نهضة الأمة جـ2 | المبشرات حـ 27 | أ.د علي جمعة
- •ناقش علي جمعة مشروع النهضة الإسلامية وتأثير الحملة الفرنسية على مصر، حيث قتلت نحو 1500 عالم أزهري مما أوقف مشروع النهضة.
- •رغم المحنة، سعى حسن العطار لإحياء المشروع بفتح حوزة علمية وإرسال رفاعة الطهطاوي لفرنسا لنقل العلوم والمعارف.
- •كتب رفاعة "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" ناقلاً تفاصيل الحياة الفرنسية لاستفادة المسلمين منها مع الحفاظ على هويتهم.
- •أكد على أهمية اللغة العربية في بناء نهضة إسلامية، مشيراً إلى رفض الدولة العثمانية تحويل لسانها للعربية.
- •أوضح أن البحث العلمي باللغة العربية أساس النهضة، فكلما تمسك المسلم بالعلم أذاب الآخرين فيه.
- •ذكر تراجع دور المرأة في نقل العلم خلال الفترة العثمانية، وأن الابتعاد عن اللغة العربية أثر سلباً على التفكير الإسلامي.
- •أشار إلى اندثار اللغات عالمياً، محذراً من خطر فقدان اللغة العربية.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن مشروع النهضة الإسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
[المذيع]: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: كنا نتحدث يا مولانا عن مشروع النهضة الإسلامية وحرب أعدائنا من بني الأصفر، ووصلنا إلى حدّ نابليون عندما هاجم مصر لتدمير هذا المشروع النهضوي.
دور المسلم في مواجهة المحن وقراءة فعل الله في تحويل المحنة إلى منحة
[الشيخ]: الدنيا مليئة بالصراع، ومليئة أيضًا بالنوايا الشريرة والنوايا الحسنة، ودور المسلم هو ألا يُصاب بالإحباط، بل يُصاب بالبشرى؛ أي ألا يُحبَط.
جميلٌ أن لا يُحبَط، لا بد أن يكون عنده بشرى، ولا بد أن يقرأ فعل الله سبحانه وتعالى. وفعل الله أنه يجعل في المحنة منحة جميلة.
وكانت الحقيقة أن الحملة الفرنسية كانت محنة؛ لأنها قتلت أكثر من ألف وخمسمائة عالم أزهري، بواقع خمسة مشايخ كل يوم، من تلامذة النهضة التي كانت مصر على مشارفها حينئذ.
النهضة المصرية ومشروع سليم خان لتحويل اللسان التركي إلى العربية
هذه النهضة كانت ستغير وجه الدولة العثمانية. الدولة العثمانية عندما جاء سليم خان ودخل مصر، ورأى علمها وفنها وصناعتها، وأخذ كثيرًا من الحرفيين والصناع لكي يبنوا اسطنبول.
عندما رأى هذا، ذهب إلى تركيا واقترح تحويل اللسان التركي إلى اللغة العربية؛ يعني هيّا كل المدارس تعمل باللغة العربية، الكلام في الأسواق تكون عربية، لغة الدولة الرسمية تكون عربية، وننهي هذه المسألة. ففي خلال جيلين أو جيل ينتهي التركي ويصبح عربيًا.
مقاومة الشعب المصري والعالم الإسلامي للحملة الفرنسية وسؤال هل رحل نابليون مهزوماً
[المذيع]: هنا يا مولانا، بعد إذن فضيلتك، في لمحة عندما نسترجع الحملة الفرنسية، هناك أناس كثيرون يغفلون عنها وإن كانت موجودة في المراجع والكتب: أن المماليك كانوا يقاتلون، الشعب المصري كان يقاتل، وكان من الأشراف شريف مكة يرسل عن طريق البحر من الحجاز ومن السعودية (المملكة العربية السعودية حاليًا) مقاتلين، وكذلك الوالي الجزار في عكا. كل هؤلاء كانوا يقاتلون نابليون.
هل نابليون رحل يا مولانا؟ يعني كما قال فضيلتكم أنهى مهمته ورحل، أم رحل مهزومًا؟
[الشيخ]: لا، لم يمشِ مهزومًا؛ لأن في رأيي أن القراءة تختلف. نعم، في رأيي أنه لم يمشِ مهزومًا، وإنما مشى بعدما قدّم مهمته. قدّم مهمته وترك كليبر وترك مينو.
