هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟!! | أ.د علي جمعة
- •في شهر ربيع الأول ولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليكون المثال الأتم والإنسان الكامل الذي ارتضاه الله أسوة للناس ورحمة للعالمين.
- •كان النبي قبل الوحي إنساناً كاملاً، معروفاً بالصدق والأمانة، وبعد البعثة ارتقى ليصبح إنساناً ربانياً تجاوز الكمال البشري.
- •كان النبي يصوم يوم الاثنين احتفالاً بيوم مولده، مما يدل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي.
- •صنّف العلماء عبر العصور كتباً تجيز الاحتفال بالمولد النبوي كابن دحية وابن حجر العسقلاني والسيوطي.
- •ثبت أن أبا لهب يُخفف عنه العذاب يوم الاثنين بسبب فرحه بمولد النبي وإعتاقه لثويبة التي بشرته بذلك.
- •حب النبي من الإيمان، والفرح بمولده يُثاب عليه المسلم، ويعتبر من أيام الله التي أمرنا بتذكرها.
- •كان النبي طاقة حب تستجيب له الكائنات حتى الجماد، كما حدث مع جبل أحد عندما اهتز فأمره بالثبات.
افتتاح المجلس بالدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، مما تركه لنا سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش هذه اللحظات، عسى أن يعدّ الله سبحانه وتعالى هذا المجلس مجلس علم عنده، تحفّه الملائكة، وتتغشاه الرحمة، وتتنزل في قلوب حاضريه السكينة، ويذكرنا الله سبحانه وتعالى في من عنده، ويجعله في ميزان حسناتنا يوم القيامة، ويشرح صدورنا للعلم النافع الذي تركه لنا سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم.
الدعاء بأن يجازي الله النبي خير الجزاء ويحشرنا تحت لوائه
ونسأله تعالى أن يجازي عنا سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير ما جازى نبيًا عن أمته ورسولًا عن قومه، وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يسقينا من يده شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، وأن يدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، وأن يرزقه الفردوس الأعلى، وأن يبعثه مقامًا محمودًا رفيعًا عاليًا، اللهم آمين.
الاحتفاء بشهر ربيع الأول ومولد النبي المثال الأتم للبشرية
في هذه الأيام المباركة، وفي شهر ربيع الأنور الأول:
وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضياءُ ... وفَمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ
أبانَ مولدُهُ عن طِيبِ عُنصُرِهِ ... يا طِيبَ مُبتدَأٍ منه ومُختَتَمِ
شرّف العالمين سيد الكائنات، المثال الأتم. كان المثال الأتم الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى أسوة للناس، ورحمة للعالمين، وإنسانًا كاملًا قال فيه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وقال فيه:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
وقال:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
وقال:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
النبي سيد العابدين وغاية الخلق هي العبادة التي أتمها محمد
بعثه ربه فكان سيد العابدين، وربنا يخبرنا:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]
فأرسل الله سبحانه وتعالى نبيه فصار العبد الأول، ولذلك صاغ المسلمون هذا فقالوا:
لولاك لولاك ما خُلِقَت الأفلاك
لأن غرض خلق الأفلاك وهدف ذلك العبادة. من الذي أتمّ العبادة على الوجه الذي يُرضي الله سبحانه وتعالى؟ محمد بن عبد الله، حتى صار إمامًا للمرسلين، وخاتمًا للنبيين، وسيدًا للعابدين، وصار يستحق [لقب] عبد الله استحقاقًا تامًا؛ محمد عبد الله يعني الكامل [في العبودية].
شق صدر النبي وملؤه حكمة ورحمة شاملة لجميع المخلوقات
لأن الله يعلم ذلك منه فقد شقّ صدره، وملأه حكمة، وهو [سبحانه] رأى قلبه سبحانه وتعالى قد مُلئ رحمة؛ فهو يرحم الخلق: الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان كائنًا ما كان.
