هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟!! | أ.د علي جمعة

هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟!! | أ.د علي جمعة - سيدنا محمد, فتاوي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، مما تركه لنا سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، نعيش هذه اللحظات، عسى أن يعد الله سبحانه وتعالى هذا المجلس مجلس علم عنده، تحفه الملائكة، وتتغشاه الرحمة، وتتنزل في قلوب حاضريه السكينة، ويذكرنا الله سبحانه وتعالى في من عنده، ويجعله
في ميزان حسناتنا يوم القيامة، ويشرح صدورنا للعلم النافع الذي تركه لنا سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم، ونسأله تعالى أن يجازي عنا سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير ما جازى نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه، وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يسقينا من يده شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، وأن يدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، وأن يرزقه الفردوس الأعلى، وأن يبعثه مقاماً محموداً رفيعاً عالياً، اللهم آمين. في هذه
الأيام المباركة، وفي شهر ربيع الأنور الأول، شعر: [ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء]، [أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدئ منه ومختتم]، شَرّف العالمين سيد الكائنات، المثال الأتم، كان المثال الأتم الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى أسوة للناس، ورحمة للعالمين، وإنساناً كاملاً قال فيه: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم: ٤]
وقال فيه: "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ" [آل عمران: ٣١] وقال: "وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا۟" [الحشر: ٧] وقال: "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب: ٢١] بعثه ربه فكان سيد العابدين. وربنا يخبرنا: "وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: ٥٦]، "سُبْحَٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ٱلَّذِى بَٰرَكْنَا حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ" [الإسراء: ١].
فأرسل الله سبحانه وتعالى نبيه فصار العبد الأول، ولذلك صاغ المسلمون هذا فقالوا شعر: [لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك]، لأن غرض خلق الأفلاك وهدف ذلك العبادة، من الذي أتم العبادة على الوجه الذي يُرضي الله سبحانه وتعالى؟ محمد بن عبد الله، حتى صار إماماً للمرسلين، وخاتماً للنبيين، وسيداً للعابدين. وصار يستحق عبد الله استحقاقاً تاماً. محمد
عبد الله يعني الكامل، لأن الله يعلم ذلك منه فقد شق صدره، وملأه حكمة، وهو رأى قلبه سبحانه وتعالى قد مُلئ رحمة فهو يرحم الخلق، الجماد، والنبات، والحيوان، والإنسان كائناً ما كان، والله سبحانه وتعالى
قد غضب على أحد المخلوقات وهو إبليس، قال تعالى: "إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" ‎[البقرة: ٣٤] الكِبْرُ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول حديث: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبْر" والمعصية والفرار عُتُلٍّ زَنِيم، يلبس الحق بالباطل، "لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" ‎[آل عمران: ٧١] إبليس الذي قاس على الأشخاص ولا قياس مع الأشخاص، قال: خلقتني من نار وخلقته من
