هل ربنا خلق الكون لأجل سيدنا محمد ﷺ ؟ | أ.د. #علي_جمعة - سيدنا محمد, فتاوي

هل ربنا خلق الكون لأجل سيدنا محمد ﷺ ؟ | أ.د. #علي_جمعة

7 دقائق
  • خلق الله تعالى الجن والإنس للعبادة كما قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
  • اصطفى الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون الإنسان الكامل وسيد العابدين وأول المسلمين.
  • جعله الله مثالاً يحتذى وأسوة للخلق بقوله: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".
  • أمره بالتهجد والقيام ليكون مثالاً للعبادة الكاملة كما في قوله: "قم الليل إلا قليلاً".
  • قرن الله اسمه باسم النبي في الشهادتين، وهما ركنا الدخول في الإسلام.
  • روى الحاكم في المستدرك أن آدم توسل بالنبي محمد، وقال الله له: "لولا محمد ما خلقتك".
  • المعنى أن الله خلق الكون لأجل أن يأتي فيه إنسان كامل كالنبي محمد يستطيع أن يحقق مراد الله من الخلق.
  • الأنبياء والرسل والأولياء يحاولون الاقتداء بهذا المثال الأتم صلى الله عليه وسلم كل بحسب توفيق الله له.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

هل خلق الله الكون لأجل سيدنا محمد وبيان أن الغاية هي العبادة

يسأل سائل: هل ربنا خلق الكون لأجل سيدنا محمد ﷺ؟

قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

فبيَّن [الله سبحانه وتعالى] أن هدف الكون إنما هو للعبادة، لكنه سبحانه وتعالى ارتضى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم لأن يكون الإنسان الكامل، وأن يكون العابد الأول؛ فهو أول المسلمين وهو سيد العابدين.

﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَـٰتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]

ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم أول العابدين وأول المسلمين، والإنسان الكامل الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى أسوةً للخلق.

النبي ﷺ المثال الأعلى في العبادة وفرض قيام الليل عليه

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

ومن هنا جعله سبحانه وتعالى مثالًا يُحتذى، وجعله سبحانه وتعالى ممثلًا لغرض هذا الكون في العبادة؛ فَفَرَضَ عليه قيام الليل:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

فكان صلى الله عليه وسلم مثالًا للعبادة.

صحة القول بأن الله خلق الخلق لأجل النبي ﷺ الإنسان الكامل

ومن هنا صحَّ أن يُقال أن الله سبحانه وتعالى إنما خلق هذا الخلق لأجل هذا الإنسان [النبي محمد ﷺ].

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

وهذه نصوص القرآن كلها تؤكد هذا المعنى، أنه [صلى الله عليه وسلم] هو المثال الأتم، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ربنا فيه:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

فانتهى الأمر إلى هذا المثال، وجعله الله سبحانه وتعالى شهيدًا علينا.

النبي ﷺ الشهيد الأتم والإمام الأكبر الذي نقتدي به في العبادة

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

فهو [النبي ﷺ] الشهيد الأتم والإمام الأكبر، الذي ننظر إليه فنقلده في عبادتنا لربنا، التي هي من أجلها خُلقت الأكوان.

ومن هنا صحَّ ما رواه صاحب المستدرك الإمام الحاكم أمير المؤمنين [في الحديث]، والحاكم فيه في مستدركه:

حديث توسل آدم بالنبي محمد ﷺ ورؤية اسمه مقروناً باسم الله على العرش

أن آدم عليه السلام عندما خرج [من الجنة] قال:

«اللهم إني أتوسل إليك بمحمد، اغفر لي ذنبي»

قال [الله تعالى] وهو أعلم: وما أدراك يا آدم بمحمد؟ قال: يا ربنا، وجدتُك إنك قد قرنتَ اسمه باسمك على قوائم العرش؛ لأن مكتوبًا على قوائم العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وهي خير كلمة قيلت في تاريخ البشرية: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

قول الإمام أحمد في جواز الحلف بالنبي ﷺ لأنه أحد ركني الشهادتين

ولذلك يقول الإمام أحمد [بن حنبل]: ويجوز الحلف بالنبي ﷺ وينعقد؛ وذلك أنه أحد ركني الشهادتين، وبهما يدخل الإنسان الإسلام، وبواحدة لا يدخل.

فلو قال أحدهم: «لا إله إلا الله» وسكت، لا يدخل الإسلام؛ فإذا قال: «محمد رسول الله» وأكمل، دخل الإسلام.

ومن هنا كان فعل المسلمين أنهم عندما يكتبون على المحاريب يكتبون «الله» دلالةً على كلمة التوحيد، و«محمد» دلالةً على الشهادتين.

الاقتران بين اسم الله واسم النبي ﷺ لا يقتضي التساوي بل المشاركة في الحكم

والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

«بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله...» رواه البخاري ومسلم

وليس في هذا تساوٍ، والاقتران لا يقتضي التساوي، إنما يقتضي المشاركة في الحكم.

ولذلك «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ليست نوعًا من أنواع الشرك، بل هي مأذون بها ومأمور بها من الله سبحانه وتعالى؛ من أجل أن نعلم أننا لا نصل إلى ربنا إلا بهذا النبي المصطفى [صلى الله عليه وسلم].

﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]

حديث الحاكم في قول الله لآدم لولا محمد ما خلقتك وبيان معناه

وعلى ذلك يأتي حديث آدم فيما أخرجه الحاكم في مستدركه، قال [آدم]: وجدتُ أنك قد قرنتَ اسمه باسمك، فعرفتُ أنه أحب الخلق إليك. قال [الله تعالى]: يا آدم، لولا محمد ما خلقتك.

لولا أن هناك من البشر من سيصل إلى هذه الدرجة العالية من الطاعة والخشوع والعبادة والالتزام والتوفيق والحب، الذي كان في هذا الإنسان [النبي ﷺ]، والذي استحق به:

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]

واستحق بأن يقول:

«أنا سيد ولد آدم ولا فخر»

تأكيد الكتاب والسنة أن لولا النبي ﷺ ما خُلقت الأفلاك وسعي الخلق للاقتداء به

كل هذا فيما ورد في الكتاب والسنة يؤكد هذا المعنى: أنه لولاك لولاك ما خلقتُ الأفلاك؛ لأن الله لو خلق الأفلاك وعلم في علمه القديم أن أحدًا لن يستطيع أن يوفي مراده من خلقه، لما خلق الأفلاك.

لكنه سبحانه وتعالى لما عرف أن إنسانًا هو في مثال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستطيع أن يمتثل لكل همسة ولمسة، وكل أمر وكل نهي يبتعد عنه، فيما أقر الله وحكم، خلق الكون والناس من الأنبياء والرسل والأولياء وأصحاب الهمة العالية من أولي العزم من الرسل وما دونهم، يحاولون أن يقلدوا ذلك المثال الأتم صلى الله عليه وآله وسلم، ويحاولون أن يصلوا إلى هذا الإنسان الكامل، وكلٌّ بحسب توفيق الله له.