والله سبحانه وتعالى قد غضب على أحد المخلوقات وهو إبليس، قال تعالى:
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
الكِبْرُ [هو سبب هلاك إبليس]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبْر»
صفات إبليس من الكبر والجهل المركب ولبس الحق بالباطل
والمعصية والفرار، عُتُلٍّ زَنِيم، يلبس الحق بالباطل:
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
إبليس الذي قاس على الأشخاص ولا قياس مع الأشخاص، قال: خلقتني من نار وخلقته من طين. الجهل المركب، العناد، الإباء والكبر.
يريد [إبليس] أن يعبد الله كما يريد، لا كما يريد ربنا، فهذا وإن كان في ظاهره توحيد وفي ظاهره طاعة إلا أنه في حقيقته مروق وخروج وكبر من إبليس. قال: أعبدك وحدك لكن لا أسجد لآدم.
أما الطائعون لله وحده قالوا:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
يوم مولد النبي من أيام الله وصيامه كل يوم اثنين احتفاء بمولده
فلما شرّف الكائنات في ربيع الأنور صلى الله عليه وآله وسلم، كان يوم مولده يومًا من أيام الله. قال تعالى يوجّه المسلمين إلى يوم الدين:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]
فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم كل يوم اثنين، فيُسأل فيقول:
«هذا يوم وُلِدتُ فيه»
كان يحتفل بمولده ويتذكر هذا اليوم الذي هو من أيام الله، والذي ينبغي علينا أن نتذكره كل أسبوع، حتى إذا ما صام أحدنا كما صام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تذكّر أن من خصائص هذا اليوم أن مثله تشرّف بمقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا العالم، هداية ورحمة.
نزع رحمة إبليس من قلب النبي ليوافق مراد الله تعالى
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما شُقّ صدره نُزع منه قدر الرحمة التي يرحم بها أمثال إبليس، حتى يكون موافقًا لتمام مراد الله سبحانه وتعالى، مسلّمًا وراضيًا؛ يغضب ربنا على إبليس فيغضب النبي لغضب الله.
وهو الذي يقول في شؤون الدنيا:
«لا تغضب ولك الجنة»
أما ما يغضب الله فلا [يسكت عنه]، وكان لا يغضب إلا فيما يغضب الله. فصار قلبه مع نزع الرحمة التي تختص بأمثال إبليس قلبًا تامًا، متهيئًا لقبول التنزلات والوحي الذي سنراه بعد ذلك عند تمامه الأربعين.
النبي كان إنسانًا كاملًا منذ نشأته صادقًا أمينًا قبل الوحي
إنما من بدايته كان إنسانًا كاملًا، ولذلك نشأ على الصدق حتى أنه كان صادقًا، يُصَدَّق، فيقول:
«ألم تقولوا عني بالصادق الأمين؟»
فيقولون: بلى. فيقول:
«هل إذا ما أنبأتكم أن وراء هذا التل أو هذا الجبل جيشًا يأتي للغزو تصدقونني؟»
نعم، نصدقك لأنك أنت الصادق الأمين. كل هذا قبل الوحي.
كان صادقًا أمينًا، والسيدة الحُبَابَة خديجة عليها السلام تسمع من ميسرة أنه أمين، وأنه صادق، وأن الله ألقى فيه وفي يده البركة، فتطلبه للزواج عليها السلام، فازت به.
إبلاغ جبريل السلام لخديجة وكون النبي في العناية الربانية منذ مولده
حتى أن الله أنزل عليها السلام، فجاء رسول الله يقول:
«إن جبريل يقول لك: إن الله يبلغك السلام»
قالت: عليك وعليه السلام، أي [على] سيدنا النبي وجبريل.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان في العناية الربانية:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
فكان إنسانًا كاملًا منذ مولده إلى بعثته.