طين. الجهل المركب، العناد، الإباء والكبر، يريد أن يعبد الله كما يريد، لا كما يريد ربنا، فهذا وإن كان في ظاهره توحيد وفي ظاهره طاعة إلا أنه في حقيقته مروق وخروج وكبر من إبليس، قال: [أعبدك وحدك لكن لا أسجد لآدم] أما الطائعين لله وحده قالوا: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" ‎[البقرة: ٢٨٥]. فلما شرف الكائنات في ربيع الأنور
صلى الله عليه وآله وسلم، كان يوم مولده يوماً من أيام الله. قال تعالى يوجه المسلمين إلى يوم الدين، وذكرهم بأيام الله، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم كل يوم اثنين، فيُسأل فيقول حديث: "هذا يوم وُلدت فيه". كان يحتفل بمولده ويتذكر هذا اليوم الذي هو من أيام الله، والذي ينبغي علينا أن نتذكره كل أسبوع، حتى
إذا ما صام أحدنا كما صام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تذكر أن من خصائص هذا اليوم أن مثله تشرف بمقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا العالم، هداية ورحمة. رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما شق صدره نزع منه قدر الرحمة التي يرحم بها أمثال إبليس، حتى يكون موافقاً لتمام مراد الله سبحانه وتعالى، مسلماً وراضياً. يغضب ربنا على إبليس فيغضب
النبي لغضب الله، وهو الذي يقول في شؤون الدنيا حديث: "لا تغضب ولك الجنة"، أما ما يغضب الله فلا، وكان لا يغضب إلا فيما يغضب الله. فصار قلبه مع نزع الرحمة التي تختص بأمثال إبليس قلباً تاماً، متهيئاً لقبول التنزلات والوحي الذي سنراه بعد. ذلك عند تمامه الأربعين، إنما من بدايته كان إنساناً كاملاً، ولذلك نشأ على الصدق حتى أنه كان صادقاً، يُصَدَق،
فيقول حديث: "ألم تقولوا عني بالصادق الأمين؟" فيقولون: "بلى". فيقول: "هل إذا ما أنبأتكم أن وراء هذا التل أو هذا الجبل جيشاً يأتي للغزو تصدقونني؟" "نعم نصدقك لأنك أنت الصادق الأمين". كل هذا قبل الوحي، كان صادقاً أميناً. السيدة الحُبَابَة خديجة عليها السلام تسمع من ميسرة أنه أمين، وأنه صادق، وأن
الله ألقى فيه وفي يده البركة، فتطلبه للزواج. عليها السلام، فازت به، حتى أن الله أنزل عليها السلام، فجاء رسول الله يقول حديث: "إن جبريل يقول لك إن الله يبلغك السلام". قالت: عليك وعليه السلام، أى سيدنا النبي وجبريل. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان في العناية الربانية "وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي" [طه: ٣٩]، فكان إنساناً كاملاً منذ
مولده إلى بعثته. الإنسان الكامل ينتصر ضد من ظلمه، والإنسان الكامل يتحسر على ما فاته، والإنسان الكامل كريم، شهم، صاحب نجدة، والإنسان الكامل له صفات كثيرة، وهذه الصفات كلها كانت في سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه، فلما
بُعث رباه ربه، يعني زاد على الإنسان الكامل، فأصبح الإنسان الكامل هذه درجة يصل إليها المرء، لكنه تجاوز الإنسان الكامل، حتى صار إنساناً ربانياً. وأجرى الله سبحانه وتعالى على يده المعجزات. وأجرى الله سبحانه وتعالى على يده البركة التامة. وأجرى الله سبحانه وتعالى على يده الهداية وأقامه في العبودية إلى أن لحق به سبحانه وتعالى "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" ‎[الحجر: ٩٩] وهو الموت. صلى
الله عليه وسلم بعد الوحي صار إنساناً ربانياً، "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ" [فاطر: ٨] الإنسان الكامل يتحسر على فوت الخير من أهله، ولكن ربنا يصل به إلى مرتبة التسليم التام، والرضا، والتوكل الأتم مع رب العالمين، فيأمره ألا تذهب نفسه عليهم حسرات، "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" [الكهف: ٦] الإنسان الكامل يأسف ولكنّ
