هل قصة الغرانيق صحيحة أم لا ؟ | أ.د. علي جمعة - فتاوي

هل قصة الغرانيق صحيحة أم لا ؟ | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • قصة الغرانيق تشير إلى حادثة مروية عن الطبري وابن حجر في تفسير سورة النجم، حيث ألقى الشيطان صوتاً أثناء تلاوة النبي ﷺ: "تلك هي الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى".
  • ظن المشركون أن هذه العبارة من القرآن فسجدوا مع النبي، وانتشر خبر مصالحة النبي لقريش.
  • عاد بعض المهاجرين من الحبشة لسماعهم خبر المصالحة، ثم اكتشفوا الحقيقة وعادوا في هجرة ثانية.
  • أكد ابن حجر صحة القصة بسند جيد، لكن بعض المحدثين أنكروها خوفاً من استغلال المستشرقين لها.
  • أهمية القصة تكمن في بيان أن المحفوظ من رؤية النبي ﷺ في المنام هي الصورة وليس الكلام، كما قال النووي.
  • قول النبي "من رآني في المنام فقد رآني حقاً" يتعلق بالصورة وليس بالكلام، إذ يمكن للشيطان أن يتمثل بالصوت.
  • تسببت الرؤى الخاطئة في ضلال الكثيرين كحادثة جهيمان ومن ادعى النبوة أو المهدية.
  • الأحكام المستفادة من القصة تحفظ الناس من الضلال وتجعلهم يعرضون الرؤى على الشرع.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

التعريف بقصة الغرانيق كما رواها الطبري في تفسيره لسورة النجم

نسمع عن قصة تُسمى قصة الغرانيق، فما هي القصة؟ وهل هي صحيحة أم لا؟

قصة الغرانيق قصة رواها الطبري في تفسيره لسورة النجم، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلو سورة النجم والمهاجرون من الصحابة في الحبشة [في الهجرة الأولى]، وكان يتلوها عند الكعبة حتى وصل إلى قوله تعالى:

﴿وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ﴾ [النجم: 20]

فصوّت الشيطان بصوت عالٍ سمعه المشركون وظنوا أنه جزء من القرآن الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم، سمعوه يقول: «تلك هي الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى».

كيف ألقى إبليس صوته أثناء تلاوة النبي وتشبيه ذلك بالتشويش الإذاعي

لقد أصدر إبليس صوتًا بهذا المقطع بينما كان النبي [صلى الله عليه وسلم] في حالته جالسًا يقرأ سورة النجم، فذهب الآخر [أي إبليس] مُصدرًا صوتًا للجماعة الذين كانوا جالسين يتلصّصون بصوت عالٍ.

محمد صلى الله عليه وسلم ذهب [في التلاوة]، هذه [الموجة الشيطانية] دخلت مع هذه [التلاوة]. أتعرف التشويش الذي يحدث في الإذاعة؟ تستمع إلى الإذاعة ثم تجد موجة قد دخلت عليك. نعم، بالضبط، حدث مثل ذلك [في قصة الغرانيق].

فرح المشركين بما سمعوه وظنهم أن النبي وافقهم على عبادة الأصنام

فلما سمع المشركون هذا [الصوت الذي ألقاه الشيطان]، قالوا: إنه محمد! الحمد لله، إنه يقترب منا! ها قد جاء إلينا في منتصف الطريق وتحدث عن الأصنام: «تلك هي الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لتُرتجى». ها قد وافقنا! إنه يقول إن الوثنية ليس فيها شيء [سيئ]، والحياة وردية، وأنا بجانبك وأنت بجانبي.

صلاح جاهل! هل تدرك كيف هي «الحياة وردية»؟ فليس هناك أي شيء [من ذلك]، لدرجة أن النبي [صلى الله عليه وسلم] سجد [في آخر السورة] فسجدوا معه، وسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ليس أخذ باله من العبارة هذه. من الذي حصل؟ هو منشغل بالتلاوة.

انتشار الخبر ورجوع بعض المهاجرين من الحبشة فرحين بالمصالحة المزعومة

وشاع الخبر، خرج المشركون في كل مكان يا أولاد: محمد! قالوا: عاد محمد، عاد محمد! قالوا: محمد أدّوا الحمد لله، سنتفق بعد اختلاف.