صفات الإنسان الكامل التي اجتمعت في النبي قبل البعثة
الإنسان الكامل ينتصر ضد من ظلمه، والإنسان الكامل يتحسر على ما فاته، والإنسان الكامل كريم، شهم، صاحب نجدة، والإنسان الكامل له صفات كثيرة.
وهذه الصفات كلها كانت في سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه. فلما بُعث رباه ربه، يعني زاد على الإنسان الكامل، فأصبح الإنسان الكامل هذه درجة يصل إليها المرء، لكنه تجاوز الإنسان الكامل، حتى صار إنسانًا ربانيًا.
الله أجرى على يد النبي المعجزات والبركة والهداية وأقامه في العبودية
وأجرى الله سبحانه وتعالى على يده المعجزات، وأجرى الله سبحانه وتعالى على يده البركة التامة، وأجرى الله سبحانه وتعالى على يده الهداية، وأقامه في العبودية إلى أن لحق به سبحانه وتعالى:
﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]
وهو [اليقين أي] الموت، صلى الله عليه وسلم.
الفرق بين الإنسان الكامل والإنسان الرباني في التسليم والرضا
بعد الوحي صار إنسانًا ربانيًا:
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ [فاطر: 8]
الإنسان الكامل يتحسر على فوت الخير من أهله، ولكن ربنا يصل به إلى مرتبة التسليم التام، والرضا، والتوكل الأتم مع رب العالمين، فيأمره ألا تذهب نفسه عليهم حسرات:
﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]
الإنسان الكامل يأسف، ولكنّ ربنا يريد من رسوله ألا يأسف، توكلًا عليه وتسليمًا لمراده، وإقرارًا بربوبيته، وبأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
كرم النبي الرباني الذي تجاوز كرم الإنسان الكامل
الإنسان الكامل كريم، وكان [النبي صلى الله عليه وسلم] كريمًا، ولكنه أصبح إنسانًا ربانيًا؛ كان يدّخر لأهله قوت عام، فلا يبقى عنده إلا أسابيع، أي أنه خزن الطعام الذي يكفي السنة كاملة، ثم يأتيه هذا وذاك، فيظل يعطيهم حتى ينفذ خزين العام.
وكان أجود الناس، حتى إذا دخل رمضان كان كأنه الريح المرسلة. إذن هذا إنسان رباني، هذا فوق الكامل بكثير.
وإذا تتبعنا موارد القرآن فيما رباه ربه لعرفنا صفات الإنسان الرباني، وصفات الإنسان الكامل الرباني:
﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ [النحل: 126]
هذا رباني، لكن من انتصر بعد ظلم هذا إنسان كامل، وهكذا.
موقف النبي الرباني من مقتل حمزة وقبول إسلام وحشي
الموقف مع سيدنا حمزة [يوضح الفرق بين الإنسان الكامل والرباني]: الإنسان الكامل يطلب المقابل، سواء كان هذا المقابل أجرًا على عمل، أو انتقامًا من أجل معنى.
قتل وحشي سيدنا حمزة غدرًا، وما قتله إلا حتى يتحرر من عبودية هند زوج أبي سفيان. وتألم النبي لمقتل هذا الفارس الذي هو أسد من أُسُد الله، سيدنا حمزة، كان فارسًا نبيلًا خَلقًا وخُلقًا، أبو عمارة، لكنه قُتل غدرًا.
وجاء وحشي يُسلم. الإنسان الكامل لا يَقبل إسلامه، ولكن الإنسان الرباني يَقبله؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش، فقبِله وأسلم وحشي.
طلب النبي من وحشي أن يغيب عنه رقة في المشاعر الإنسانية
ثم يقف النبي موقفًا عجيبًا إنسانيًا غاية في الرقة والشعور، فيستأذن وحشيًا، سيدنا النبي صاحب الحق وصاحب الثأر، يستأذن القاتل ويقول له:
«يا وحشي، هلا غيّبتَ عني وجهك»
أنا عندما أراك تنقلب عليّ المشاعر، هل يمكنك أن تغيب عني قليلًا؟ أي ألا أراك؟ صلِّ في الصف الأخير، ابقَ هكذا بعيدًا قليلًا.