إسلام مينو وظاهرة دخول المحتلين في دين الإسلام كالتتار
فكليبر قُتِل، ومينو أسلم. مينو أسلم! جميل، وليس هناك حضارة تُهاجَم وتُحتَل وتُهزَم، فإذا بها تُدخل الهازم المحتل في دينها سوى الإسلام. ما شاء الله!
[المذيع]: صحيح، مينو أسلم، والتتار تقريبًا يا مولانا كان التتار دخلوا في دين الله أفواجًا.
[الشيخ]: سبحان الله، وأسلموا وحسُن إسلامهم.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: التتار طبعًا على مراحل. نعم، يعني في مرحلة أولى دخلوا وهم لا يعرفون الإسلام يعني ماذا، وفي مرحلة ثانية دخلوا وحسُن إسلامهم، وقدّموا للفن الإسلامي التعشيب والأزهار، وكذلك إلى آخره، على الصيني وعلى الفسيفساء وعلى كذا إلى آخره. هذا فن المغول الذين انتصروا علينا ثم دخلوا في ديننا وذاب فيهم.
العلم هو الذي يذيب الآخرين والتمسك بالبحث العلمي ضرورة للمسلمين
وذلك من العلم.
[المذيع]: سبحان الله.
[الشيخ]: لأنها أمة عالمة. نعم، كانوا علماء. عندما نتخلى عن العلم نحن الذين نذوب؛ فالعلم هو الذي يُذيب.
فكلما كان المسلم متمسكًا بالبحث العلمي، متمسكًا بالفكر، متمسكًا بالتعليم، كلما أذاب الآخرين فيه. كلما تخلى المسلم عن العلم وعن التعليم وعن البحث العلمي، كلما ذاب في الآخرين.
فإذا نحن أمام ظاهرة كونية في منتهى البساطة، وهي أننا لا بد أن نكون من العلماء.
مقتل كليبر على يد سليمان الحلبي ووحدة الأمة الإسلامية في مواجهة الاحتلال
عندما دخل نابليون وفعل فعلته هذه، في كليبر الذي قُتِل على يد سليمان الحلبي. سليمان الحلبي هذا من حلب، وحلب جميلة. يعني إذا نحن لا نتحدث عن شيء محلي، بل هذه أمة تقاتل أمة، حضارة في مواجهة حضارة، حضارة في مواجهة حضارة.
سليمان الحلبي يأتي من حلب لكي يقتل كليبر، لكي يقتل كليبر. في الإشراف كان شريف مكة يرسل أناسًا للقتال، ووليّ عكة، وهكذا.
[المذيع]: جميل، وحدة أو اتحاد [الأمة الإسلامية في مواجهة المحتل].
إسلام مينو بسبب انبهاره بالشيخ البكري وزواجه من ابنته زبيدة
[الشيخ]: مينو ينبهر فيُسلم. ينبهر بمن؟ بالشيخ البكري.
نعم، الشيخ البكري هذا رجل من أهل الله، صوفي صاحب الطريقة البكرية. ابنته زبيدة، قام [مينو] يريد أن يكون مع هذا الشيخ، شعر أن هو [الشيخ البكري] من أهل الله.
[المذيع]: نعم، شيء ما جذبه.
[الشيخ]: أراد أن يُناسبه، فأسلم وتزوج زبيدة. وعلى فكرة، سافرت زبيدة معه [إلى] فرنسا بعد انسحاب القوات.
أسباب رحيل نابليون عن مصر بين إتمام المهمة والحاجة إليه في فرنسا
عندما رحل نابليون، رحل نابليون بسبب فرنسا هناك. والسبب الظاهري كما أقول هو لأنه أتمّ مهمته في فرنسا [أي أنه احتيج هناك]. أنا أدّعي أنه لأنه أتمّ مهمته [في مصر] وقتل العلماء ومضى، وقتل العلماء ومضى.
لكنهم يقولون: لا، هو مضى لأن هناك في فرنسا احتاجوه، وذهب لكي يصبح بعد ذلك إمبراطورًا، ثم يشنّ حروبه ويدخل حتى روسيا وغير ذلك. فله هناك مكان احتياج، ولذلك أخذ أغراضه وهرب إلى فرنسا.
لا مانع من ذلك، يكون السببان معًا؛ فهذا لا يناقض ذاك. لو كانت أهمية وجوده في مصر تفوق وتزيد على أهمية وجوده في فرنسا لكان باقيًا، لكن الهدف الأساسي في ظني وفي تحليلي للأحداث أن الهدف الأساسي قد تمّ، وهو قتل مشروع النهوض.
