذا لم يقل «كلما» فلا يفيد ذلك التَكْرار. ونقول «التَكْرار» بالفتح هكذا، لا تقل «التِكْرار»، تقول: التَكْرار، التَذْكار، التَسْيار، لا تقل: تِذْكار، تَذكار. كل «تَفْعال» فيما خلا الأسماء تكون بالفتح.

فكلمة «كلما» تقتضي التكرار. طيب، افترض أنه قال: والله لو عملت المعصية هذه ثانية لأُخرِجَنّ شيئًا، لم يقل «كلما»، فهي مرة واحدة فقط؛ إذا عملها مرة ثانية فهو لم يقسم على «كلما» ولا أقسم على التكرار.

الفرق بين متى شئت وكلما شئت في شرط تطليق المرأة نفسها

بعض النساء يكون لهن رغبة في أنها لا تضمن عريسها تمامًا، فتضع شرطًا في وثيقة الزواج: أُطَلِّقُ نفسي متى شئت. هذا يعني أنها تُطلِّقُ نفسها مرة واحدة فقط وطلقة رجعية، فيستطيع الزوج إرجاعها إلى عصمته، لا يمكنها أن تطلق نفسها مرة ثانية، فعبارة «متى شئت» تعني طلقة واحدة فقط.

لكن لو كتبت «أُطَلِّقُ نفسي كلما شئت» فستتمكن من تطليق نفسها؛ فيرجعها الشاب لأنه يحبها وهي لا تحبه، فأرجعها إلى عصمته، ثم تطلق نفسها مرة ثانية، فيرجعها إلى عصمته، ثم تطلق نفسها مرة ثالثة، وبذلك تكتمل العدة ولا تعود إليه، فتكون طلقة بائنة كبرى.

الفرق بين كلما ومتى في اللغة واستثناءات وزن تَفعال في القرآن

انظر إلى الفرق بين «كلما» و«متى»: إذا قال «متى شئت» فهذا يعني مرة واحدة، أما «كلما شئت» فهذا يعني التكرار.

وكل مصدر على وزن «تَفعال» يكون بالفتح، إلا مصدرين اثنين فقط موجودين في القرآن الكريم لكي نحفظهما: «تِلقاء» في قوله تعالى عن موسى عليه السلام [تلقاء مدين]، و«تِبيانًا» في قوله تعالى:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: 89]

فهذان على وزن «تِفعال» اثنين فقط في اللغة العربية.

أهمية اللغة العربية وارتباطها بالفكر والدين والحضارة

وهل لمعرفة هذا [التفريق اللغوي] أهمية؟ بل لها أهمية عظمى؛ فإن الذي يفقد اللغة يكاد أن يكون يفقد عقله، فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة. كلما وجدنا فرصة لمعرفة اللغة لا بد أن نعرفها؛ لأننا رأينا البلاء المبين ممن افتقد اللغة.

مثال على جهل اللغة في مسألة الإفطار عند أذان المغرب

وكيف ستقنعه [من فقد اللغة]؟ شخص يقول لك: عندما يؤذَّن للمغرب لا تفطر! لماذا؟ هذا كفى الله الشر! الشرع يقول عندما يؤذَّن للمغرب نفطر، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هكذا:

قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على خير ما عجّلوا الفطور وأخّروا السحور»

فعند أول الأذان «الله أكبر» نفطر. قال [ذلك الشخص]: إن الليل لم يدخل بعد! الليل لم يدخل بعد؟

ما المشكلة التي لدى صاحبنا هذا؟ إنها اللغة؛ فهو لا يعرف اللغة، وسنضطر الآن للجلوس ونجادل ونأخذ ونعطي في اللغة.

بيان أن الليل يبدأ بالغروب لا بالظلمة ومراحل دخوله

الليل يبدأ بالغروب. لقد ظن المسكين أن الليل يبدأ بالظلمة، وهناك فرق بين الظلام وبين الليل. الليل فيه مغرب، وبعد ذلك فيه غياب للشفق الأحمر، وبعد ذلك فيه غياب للشفق الأبيض، وبعد ذلك تدخل العتمة التي هي العشاء.

فهو يا عزيزي لا يعرف اللغة، فبدأ يفكر بعقله، وماذا فعل؟ خالف اللغة وأنكر الإجماع.

خطورة إنكار الإجماع وأنه هوية الإسلام وسبب التشكيك في الثوابت

نحن نقول إننا لا ننكر الإجماع؛ لأن الإجماع هو هوية الإسلام، فإذا أنكرت الإجماع أنكرت هوية الإسلام.

حسنًا، وما الغرض من ذلك [إنكار اللغة والإجماع]؟ ما الغرض من هذه المسألة؟ إنه لا يلتزم باللغة ولا يلتزم بالإجماع.

لماذا التشكيك في الثوابت، ولماذا يفعل ذلك؟ لأن الغرب شكك فيها في القرن الثامن عشر، فخرجوا من دين الله أفواجًا، ونحن لا نرضى أن نخرج من دين الله. إنه أمر متعب أن يريد أحدهم إخراجنا من دين الله، شيء متعب بالنسبة له.