فلبّى وحشي، وكان يتحاشى أن يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا ما جاء جلس في الصفوف الأخيرة.
وحشي بعد إسلامه وصحبته للنبي ورضي الله عنه بذلك
وحشي الذي أصبح بعد قتله لحمزة وإسلامه نقول رضي الله تعالى عنه؛ لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالذي بيننا وبين العالمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وحشي يذهب إلى الشام، ويمكث في حمص، ويموت في خلافة عمر، لكنه مسكين كان معاقرًا لذنب لا يستطيع الفكاك منه، وهو شرب الخمر والعياذ بالله تعالى، فكان يشرب الخمر مدمنًا لها، لا يعرف كيف يتخلص منها، فمات وهو سكران.
قول عمر في قاتل حمزة وأن الذنب لا يخرج من الملة
فلما بلغ ذلك [موت وحشي سكرانًا] عمر رضي الله تعالى عنه قال: ظننت أن الله لا يترك قاتل حمزة. يعني هذا بما قدمت يداه من فعل عظيم، أنه لم يمت على الشهادتين مثلًا أو أنه حُرِم من الاستغفار قبل الموت، أو أنه عاقر هذا الذنب العظيم، أو أنه في حالة ليست مرضية، وحالة ليست هي الأكمل والأتم.
إنما يعطينا [هذا الموقف] أن الذنب لا يُخرج من الملة، وأن الذنب يصدر من الإنسان الخطّاء، وكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. الله قدّر عليه الإسلام فقدّر عليه النجاة، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه مات على معصية.
صيام النبي يوم عاشوراء وقوله نحن أحق بموسى منهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة وجد اليهود يصومون، فسأل:
«ما هذا؟»
فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى. فأمر بصيام هذا اليوم، يوم عاشوراء، وكان يوم العاشر من محرم. أمر بصيام هذا اليوم وقال:
«نحن أحق بموسى منهم»
موسى هو نبينا وسيدنا، عيسى هو نبينا وسيدنا، إبراهيم هو نبينا. ليس لدينا مشاكل مع أحد لأننا نؤمن بالجميع، كل الأنبياء من لدن آدم إلى خاتمهم صلى الله عليه وسلم نؤمن به.
المسلمون يؤمنون بجميع الأنبياء والمشكلة فيمن يكفر بمحمد
ولذلك ليس هناك مشكلة مع أحد. المشكلة هي أن يأتي أحدهم فيكفر بمحمد، ويقول: محمد لا نعترف به نبيًا، فتحدث المشاكل والمعارضات.
لكن ما المعارضة بين المسلم وبين العالَمين؟ لا شيء؛ لأننا صدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بشرى لمن كان ممن كان قبله من الأنبياء:
﴿بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُٓ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]
نعم، بشرى:
﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]
على سيدنا إبراهيم:
﴿وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 78]
جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وأنه ركن من أركان الإيمان
يسأل بعضهم: هل يجوز أن نحتفل بالمولد النبوي الشريف؟ سؤال في غير محله. ينبغي، يا أخي، أن تحتفل بالمولد النبوي الشريف وتنقل لمن بعدك الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمقدمه.
فإن هذا الفرح ركن من أركان الإيمان، وفعل من أفعال القلوب والجوارح، تُثاب عليه يوم القيامة.
الرد على من يقول إن النبي لم يحتفل بمولده بأنه احتفل كل اثنين
فيخرج أحدهم ويقول: ولكن رسول الله لم يحتفل به صلى الله عليه وآله وسلم. ماذا نقول له؟ نقول له: كذبت، بل إنه احتفل به اثنتين وخمسين مرة في السنة، التي هي عدد الأسابيع؛ لأنه احتفل به كل اثنين.