حسن العطار يراقب الأحداث ويتأمل أسباب تفوق الفرنسيين في السلاح والعلوم
مشروع النهوض، مَن الذي يراقبه؟ هذا من بعيد هكذا وجالس يفكر: حسن العطار. أي حسن العطار جالس يتأمل القصة هذه كلها.
هؤلاء الجماعة قادمون ومعهم أسلحة جديدة متطورة، ونحن بالكاد حتى نُعمِّر البندقية نجدهم يضربوننا عدة طلقات. ما الذي حدث؟ ما الذي حدث في فوارق السلاح؟ لماذا نحن لا نملك هذا الإنتاج؟
[المذيع]: جميل، وهذا درس وقته معاصر.
[الشيخ]: حسنًا، هم ونحن نقاتل. نحن نقاتل بطريقة قديمة، وهم يقاتلون بتقسيمات جديدة في الجيش تجعلهم أكثر انتصارًا أو أكثر تمكنًا منا.
تأملات حسن العطار في تفوق الفرنسيين في الكيمياء والصناعة والأزياء
[المذيع]: جميل، ما يحدث في هذا الجيش، كيف توصلوا إليها؟
[الشيخ]: حسنًا، هم لديهم أشياء ومتطورون في الكيمياء، ونحن كيمياؤنا محصورة في أن نحصل على معدن الذهب من النحاس أو شيء مشابه. لكن هذا، هم يضعون شيئًا على شيء يُحدث دخانًا أزرق مرة، وأصفر مرة، وأشياء أخرى مرة. هذه هي الحيل التي كانوا يسمونها الحيل.
نعم، لا بد أن ندرك أن عقولنا [تحتاج إلى تطوير]. هؤلاء الجماعة يرتدون زيًا مفصلًا بطريقة معينة، فيكون لا بد وراء هذا التفصيل، يعني مثلما الذي نسميه الباترون؛ أي أن الشيء صُنع لكي نصل إلى هذا الزي.
[المذيع]: مثل القالب هكذا.
[الشيخ]: نعم.
قرار حسن العطار بإنشاء حوزة علمية في الأزهر لتعويض العلماء الذين قُتلوا
وهكذا فكّر الشيخ حسن [العطار]، فقرر بعدما جاء محمد علي - وهذه مسألة مهمة جدًا - قرر أموره:
الأمر الأول: أنه يفتح حوزة علمية ينتقي فيها نجباء الطلبة لكي يعوّض الأشخاص الذين قُتلوا. فأنشأ حوزة علمية في الأزهر خاصة؛ فالأزهر يُدرِّس للناس بشكل عام، لكن الشيخ حسن العطار كان يجلس ليدرس لهم المنطق.
فكان يدرس لهم تهذيب الخبيصي في المنطق، وله عليه حاشية مطبوعة. ويدرس لهم متن الأزهرية في النحو وعليه حاشية. لمّا تقرأ حاشية العطار على الأزهرية تجد أنه رجل يفكر بنفس عقلية عبد القادر البغدادي.
حسن العطار يعيد النهضة بعين على التراث وعين على التقدم الفرنسي
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: إنه يعيد النهضة بعد كل هذا، يحاول إعادتها ثانية. وهو عينه على الداخل، وعينه على إحياء مشروع عبد القادر [البغدادي] ومشروع المرتضى الزبيدي، عينه عليهم.
وعين أخرى على الجماعة الفرنسية الذين تقدموا علينا. لا بد أن نعرف ما هي قصته [أي سرّ تفوقهم].
[المذيع]: فهذا درس لنا في وقتنا المعاصر يا مولانا، أن نستزيد دائمًا من البحث العلمي، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، فهو أحق بها.
[الشيخ]: جميل، أي كما قالوا: اطلبوا العلم ولو في الصين، خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين. أنا أريد أحصل على العلم وأحصل على الواقع وأدركه بالبحث العلمي الرصين، مهما كان الثمن ومهما كان المصدر.
إرسال حسن العطار لرفاعة الطهطاوي إلى باريس ووصيته له بوصف كل شيء
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الشيخ حسن العطار: الأول يفتح الحوزة، عينًا على التراث وعينًا على مشروع النهر [النهضة]. والثاني، هو أصبح شيخ الأزهر، فيرسل رفاعة الطهطاوي لكي يدرس في باريس.
ويقول له: انظر يا بني، رفاعة عنده عشرون عامًا وحافظ للقرآن، ذاهب مع الأولاد ليصلي بهم إمامًا.