حتى وصل الخبر إلى الحبشة، فرجع بعض المهاجرين فرحين، قالوا: والله يعني هناك اتفاق مع قريش حدث، أن نعود، فلنترك هذه الغربة، لقد مللنا من الغربة. والغربة سيئة خاصة في هذه الأزمان، كانت الغربة سيئة جدًا.

رجوع المهاجرين واكتشافهم الحقيقة ونفي النبي لقصة الغرانيق

فرجع بعضهم، وهذا الرجوع كان سببًا في الهجرة الثانية [إلى الحبشة]. عندما رجعوا وجدوا أنه لا يوجد شيء تغيّر، والآخرون قالوا له [للنبي صلى الله عليه وسلم]: أليس أنت من قلت «تلك هي الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لتُرتجى»؟

قال: ماذا؟ هذا كلام فارغ، هذا كفر يا بني! الأصنام أصبحت هي المعتمدة وجيدة يعني؟ في أمانة الله! لا لا، الكلام الذي تقولونه هذا كلام باطل، وأنا لست مؤيدة [أي مؤيدًا] له ولا أقول به.

[قالوا:] يعني رجعت في كلامك؟ [قال:] أنا لم أقله أصلًا! هل سنتغابى؟ دعنا من الغباء، أنا لم أقله. فلتراجع [الأمر]، أمر الحبشة، الثلاثة والأربعة والخمسة وجدوا الحال كما هو، فقاموا بهجرة ثانية، فسُمّيت الهجرة الأولى والهجرة الثانية.

تصحيح ابن حجر العسقلاني لسند القصة وموقف المحدثين من هجوم المستشرقين

بعض المحدثين هذا الحديث أورده أيضًا ابن حجر العسقلاني في [كتابه] فتح الباري وقال: «وهو بسند جيد». هذا حافظ الأمة، هذا شيء آخر. ابن حجر رضي الله تعالى عنه قال: «وهو بسند جيد».

بعض [المتأخرين] وجد المحدّثون أن بعض المستشرقين يهاجمون سيدنا الرسول [صلى الله عليه وسلم] من خلال هذه القصة، على طريقة الشك والحيرة: هل هذا لا يفتح بابًا إلى أنه وهو يُوحى إليه يمكن أن يكون الشيطان أدخل شيئًا؟ يعني هكذا هو؟

[الجواب:] إذا كان كل شيء رويناه حتى الذي حدث، فلو كان هناك شيء آخر داخلها كنا قلناها أيضًا. لكن أصلًا لا يوجد شيء [مما يزعمون].

ثقة الأمة الإسلامية بنفسها وشفافيتها في مواجهة شبهات المستشرقين

نحن أناس لدينا شفافية، لدينا وضوح، لدينا شخص واثق في نفسه، لسنا ناقصين؛ لا مستشرقين ولا مستغربين ولا مستعربين ولا مستعمرين. هل تفهم؟ أوضح من الواضحات وأجلى من البيّنات.

فإذا سألني أحدهم: حسنًا، وما فائدة هذا الأمر؟ أنهم يتكلمون علينا بسوء؟

نعم، هذه فائدتها، شيء مهم للغاية.

حديث من رآني في المنام وأن المحفوظ هو الصورة لا الصوت

وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقول:

قال رسول الله ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا»

فإن المحفوظة هي الصورة الشريفة المنيفة لسيدنا النبي وليس الكلام. إذن، عندما ترى النبي [في المنام] فقد رأيته حقًّا، فإذا قال لك: اذهب إلى فلان الفلاني وستجد في الموضع الفلاني واسمه كذا وكذا وتُرُلِّي [أي كلامًا ما]، هذا تذهب وتطيع على الفور؟

فحضرتك تستيقظ من النوم لأنك رأيت سيدنا النبي، والنبي قال: «من رآني فقد رآني حقًّا»، وتذهب لتُرُلِّي [أي لذلك الشخص].

خطورة اتباع الرؤى دون عرضها على الشرع وادعاء الألوهية بسببها

فيقول لك تُرُلِّي [ذلك الشخص]: على فكرة، سأقول لك شيئًا تستغرب منه. ما هو؟ قال: أنا ربنا! أنت يا تُرُلِّي ربنا؟ قال: نعم. فماذا إذن؟ جاءك النبي، أليس كذلك؟ هل جاءك؟ فقلت له: جاءني. قال لك أو لم يقل لك؟ قال لي. طيب!

فقال ابن حجر [العسقلاني]: قال الإمام النووي: «والمحفوظ الصورة». ما الدليل على أن المحفوظ الصورة؟ قوله: «من رآني» لم يقل: «من سمعني»، بل قال: «من رآني فقد رآني حقًّا».

إمكانية إلقاء الشيطان للصوت وفائدة قصة الغرانيق في حفظ العباد من الضلال

هل في استطاعة الشيطان أن يُلقي هذا الصوت؟ نعم، فقد ألقاه في قصة الغرانيق.

هل لها فائدة أم ليس لها فائدة؟ وما فائدتها؟

فائدتها حفظ العباد في طريق الله من الضلال، وحفظ العباد الذين يرون سيدنا الرسول [صلى الله عليه وسلم] في المنام من الضلال. وكلما رأوا رسول الله [في المنام] عرضوا كلامه على الشرع الشريف؛ فإذا قال لك: اذكر، تصدّق، افعل الخير، فهذا صحيح. لكن يقول لك: اذهب إلى فلان، وتذهب إلى فلان فتجده يقول لك: «أنا ربنا!» لا، أمسك في خناق فلان ولا يهمك.

نماذج تاريخية لمن ضلوا بسبب الرؤى كحادثة جهيمان في الحرم المكي

وكم أضلّت [هذه الرؤى] من أناس! نحن في حياتنا البسيطة رأينا بأعيننا والتقينا بمن ضلّ بالرؤية، ضلّ بها.

ومنهم جهيمان الذي اعتدى على الحرم [المكي] في سنة ألف وتسع مائة وثمانين. هذا العدوان كان بسبب رؤى رآها هو وأتباعه، ورأوا فيها أن النبي [صلى الله عليه وسلم] أمرهم بما فعلوا، ولكنه حاشاه هو لم يأمر، إنه الشيطان الذي أمرهم. هؤلاء ذهبوا وبدأوا بالسلاح على بيت الله الحرام الذي هو محل نظر الله، يا للمصيبة!

ما يترتب على إنكار قصة الغرانيق من ضياع الأحكام وضلال الناس بالرؤى

وكل هذا من ماذا؟ من إنكار قصة الغرانيق لأجل المستشرقين، وما يترتب عليها ذهاب الأحكام. ويترتب عليها أنه ما دام رأيته [في المنام] يكون سمعته، فهذا جميل جدًا وحسن [عندهم]، ويترتب عليها ضلال مبين.

كان عندنا شخص في الصعيد ادّعى النبوة بهذه الرؤى، وعندنا شخص كان في مدينة النصر ادّعى الألوهية، وكان عندنا شخص هنا في المعادي ادّعى المهدية. وكل هذا لأنهم جهلوا الحكم أن المحفوظ هو الصورة وليس هو الصوت.

حل النووي وابن حجر لإشكالية الرؤى وأهمية عرض كل شيء على الشرع الشريف

في هذه الحالة التي حلّها لنا النووي وابن حجر رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، تفكّكت كل شيء [من الشبهات]، وأصبح لا يمكن لأحد أن يخدعك، وأصبحت شخصيتك ليست شخصية خرافية، وصرت تعرض كل أمورك على الشرع الشريف.

وأصبحت تسير هكذا، أي ضابطًا نفسك هكذا بثقة في النفس، لم تعد كلمة تأخذك وكلمة تعيدك.

كتاب نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق وموقف الأمة العالمة من القصة

فإذا قصة الغرانيق جاء بعضهم وألّف كتابًا: «نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق»، وانتبه، المنجنيق الذي هو المدفع، قال إنه جاء بقصة الغرانيق لو ذهب وضربها بالمدفع انفجرت قصة الغرانيق.

لماذا؟ يقول لك: لا، إنما لأجل المستشرقين فقط لا يُلبّسوا علينا. ليس لنا تدخّل بالمستشرقين؛ لأن كل شيء له وضعيته، ونحن أناس طوال عمرنا واثقون في أنفسنا. فنحن روينا كل شيء بالسند، ونظرنا وصنّفنا وبنينا وجرّدنا وقعّدنا وطبّقنا. لا، نحن أمة عالمة، نحن أمة عالمة.

فإذن، فقصة الغرانيق هذه هي عند الأقدمين من الحفّاظ صحيحة، ويترتب على [صحتها] بعض الأحكام، وأنكرها بعض المحدثين [المتأخرين].