نقول له ماذا نقول له؟ كذبت، لأن القرآن أمرك أن تفعل ذلك في قوله:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]
نقول له ماذا؟ كذبت، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمنا منهاج الشريعة:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
والمنهاج يبين لنا أننا نفرح بالأحداث الشريفة كنجاة موسى.
الاحتفال بأيام الله تطبيق للكتاب والسنة لا بدعة فيه
فلو عرفنا أن الله سبحانه وتعالى قد رفع عيسى في يوم ما، لاحتفلنا به، ولو عرفنا أن الله نجّى أيوب في اليوم الفلاني، لاحتفلنا به، ولم نكن بذلك إلا مطبقين للكتاب والسنة.
نقول له ماذا؟ ولكن هذا لشغل بال المسلمين عما هو أهم. ولذلك قام العلماء عندما سألهم الملك المظفر صاحب إربل [هو مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين علي كوجك، حاكم أربيل وأحد أشهر قادة صلاح الدين الأيوبي العسكريين]:
هل يجوز أن نحتفل بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فألّف ابن دحية [وهو شخصية بارزة في مجال الحديث واللغة، وُلد في منتصف القرن السادس الهجري] كتابًا جامعًا للأدلة، وأجاز ذلك.
إقرار العلماء عبر العصور لجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
وعرض الأمر على العلماء فأقروه عبر العصور، فألّف ابن حجر العسقلاني في ذلك، وألّف الإمام السيوطي [إمام حافظ ومفسر ومؤرخ له نحو ستمائة مصنف، وكان يُلقب بابن الكتب لأنه وُلد في مكتبة] كتاب "المقصد في عمل المولد".
وفرح المسلمون شرقًا وغربًا سلفًا وخلفًا بإظهار الفرح الشديد بمولد النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إذا جاءت الدولة الحديثة في مصر واهتمت بهذا، وجعلت هذا اليوم يوم إجازة رسمية.
خطب الحكام في يوم المولد النبوي وعودة هذه العادة الحسنة
وكان في بدايات الأمر وفي هذا اليوم الأكمل الأتم الأنور لا بد لحاكم البلاد أن يلقي خطابًا للأمة. وظل هذا الأمر إلى سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين، عبد الناصر رحمه الله تعالى خطب أربع خطب في يوم المولد النبوي الشريف.
ثم بعد ذلك انقطعت هذه العادة الحسنة، حتى عادت مرة أخرى والحمد لله رب العالمين، على ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا من لقاء بين الحاكم وشعبه في يوم المولد النبوي الشريف.
احتفال نُثاب عليه، وفرح يغفر الذنوب، ويكفر الآثام، ويشير إلى بدء جديد في طريق الله مع الله.
قصة تخفيف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين بسبب فرحه بمولد النبي
أخرج الإمام البخاري، أن أحد أقرباء أبي لهب رآه في المنام فسأله: ماذا فعل الله بك؟ قال: أنا في النار لكن يُخفف عني العذاب كل يوم اثنين. قال: وبِمَ هذا؟ يعني ما السبب أنه يوم الاثنين يُخفف عنك العذاب؟
قال: بفرحي وعتقي، بفرحي بمولد محمد وعتقي لثويبة. عندما أبلغتني ثويبة [وهي] من النساء الأربع اللواتي حضرن السيدة آمنة عليها السلام وهي تضع مولودها إشراقًا للعالمين، كانت منهن ثويبة جارية أبي لهب.
ولادة النبي قبل الإشراق وفرح أبي لهب وعتقه لثويبة
والرسول صلى الله عليه وسلم شرّف الدنيا قبل الإشراق، حتى يكون ميلاده موافقًا لبزوغ شمس جديدة. فذهبت ثويبة تخبر سيدها أبا لهب، وهو سُمي بهذا الاسم لأنه كان أبيض وكان بياضه مشربًا بحمرة كاللهب، فسُمي أبا لهب.