نعم، قال له: إياك أن تظن نفسك أنك إمام مسجد فقط ستصلي بالأولاد الذاهبين هؤلاء في البعثات. لا، أنا أريدك أن تصف لي كل شيء: كيف يأكلون، كيف يشربون، كيف ينامون، كيف تكون علاقتهم مع بعضهم، وماذا يفعل الجيران مع بعض، كيف أن الصبية يلعبون كرة في الشارع، كيف يعني؟ قل لي كل شيء.
[المذيع]: جميل، حسنًا، لنذهب إلى الفاصل يا مولانا ونستكمل: الشيخ حسن العطار ماذا قال لرفاعة الطهطاوي. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.
عودة من الفاصل واستكمال الحديث عن إرسال رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا للبحث عن أسرار النهضة
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي دار مصرية. نتحدث عن الصراع بين الحضارات، نتحدث عن التجربة أو النهضة العلمية.
نحن لا نتحدث عن مصر كمصر كشيء محلي، نحن نتحدث عن نموذج مشايخ إسلام: كيف يحاولون أن يصنعوا نهضة باللغة العربية وبالعلوم. تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: كنا وصلنا أن الشيخ حسن العطار بعث أرسل رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا، وأريد أن ينقل لي كل المعلومات المطلوبة. يجب أن تصف لي ما يفعله هؤلاء الناس حتى نتدبر أمرنا؛ لأن هناك شيئًا ينقصنا، ما هذا؟
[المذيع]: ليس إعجابًا بالفرنسيين كما يسمونهم، بل هو البحث عن الحقوق والحكمة.
[الشيخ]: نعم، جميل، وعن النهضة وكيف تتم في العالم الإسلامي.
رسائل رفاعة الطهطاوي من باريس وكتاب تخليص الإبريز في تلخيص باريز
فذهب رفاعة وكتب له خطابات يصف له المائدة: بأن الشوكة على يدنا اليسرى، والسكين على يدنا اليمنى، والملعقة نشرب بها الحساء.
وظل يصف له حتى وصف له عربة رش المياه التي تخرج بعد العصر لتهدئة التراب في الطرقات، وكيف يكون الإسفلت، وكيف يكون بلاط شوارع باريس إلى آخره.
ثم بعد ذلك كوّن هذه الخطابات رفاعة وأصدرها في كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». الإبريز هذا كان عبارة عن الخطابات أو ملخص الخطابات التي كان يرسلها لشيخه حسن العطار.
حسن العطار يدعو إلى البعثات العلمية مع الحفاظ على الهوية واللغة والدين
حسن العطار بدأ يفهم أن هذه البعثات العلمية واجبة وأنها لا بد منها، وكان يؤيد هذه البعثات العلمية ويدعو إليها.
وأنه لا بد لمصر أن تدخل والعالم الإسلامي معها عصرًا جديدًا، تستفيد فيه من خبرات هؤلاء البشر، وفي نفس الوقت تحافظ على هويتها وعلى لغتها وعلى دينها وعلى خصوصيتها.
بشارة النبي بفتح القسطنطينية ونهضة محمد الفاتح العلمية والدينية
[المذيع]: جميل، هنا يا مولانا لو دخلنا في أوروبا وأردنا أن نتكلم عن محمد الفاتح، كان سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام بشّر أن سُئل:
أي المدينتين تُفتح أولًا: رومية أم القسطنطينية؟
قال: مدينة هرقل تُفتح أولًا، هي القسطنطينية. وكان في حديث آخر:
قال النبي ﷺ: «نِعْمَ الأمير أميرها، ونِعْمَ الجيش ذلك الجيش»
كانت فضيلتك وأنت تكلمنا عن النهضة، ورد إلى ذهني أن سيدنا محمد الفاتح الذي هو محمد بن مراد، كان قد صنع نهضة في بلاده: نهضة علمية، نهضة دينية، وكان جمع حوله مشايخ حتى وصل أنه فتح مدينة القسطنطينية. كنا نحب أن نتكلم مع فضيلتك عن موضوع القسطنطينية.
القوة العسكرية العثمانية أجّلت هجمة أوروبا خمسمائة سنة لكنها لم تكن قوة إسلامية كاملة
[الشيخ]: بدون شك أن هذه القوة العسكرية، نعم، كانت قوة استطاع بها المسلمون أن يؤجلوا ما نحن فيه الآن خمسمائة سنة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هجمة أوروبا استطاعوا أن يؤجلوها خمسمائة سنة. كانت الدولة العثمانية في غاية القوة، لكن لم تكن في ذات الوقت بنفس القوة الإسلامية. كانت قوة عسكرية، نعم، فيها ظلال إسلامية، إنما لم تكن قوة إسلامية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: والسبب في ذلك أن سليم خان عندما عرض على شيخ الإسلام أن يحوّل اللغة - واللغة والفكر وجهان لعملة واحدة - إلى اللغة العربية، رفض.