التشكيك في الثوابت اللغوية يؤدي إلى إسقاط البديهيات المنقولة

ماذا نفعل؟ شككوهم في الثوابت. وما هي الثوابت؟ هل اليوم هو الجمعة أم غدًا الجمعة؟ هل الشهر المنصرم هذا هو رمضان أم ليس رمضان؟

حسنًا، كيف عرفنا أنه رمضان؟ نعم، يكون إذن قد سقط هذا التخاطب معه. لماذا؟ لأنه من البديهيات المنقولة في اللغة أن هذا اسمه رمضان، وهذه اسمها سماء، وهذا اسمها أرض، وهذا اسمه رجل، وهذا اسمها امرأة، لا معنى لها عنده.

ومن هنا الخطوة الثانية: ماذا بعد إنكار اللغة؟ الرجل يتزوج رجلًا والمرأة تتزوج امرأة! يا إلهي! إن إنكار اللغة هذا اتضح أنه مصيبة، اتضح أنه مصيبة.

وجوب تعلم اللغة العربية والفرق بين الوصف والشتيمة

يجب علينا أن نعرف اللغة حتى لا نقع في الحماقة ونقول غباء. يقول [أحدهم]: لا، لكن لا تشتم! إنّ الشباب لا يريدونك أن تشتم. أنا لا أشتم، بل أنا أصف الحماقة البسيط والغباء المشتت، أنا أصف، أنا لا أشتم.

أنا لا أشتم، كلمة «حمق» هي وصف لما يكون عند المرء حمق. ماذا نفعل؟ هناك شيء يُسمى أحمق القرية، وأحمق القرية هذا ماذا نفعل به؟ فقدرته العقلية ليست مناسبة لذلك.

لماذا؟ لأنه فَقَدَ الأدوات. وما هي هذه الأدوات؟ إنها اللغة.

اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة وفقدانها يعني فقدان الدين والحضارة

واستمروا طوال اليوم يقولون: علّموا الناس اللغة، علّموا الناس اللغة. ليس هناك حضارة تُبنى من غير لغة. اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة؛ فإذا فُقدت اللغة فُقد الفكر.

لا، هذا ليس فُقِدَ الفكر فحسب، بل حتى فُقِدَ الدين، وفُقدت المعقولية، وفُقِدَت الحضارة.

يصبح هذا عندما أنزل ربنا:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]

لم يقل «قرآنًا» فقط. لماذا؟ ينبهنا إلى كلمة «عربيًّا» هذه. لماذا ينبهنا لكلمة -بين قوسين- هكذا «عربيًّا»؟ لكي نهتم باللغة.

خلاصة حكم من أقسم دون كلمة كلما وأثر ذلك على التكرار

إذن يصبح من أقسم على شيء دون كلمة «كلما» لا يفيد قسمه التَكرار، فلا يُكفَّر عنه بما نذر إلا مرة واحدة. فإذا قال «كلما» دفع ما نذر به مرات: مرة ومرة ومرة وهكذا.

بيان أن الليل يبدأ من المغرب وأثره على أحكام زكاة الفطر

وعرفنا أنه مع المغرب يحصل ماذا؟ [يبدأ الليل ويجوز الإفطار]، قال تعالى:

﴿ثُمَّ أَتِمُّوا ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]

والليلة تبدأ من متى؟ من المغرب. من أين أتيت بهذا الكلام؟ من اللغة المنقولة التي سهر عليها الأكابر الليلة، وبُنِيَت عليها أحكام.

من ضمنها أنه بمجرد أذان المغرب، لو مات شخص قبل ليلة العيد التي تبدأ منذ متى؟ من وقت المغرب، لم يكن عليه زكاة الفطر. ومن وُلِدَ قبل المغرب فعليه الزكاة، فإن وُلِدَ بعد المغرب فلا زكاة عليه.

الله! هذه حكاية الليل أصبحت ذات أهمية، مسألة كبيرة يُبنى عليها أحكام.

الفرق بين تحديد الليل بالمغرب وبين النسبية في انتظار الظلام

أما حكاية انتظر ثلث ساعة، انتظر ساعة، انتظر العتمة، انتظر الظلام، فهذه مسألة نسبية. لكن تلك [أن الليل يبدأ بالمغرب] كانت مسألة محددة واضحة.

فانظر الفرق بين اللغة وبين الحماقة المشتتة. لا تشتم! حاضر، لكنه هراء مشتت فعلًا. لا تشتم! حاضر، الشتيمة سيئة، لكن هذه ليست شتيمة، بل هذا وصف.

التذكير بأهمية اللغة العربية وخطورة فقدان المعاني اللغوية

حسنًا، وسنرى عجائب وغرائب في هذه الحكاية، وسأذكركم دائمًا بهذا الكلام: بأهمية اللغة، وأن هؤلاء الناس افتقدوا المعاني اللغوية وأرادوا بناء معانٍ لغوية أخرى لن توافق عليها الأُمَّة.

العجيب في لغة العرب إن لغة العرب هذه عجيبة غريبة، وكثيرًا ما ذكرنا خصائصها.