فكان جميلًا وكان يحب النبي حبًا شديدًا، حتى أنه لما كبر عتبة وعتيبة ابنيه خطب رقية وأم كلثوم لهما، فعتبة وعتيبة تزوجوا رقية وأم كلثوم، ولكن بفضل الله ورحمته لم يتم الدخول.
طلاق رقية وأم كلثوم وزواج عثمان بهما وتسميته بذي النورين
وأروى حمالة الحطب زوجة أبي لهب سعت في طلاقهما، قالت: هذا الرجل أغاظني بشأن الولدين، فطلقوا البنتين لكي نغيظه. الحمد لله أنهم طلقوهما لأنه لا هذا أسلم ولا ذاك أسلم.
فطُلِّقَت رقية وأم كلثوم وهما أبكار، فتزوجهما عثمان بن عفان؛ تزوج رقية فماتت عنده، فزوّجه رسول الله أم كلثوم، فماتت عنده، فسُمِّي بذي النورين لأنه كانت معه البنتان الكريمتان من العترة الطاهرة.
وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لو كان عندي ثالثة لزوجتكها»
يعني لا تتشاءم من أنه ماتت عنده رقية وماتت عنده أم كلثوم، لأن هذا أجل بيد الله ولا أحد له فيه حيلة، ولم ينجبا.
بشارة ثويبة لأبي لهب بمولد النبي عند دار الندوة وعتقه لها
أبو لهب، كان عند الكعبة، وكان بجوار الكعبة تقريبًا عند الأعمدة التي توصلك إلى الصفا والمروة دار الندوة، يجتمع فيها هؤلاء الناس. فأبو لهب جالس عند دار الندوة، فجاءته ثويبة وبشرته بمقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ففرح وأعتقها، فرح وأعتقها، قال لها: خلاص، جائزة لكِ، اذهبي وأنتِ حرة.
فكانت ثويبة من مرضعات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها ابن، هذا الابن لم يسلم لأنه يعني مات في مكة، ولما سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن ثويبة عرف أنهما قد انتقلا إلى رحمة الله.
إذا خُفف عن أبي لهب الكافر بفرحه فكيف بالمؤمن الذي يفرح بالمولد
إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان سببًا في التخفيف على أبي لهب من تلك الفرحة وهذا الإعتاق.
حسنًا، إذا كان أبو لهب الذي نقرأه في صلاتنا، في محاريبنا، يُخفف عنه، فما بال المؤمن لو أظهر الفرح ماذا يفعل؟ يُثاب ظاهرًا وباطنًا.
يُثاب وهو يعلّم أبناءه كيف يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يُثاب، لأن حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإيمان.
رفض التوجه المتشدد الذي يحرم الاحتفال وتعليم الناس الحب
ولم يعد هذا التوجه الشرس الذي يريد أن يحرّم على المسلمين الهواء والماء، ويريد أن يغير ما في الأرض من شمس أو قمر في ضيائهما على الأرض، لم يعد هذا التوجه مقبولًا الآن.
وعادت هذه الأسئلة أسئلة ساذجة لا قيمة لها، ولا شيء وراءها إلا الكراهية. ونحن نُعلّم الناس الحب.
النبي كان طاقة حب تجسدت حتى استجاب له الجماد والنبات
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاقة حب، كان قد تجسّد الحبُّ فسار على قدمين. كان عندما يتعامل حتى مع الجماد والنبات، يستجيب الجماد والنبات لهذا الحب.
مرةً كان على جبل أُحُد هو وأصحاب له عشرة، فحصلت للجبل هزة أرضية موجودة في القشرة، حصل شيء من تحت فاهتزّ الجبل، فضرب برجله الشريفة جبل أُحُد وقال:
«اثبت أُحُد فما عليك إلا نبيٌ وشهيد»
فثبت الجبل. وكان يقول:
«أُحُد جبل يحبنا ونحبه»
إلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