ربنا يريد من رسوله ألا يأسف، توكلاً عليه وتسليماً لمراده، وإقراراً بربوبيته، وبأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. الإنسان الكامل كريم، وكان كريمًا، ولكنه أصبح إنسانًا ربانيًا. كان يدخر لأهله قوت عام، فلا يبقى عنده إلا أسابيع، أي أنه خزن الطعام الذي يكفي السنة كاملة، ثم يأتيه هذا وذاك، فيظل يعطيهم حتى ينفذ خزين العام. وكان أجود الناس، حتى إذا دخل رمضان
كان كأنه الريح المرسلة، إذن هذا إنسان رباني، هذا فوق الكامل بكثير، وإذا تتبعنا موارد القرآن فيما رباه ربه لعرفنا صفات الإنسان الرباني، وصفات الإنسان الكامل. الرباني، "وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ" ‎[النحل: ١٢٦]، هذا رباني، لكن من انتصر بعد ظلم هذا إنسان كامل. وهكذا الموقف مع سيدنا حمزة، الإنسان الكامل يطلب
المقابل، سواء كان هذا المقابل أجراً على عمل، أو انتقاماً من أجل معنى. قتل وحشي سيدنا حمزة غدراً، وما قتله إلا حتى يتحرر من عبودية هند زوج أبي سفيان. وتألم النبي لمقتل هذا الفارس الذي هو أسد من أُسُد الله. سيدنا حمزة كان فارساً نبيلاً خَلقاً وخُلقاً، أبو عمارة، لكنه قُتل
غدراً، وجاء وحشي يُسلم، الإنسان الكامل لا يَقبل إسلامه، ولكن الإنسان الرباني يَقبله لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش. فقبِله وأسلم وحشي. ثم يقف النبي موقفاً عجيباً إنسانياً غاية في الرقة والشعور، فيستأذن وحشياً، سيدنا
النبي صاحب الحق وصاحب الثأر، يستأذن القاتل ويقول له حديث: "يا وحشي، هلا غيبت عني وجهك". أنا عندما أراك تنقلب عليَّ المشاعر. هل يمكنك أن تغيب عني قليلاً، أي ألا أراك؟ صلِّ في الصف الأخير، ابقَ هكذا بعيداً قليلاً. فلبى وحشي، وكان يتحاشى أن يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا ما جاء جلس في
الصفوف الأخيرة. وحشي الذي أصبح بعد قتله لحمزة وإسلامه. نقول رضي الله تعالى عنه، لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي بيننا وبين العالمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحشي يذهب إلى الشام، ويمكث في حمص، ويموت في خلافة عمر، لكنه مسكين كان معاقراً لذنب لا يستطيع الفكاك منه، وهو شرب الخمر والعياذ بالله تعالى،
فكان يشرب الخمر مدمناً لها، لا يعرف كيف يتخلص منها، فمات وهو سكران. فلما بلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه قال: (ظننت أن الله لا يترك قاتل حمزة)، يعني هذا بما قدمت يداه من فعل عظيم، أنه لم يمت على الشهادتين مثلاً. أو أنه حُرِم من الاستغفار قبل الموت، أو أنه عاقر هذا الذنب العظيم، أو أنه في حالة ليست مرضية، وحالة
ليست هي الأكمل والأتم، إنما يعطينا أن الذنب لا يُخرج من الملة، وأن الذنب يصدر من الإنسان الخطّاء، وكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. الله قدّر عليه الإسلام فقدّر عليه النجاة، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه مات على معصية. رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة وجد اليهود يصومون، فسأل حديث: "ما هذا؟"، فقالوا: "هذا يوم نجّى الله فيه موسى"، فأمر
بصيام هذا اليوم، يوم عاشوراء، وكان يوم العاشر من محرم. أمر بصيام هذا اليوم وقال حديث: "نحن أحق بموسى منهم". موسى هو نبينا وسيدنا عيسى هو نبينا وسيدنا إبراهيم هو نبينا، ليس لدينا مشاكل مع أحد لأننا نؤمن بالجميع، كل الأنبياء من لدن آدم إلى خاتمهم صلى الله عليه وسلم نؤمن به، ولذلك ليس هناك مشكلة مع أحد. المشكلة هي أن يأتي أحدهم فيكفر بمحمد، ويقول محمد لا نعترف به نبياً، فتحدث المشاكل والمعارضات،