[المذيع]: كما قال فضيلتك لنا في حلقة سابقة.
رفض شيخ الإسلام أبو السعود تحويل اللغة إلى العربية وأثر ذلك على النهضة الإسلامية
[الشيخ]: وقال [شيخ الإسلام]: رفض، أنه لماذا؟ من الذي قال أن الشرع يدعو إلى تغيير اللسان؟ يعني حتى الشرع لو لم يدعُنا إلى تغيير اللسان، فإن لغة القرآن ولغة السنة هي اللغة العربية، هي المنطلق الصحيح لبناء نهضة إسلامية.
من الممكن أن تبني نهضة، نعم، نهضة من أي نوع كان من غير العربية. لكن بالعربية ستبني نهضة ستنطبق بالنموذج المعرفي الإسلامي وبالرؤية الكلية الإسلامية التي تحدث عنها القرآن ككتاب هداية، والتي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي موجودة في سيرته وسنته كمنهاج وكأسوة حسنة، كأسوة حسنة.
ما فهم صاحبنا الشيخ أبو السعود شيخ الإسلام هذه القضية، ورفض أن تتحول البلاد إلى اللغة العربية في تركيا التي هي التي كانت مقر الدولة العثمانية.
الدفاع عن الدولة العثمانية مع بيان الجانب السلبي لعدم التحول إلى اللغة العربية
ولذلك وجدنا هناك مصائب في تركيا. نعم، منذ أن جاءت الدولة العثمانية. وأنا لا أنني يعني لا أنتقص من الدولة العثمانية.
الدولة العثمانية قامت بدور كبير جدًا غير منكور. الدولة العثمانية دافعت عن الإسلام لمدة خمسمائة سنة. الدولة العثمانية أعزّت هذا الدين في العالمين. الدولة العثمانية وهكذا.
إنما أنا أتكلم عن الجانب السلبي الذي نتج من عدم التحول إلى اللغة العربية فقط لا غير. وليس معنى كلامي انتقاد أو نقض بالضاد للدولة العثمانية. الدولة العثمانية دولة مُفترى عليها، ولذلك دائمًا ندافع عنها.
ولكن نحن هنا نذكر شيئًا مهمًا يتعلق بمشروع النهضة الخاص بمرتضى الزبيدي، ثم بعد ذلك الخاص بالشيخ حسن العطار، وقبل ذلك الخاص بالشيخ عبد القادر البغدادي، بربط النهضة باللغة العربية.
ضرورة البحث العلمي باللغة العربية وخطر اندثار اللغات في العالم
لأنه له عُلقة بأمورنا الآن: للبحث العلمي وأن يكون هذا البحث العلمي باللغة العربية. ألمانيا تعمل باللغة الألمانية وليس باللغة الإنجليزية، فرنسا كذلك وتعتز بلغتها وتتمسك بها.
فإذن يجب علينا أن نتمسك باللغة العربية التي لو تُركت لهلكت وبادت.
وفي الوقت الحالي، وفقًا لآخر إحصاءات اليونسكو، تندثر لغة كل شهرين. كل شهرين تندثر لغة في العالم وتنتهي.
[المذيع]: سبحان الله.
[الشيخ]: تنتهي. ولو تركنا الأمور هكذا، يوجد حاليًا حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة لغة على وجه الأرض.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكن منذ عشر سنوات كان هناك أربعة آلاف وخمسمائة لغة.
[المذيع]: نعم، أربعة آلاف وخمسمائة لغة.
[الشيخ]: سبحان الله، ففي ألف لغة تذهب تمامًا وتنتهي وتندحر. لم يعد أحد يتكلم بها، آخر شخص كان يتحدث بها مات، آخر شخص كان يكتب بها مات، وهكذا. فهناك أشياء تنتهي وتندحر.
ضرورة إحياء اللغة العربية لعودة النهضة الإسلامية وارتباط العقل بلغة القرآن
فهل نريد أن تموت العربية؟ لا قدّر الله! اللغة العربية لا بد أن تعود مرة أخرى حتى تعود النهضة، وكل دعوتنا للبحث العلمي تتوازن معها الدعوة إلى اللغة العربية.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]:
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]
أيضًا يعني أن هناك عقلًا مع قضية اللغة.
مصائب الدولة العثمانية من قتل السلاطين لإخوتهم وتغيير وضع المرأة في العالم الإسلامي
عندما حدث ذلك [عدم التحول إلى العربية] حدثت مصائب في الدولة العثمانية. من ضمن هذه المصائب مثلًا أن بعض السلاطين عندما تولّوا قتلوا إخوتهم حتى لا أحد يأخذوا الحكم، حفاظًا على نظام العالم.
وأصدروا قانونًا اسمه الحفاظ على نظام الدنيا - تخيّل يعني - أنه لا أحد ينازع السلطان سلطانه حتى تستقر الأمور. حسنًا، من الذي يمكن أن ينازعه؟ أخوه. حسنًا، اقتله! تخيّل أن شخصًا يُقتل لأنه أخو السلطان، هذا شيء عجيب جدًا.
فالكلام هذا من أول ما الدولة العثمانية تولّت الحكم، تغيّر وضع المرأة في العالم الإسلامي. وسمعنا بقي عن السلاملك والحرملك.
تراجع دور المرأة في العلم من خمسين أستاذة في عصر ابن حجر إلى الصفر بسبب العقلية العثمانية
وسمعنا أن ابن حجر العسقلاني كان له اثنان وخمسون أستاذة علّموه، والسخاوي كذلك، والسيوطي كذلك. هؤلاء جميعهم سلسلة هكذا يعني؛ فالسيوطي شيخه السخاوي، والسخاوي شيخ ابن حجر.
وعندما ترى أثباتهم تجد: اثنين وخمسين هنا، خمسون هنا، ثمانية وأربعون هنا، امرأة.
[المذيع]: نعم، طيب، طيب، كيف؟
[الشيخ]: طيب، كانوا يدرسون. كيف؟ عندما آتي أنا وأروي الحديث، لا توجد ولا واحدة أروي عنها الحديث! مشايخي رووا الحديث عن طريق أمة الله الدهلوية. يعني أمة الله الدهلوية في سندي مثل جدتي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: الشيخ الذي لي مثل أبي.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنا رأيته، الذي قبله الذي لم أره، إنها الإجازة يعني التي أخذت إجازة منهم.
[المذيع]: نعم، من المشايخ. نعم، فضيلتك أخذت إجازة منه كأنه والد.
[الشيخ]: كأنه والد، هي كأنها الجدة، كأنها جدة. هذه الجدة واحدة فقط.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ومعها قدرة على أن تنقل إجازة عندها، عندهم كلهم. ما شاء الله!
[المذيع]: الله! ما الذي جعل خمسين امرأة في أيام ابن حجر وواحدة في أيام مشايخي، وأنا ليس لدي ولا واحدة؟
[الشيخ]: حقًا، ما الذي جعلها هكذا؟ العثمانية. هذه العقلية التي تخص الطواشي والأغوات والحريم. وهذا من أين؟ من اللغة. أبعدوا نصف المجتمع، حيّدوا المجتمع.
اللغة العربية لو انتشرت في الدولة العثمانية لغيّرت وجه العالم
أنا أقول الآن إن هذا من اللغة.
[المذيع]: حقًا، اللغة! جميل.
[الشيخ]: هذه اللغة هي السبب. يعني لو كانت اللغة العربية انتشرت في الأتراك ما كان حصل هكذا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ما كان حصل هكذا. كان سيحصل شيء مع هذه العقلية وهذه الهمة. إن العثمانيين كان لديهم همة، وهذا الحب وهذا الفن. لديهم فن الخط وفن الزخرفة وفن الإبرو وفن كذا وكذا، فنون فنون قوية وما زالت موجودة إلى الآن.
هؤلاء الناس بروح الفنان، وهؤلاء الناس بهمة العسكر، وهؤلاء الناس بانفتاحهم على الغرب أيضًا، لو أنهم أضافوا لها اللغة العربية لكانوا يفكرون بشكل صحيح.
[المذيع]: ما شاء الله، يعني يا مولانا فضيلتك توصلت إلى أن اللغة العربية إذا كانت دخلت الدولة العثمانية التركية كانت تغيّر وجه العالم شيئًا آخر، وتغيّر وجه العالم.
[الشيخ]: كانت تغيّر وجه العالم.
[المذيع]: الله يفتح عليك يا مولانا.
ختام الحلقة وشكر الشيخ علي جمعة والوعد بلقاء قادم
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله.
نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
