نور الحق | الحكم العطائية | حـ 14 | أ.د علي جمعة
- •الكون بأكمله ظلمة والله سبحانه هو الذي أناره بظهوره فيه، فهو من العدم وإنما أظهره الله.
- •من عرف نفسه عرف ربه، إذ يعرف الإنسان نفسه محدوداً، ضعيفاً، عاجزاً، وله بداية ونهاية، بينما الله غير محدود وقادر وعليم.
- •الله يخلق الكون باستمرار، ولو قطع الإمداد لفني العالم كله، فهو ليس خلقاً تم وانتهى بل خلق مستمر كل لحظة.
- •الكون كالسينما، لو أُطفئ الشعاع المسلط عليها لاختفت الصورة تماماً، وكذلك لو توقف خلق الله للأشياء لاختفت وتبخرت.
- •من رأى الكائنات ولم يشهد الله فيها وعندها وقبلها وبعدها، فقد افتقر إلى وجود الأنوار وحُجبت عنه شموس المعارف.
- •هذه حقيقة أساسية لفهم "لا حول ولا قوة إلا بالله" ولإدراك الحقائق الإيمانية الكبرى.
- •كل شيء في الكون آية تدل على وحدانية الله وعظمته، والمخلوقات كلها قائمة به وهو القيوم.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج الحكم العطائية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحِكَم العطائية.
تقرير حقيقة الحادث والقديم ومعرفة الإنسان لنفسه وربه
في هذه الحلقة يقرر الشيخ [ابن عطاء الله السكندري] رحمه الله تعالى حقيقة لا بد منها حتى نفهم بعمق الكنز المخفي تحت العرش، لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى نفهم بعمق حقيقة الحادث والقديم، حتى نفهم بعمق حقيقة الخالق والمخلوق.
فمن عرف نفسه فقد عرف ربه، وذلك أن الإنسان يعرف من نفسه أنه محدود؛ ولذلك فربنا سبحانه وتعالى لا نهاية لبدايته ولا نهاية لنهايته.
﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْآخِرُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحديد: 3]
ليست له بداية وليست له نهاية، ولا يحيطه زمن ولا يحده مكان سبحانه وتعالى.
﴿هُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ الْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحديد: 3]
وهو بكل شيء محيط.
معرفة الإنسان بمحدوديته وضعفه ومعرفة الله بصفات الكمال
الإنسان يعرف نفسه أن له بداية بالميلاد وله نهاية بالموت. الإنسان يعرف نفسه بأنه محدود وبأنه عاجز.
﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]
لكنه يعرف ربه بضد هذه الصفات، وأن الله على كل شيء قدير وأنه عليم.
الإنسان يعرف نفسه وأنه ظلوم وأنه جهول، ولكن الله سبحانه وتعالى قد تبرأ عن الظلم أبدًا.
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
ولا يُظلم عنده أحد مثقال ذرة. والله سبحانه وتعالى عالم عليم بكل شيء، بالماضي وبالحاضر وبالمستقبل.
الكون بيد الله والخلق المستمر وانقطاع الإمداد يعني الفناء
يقرر الشيخ [ابن عطاء الله السكندري] هذه الحقائق ويعطينا مفتاح هذا الأمر، وهو أن هذا الكون بيد الله وأنه لا يزال ربنا سبحانه وتعالى يخلقه.
ولذلك فإذا قطع عنا الإمداد سبحانه فإننا نفنى وليس نموت؛ نموت ولا يزال جسدنا موجودًا، ونذهب لنغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه، هذا موجود لا يزال.
لكن كل هذه السماوات وكل هذه الأرض وكل هذا الخلق هو شعاع.
تشبيه الكون بشعاع السينما لتوضيح حقيقة الخلق المستمر
مثل — والله سبحانه وتعالى علمنا من أجل أن نضرب المثل للفهم، وبضرب المثال يتضح الحال — مثل السينما. السينما هي عبارة عن إشعاع، وهذا الإشعاع يتسلط على الشاشة فتخرج الشخوص وتتم القصة.
لو أننا أطفأنا هذا الشعاع أو أطفأنا الآلة التي تعمل، أصبحت الشاشة بيضاء، فَنِيَت الشخوص وفنى الفيلم الذي نشاهده.
هذا الكون هو هكذا؛ الله سبحانه وتعالى هو يمد بالخلق المستمر، فهو ما زال خالقًا.
الرد على من يعتقد أن الله خلق الكون ثم تركه يعمل وحده
بعض الناس يعتقد أن الله قد خلق الكون ثم تركه وهو وحده يعمل. هو [الكون] ليس يعمل وحده، هو يعمل بناءً على أن الله يخلقه كل ثانية، كل فيمتو ثانية؛ يعني هو في خلق مستمر.
فإذا أوقف الله خلقه فإن العالم يفنى، مثل بالضبط إغلاق آلة السينما.
تخيل وأنت تمشي في الأرض هكذا، ولو أن الشعاع الذي يخلقك من عند الله بأمره قد انقطع، لم يرده الله، لم يرد أن تستمر، فإنك تختفي، تتبخر، لا وجود لكَ.
بقاء الكون بمشيئة الله إلى يوم القيامة وفناء الكائنات بأمره
ولكن الله سبحانه وتعالى لسابق علمه ولسابق أجله ترك العالم هكذا بهذه الصورة إلى أن يأتي الوقت الذي أسماه بيوم القيامة أو بالساعة. وفي هذه الساعة تفنى الكائنات تمامًا، كما أنه خلقهم كما يريد بـ"كن فيكون".
﴿وَأَمْرُهُ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يس: 82]
﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28]
الكون كله ظلمة من العدم وإنما أناره ظهور الحق فيه
إذن يقول الشيخ [ابن عطاء الله السكندري]: الكون كله ظلمة، يعني عدم، أو من العدم. الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه.
كل هذا الكون هو ظلام في الحقيقة، مثل ظلام السينما بعد إغلاق الفيلم؛ لا توجد أنوار، لا يوجد شيء. ولكن عندما شغّل الفيلم بأمره، كن فكانت كل هذه الكائنات، وإنما أناره ظهور الحق فيه [في هذه الكائنات].
كل شيء في الكون آية تدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى
وهذا معنى قول الشاعر وهو يقول:
وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحدُ
كلما تأمل الإنسان يقول: لا إله إلا الله. فها هو ربنا خلق العصفور، ربنا خلق السمك، ربنا خلق الشجرة، ربنا خلق البقرة والحجرة والقمر والمدر. كل شيء ينطق بوحدانية الله سبحانه وتعالى.
الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه؛ فالحق هو الذي أظهره، وبقاءه سبحانه وتعالى أبقى هذا الكون.
بقاء الكون بيد الله فنحن نحتاج إليه وهو الحي القيوم
بقاء هذا الكون بيد الله سبحانه وتعالى؛ فنحن نحتاج إلى الله والله لا يحتاج إلينا، ونحن لسنا قائمين بذاتنا بل قائمين بخلق الله لنا.
والله قيوم السماوات والأرض، فهو الحي القيوم؛ ولذلك به تقوم الأشياء ولا يقوم هو بشيء، بل هو قائم بذاته وحده لا شريك له.
من رأى الكون ولم يشهد الله فيه فقد افتقر إلى وجود الأنوار
فمن رأى الكون ولم يشهده [لم يشهد الله فيه]، رأى الكائنات هكذا من حوله ولم يرَ ربنا ولم يشهده فيه، في هذا الكون أو عنده أو قبله أو بعده، فقد افتقر إلى وجود الأنوار.
فيكون هذا الرجل أو هذا الإنسان مظلمًا ليس فيه نور عنده؛ لأنه عندما يوجد في الإنسان النور يرى الله وراء كل حقيقة ووراء كل محسوس، وكل هذه أدلة عليه سبحانه وتعالى.
من لم يشهد الله قبل الكائنات وبعدها وعندها فقد افتقد النور
فإذا هو لم يرَ هذا [أي لم يرَ دلائل الله في الكون] بل رأى الكائنات كائنات ولم يشهد الله سبحانه وتعالى قبلها؛ لأنه كان ولم يكن شيء معه، وبعدها؛ لأنه سيكون بعد أن تفنى الأرض.
﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]
أو عندها، أو أنه هو القيوم الذي تقوم به السماوات والأرض، وأن كل شيء إنما صدر منه سبحانه وتعالى خلقًا، وأن الخلق مستمر، وأنه لم يتركنا عبثًا، وأنه بعد ما خلقنا كلفنا وشرفنا بالأنبياء وشرفنا بالكتب وشرفنا بأن أنبأنا وعلمنا ما الذي يرضيه وما الذي نتقرب إليه به.
أدب الشيخ في وصف من لم يشهد الله بأنه افتقد النور لا بأنه كافر
فهو [من لم يشهد الله في الكون] قد أعوزه وجود الأنوار. انظر الأدب [أدب الشيخ ابن عطاء الله]؛ لم يقل أنه كافر ولا ملحد ولا كذا إلى آخره، بل أنه قد افتقد النور الذي يرى به، وكأنه عطوف عليه، يدعو الله أن يهديه إلى وجود هذا النور حتى يرى الحقيقة.
وأن كل شيء من حولنا إنما هو من عند الله خلقًا ومن عند الله استمرارًا.
حجب شموس المعارف بسحب الآثار والمحجوب هو الإنسان لا الله
وحُجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار؛ كل شيء في الكائنات التي حولنا يسمونها آثارًا، وهذه الآثار تسبب حجابًا.
فالمحجوب هو الإنسان؛ الله لا يُسمى محجوبًا. المحجوب هو الإنسان، فإن الله سبحانه وتعالى أظهر من كل الكائنات وأظهر من كل دليل؛ ولذلك فلا يمكن أن نصفه بأنه محجوب، بل ربنا سبحانه وتعالى ظاهر.
ولكن يجب عليك أن تراه ابتداءً ووسطًا وانتهاءً في الأشياء؛ كل هذه الأشياء تدل على أنه سبحانه وتعالى هو الواحد.
حقيقة أساسية لفهم الحكم العطائية ومعنى المعرفة بالله والفتح والوصول
حقيقة أساسية لفهم كل الحِكَم العطائية، ولفهم لا حول ولا قوة إلا بالله، ولفهم درجة ما معنى العارفين بالله، أو ما معنى مثلًا الفتح، أو ما معنى الوصول إلى الله.
هذه الحكمة حكمة أساسية تأتي في الحكمة رقم أربعة عشر في الحكم العطائية: الكون كله ظلمة، أي أنه عدم محض، وإنما أناره ظهور الحق فيه.
خاتمة الحلقة والتذكير بأن الكون فيلم أخرجه الله وهو قادر على إفنائه
هذا المثال اجعله في ذهنك دائمًا: أننا نتفرج على فيلم، الذي أخرجه وصنعه وأنتجه وهو الذي أدار آلته هو الله جل جلاله.
وأنه قادر في أي وقت جزئيًا أو كليًا أن يُفني هذا الكون، وأنه هناك أجل سيفنى فيه لا محالة، وهو الساعة.
إلى لقاء قريب، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