لكن ما المعارضة بين المسلم وبين العالَمين؟ لا شيء، لأننا صدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بشرى لمن كان ممن كان قبله من الأنبياء، "بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ" [الصف: ٦] نعم، بشرى. "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ" [الحج: ٧٨]، على سيدنا إبراهيم. "وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" [ الحج: ٧٨]. يسأل بعضهم: هل يجوز أن نحتفل بالمولد النبوي الشريف؟ سؤال
في غير محله. ينبغي، يا أخي، أن تحتفل بالمولد النبوي الشريف وتنقل لمن بعدك الفرح برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمقدمه، فإن هذا الفرح ركن من أركان الإيمان، وفعل من أفعال القلوب والجوارح، تُثاب عليه يوم القيامة، فيخرج أحدهم ويقول: (ولكن رسول الله لم يحتفل به صلى الله عليه وآله وسلم). ماذا نقول له؟ نقول له: كذبت، بل إنه احتفل
به اثنتين وخمسين مرة في السنة، التي هي عدد الأسابيع، لأنه احتفل به كل اثنين. نقول له ماذا نقول له؟ كذبت، لأن القرآن أمرك أن تفعل ذلك في قوله: "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ" [ابراهيم: ٥]. نقول له ماذا؟ كذبت، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا منهاج الشريعة: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" [المائدة: ٤٨]. والمنهاج يبين لنا أننا نفرح بالأحداث الشريفة كنجاة موسى. فلو عرفنا أن الله سبحانه وتعالى قد رفع عيسى
في يوم ما، لاحتفلنا به، ولو عرفنا أن الله نجى أيوب في اليوم الفلاني، لاحتفلنا به. ولم نكن بذلك إلا مطبقين للكتاب والسنة، نقول له ماذا؟ ولكن هذا لشغل بال المسلمين عما هو أهم، ولذلك قام العلماء عندما سألهم الملك المظفر صاحب إربل [هو مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين على كوجك حاكم أربيل وهو أحد أشهر قادة صلاح الدين الايوبي العسكريين]: هل يجوز أن نحتفل بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم؟ فألّف ابن دحية (هو شخصية بارزة فى مجال الحديث واللغة. ولد فى منتصف القرن السادس الهجري) كتاباً جامعاً للأدلة، وأجاز ذلك، وعرض الأمر على العلماء فأقروه عبر
العصور، فألّف (ابن حجر العسقلاني) في ذلك، وألّف الإمام السيوطي(إمام حافظ ومفسر ومؤرخ له نحو ٦٠٠ مصنف، وكان يلقب بابن الكتب لأنه ولد فى مكتبة) المقصد في عمل المولد وفرح المسلمون شرقاً وغرباً سلفاً وخلفاً بإظهار الفرح الشديد بمولد النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، حتى إذا جاءت الدولة الحديثة في مصر واهتمت بهذا، وجعلت هذا اليوم يوم إجازة رسمية. وكان في بدايات الأمر وفي هذا اليوم الأكمل الأتم الأنور لا بد لحاكم البلاد أن يلقي
خطاباً للأمة، وظل هذا الأمر إلى سنة ألف وتسع مائة ستة وخمسين، عبد الناصر رحمه الله تعالى خطب أربع خطب في يوم المولد النبوي الشريف، ثم بعد ذلك انقطعت هذه العادة الحسنة، حتى عادت مرة أخرى والحمد لله رب العالمين، على ما كان عليه آباؤنا وأجدادنا من لقاء بين الحاكم وشعبه في يوم المولد النبوي الشريف، احتفال نُثاب عليه، وفرح يغفر الذنوب، ويكفر الآثام،
ويشير إلى بدء جديد في طريق الله مع الله. أخرج الإمام البخاري، أن أحد أقرباء أبي لهب رآه في المنام فسأله ماذا فعل الله بك؟ قال: أنا في النار لكن يُخفف عني العذاب كل يوم اثنين. قال: وبِمَ هذا؟ يعني ما السبب أنه يوم الاثنين يُخفف عنك العذاب؟ قال: بفرحي وعتقي، بفرحي بمولد محمد
وعتقي لثويبة عندما أبلغتني. ثويبة من النساء الأربع اللواتي حضرن السيدة آمنة عليها السلام وهي تضع مولودها إشراقاً للعالمين، كانت منهن ثويبة جارية أبي لهب. والرسول صلى الله عليه وسلم شرَّف الدنيا قبل الإشراق، حتى يكون ميلاده موافقاً لبزوغ شمس جديدة، فذهبت ثويبة تخبر سيدها أبا لهب، وهو سُمي بهذا الاسم لأنه كان أبيض. وكان بياضه مشرباً بحمرة كاللهب،
فسمي أبا لهب، فكان جميلاً. وكان يحب النبي حباً شديداً، حتى أنه لما كبر عتبة وعتيبة ابنيه خطب رقية وأم كلثوم لهما. فعتبة وعتيبة تزوجوا رقية وأم كلثوم، ولكن بفضل الله ورحمته لم يتم الدخول. وأروى حمالة الحطب زوجة أبي لهب سعت في طلاقهما. قالت: "هذا الرجل أغاظني بشأن الولدين، فطلقوا البنتين لكي نغيظه". الحمد
لله أنهم طلقوهما لأنه لا هذا أسلم ولا ذاك أسلم. فطُلِّقَت رقية وأم كلثوم وهما أبكار، فتزوجهما عثمان بن عفان. تزوج رقية فماتت عنده، فزوَّجه رسول الله أم كلثوم، فماتت عنده، فسُمِّي بذي النورين لأنه كانت معه البنتان الكريمتان. من العترة الطاهرة، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث: "لو كان عندي ثالثة لزوجتكها"، يعني لا تتشاءم من أنه ماتت عنده رقية وماتت عنده أم كلثوم، لأن هذا أجل بيد الله ولا أحد له فيه حيلة. ولم ينجبا. أبو
لهب، كان عند الكعبة، وكان بجوار الكعبة تقريباً عند الأعمدة التي توصلك إلى الصفا والمروة دار الندوة، يجتمع فيها هؤلاء الناس، فأبو لهب جالس عند دار الندوة، فجاءته ثويبة وبشرته بمقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ففرح وأعتقها، فرح وأعتقها، قال لها: "خلاص، جائزة لكِ، اذهبي وأنتِ حرة". فكانت ثويبة من مرضعات النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها ابن هذا الابن لم يسلم لأنه يعني
مات في مكة ولما سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن ثويبة عرف أنهما قد انتقلا إلى رحمة الله. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان سبباً في التخفيف على أبي لهب من تلك الفرحة وهذا الإعتاق. حسناً، إذا كان أبو لهب الذي نقرأه في صلاتنا، في محاريبنا، يُخفف عنه، فما بال المؤمن لو أظهر الفرح ماذا يفعل؟ يُثاب ظاهراً وباطناً، يُثاب وهو يعلم أبناءه كيف يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يُثاب، لأن حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإيمان، ولم
يعد هذا التوجه الشرس الذي يريد أن يحرم على المسلمين الهواء والماء، ويريد أن يغير ما في الأرض من شمس أو قمر في ضيائهما على الأرض. لم يعد هذا التوجه مقبولاً الآن. وعادت هذه الأسئلة أسئلة ساذجة لا قيمة لها، ولا شيء وراءها إلا الكراهية. ونحن نُعّلِمُ الناس الحب. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاقة حب، كان قد تجسَّد الحبُّ فسار على قدمين، كان عندما
يتعامل حتى مع الجماد والنبات، يستجيب الجماد والنبات لهذا الحب. مرةً كان على جبل أُحُد هو وأصحابٌ له، عشرة، فحصلت للجبل هزةٌ أرضية موجودة في القشرة، حصل شيءٌ من تحت فاهتزّ الجبل، فضرب برجله الشريفة جبل أُحُد وقال حديث: "اثبت أُحُد فما عليك إلا نبيٌ وشهيد"، فثبت الجبل وكان يقول حديث: "أحد جبل يحبنا ونحبه" إلى لقاء آخر استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته