هل هناك قاموسٌ دلاليٌّ يتتبع الألفاظ عبر تطورها التاريخي في دلالاته ؟ | أ.د علي جمعة
- •الحاجة إلى قاموس دلالي يتتبع تطور الألفاظ عبر تاريخها، وقد تبنى مجمع اللغة العربية بالقاهرة هذا المشروع وأنتج المعجم الكبير الذي وصل إلى حرف اللام خلال خمسين عاماً.
- •حدثت مشكلة "اختلال المعنى" و"احتلال المعنى" في المائة سنة الماضية بسبب حركات الترجمة.
- •تحتوي اللغة العربية على ثمانين ألف جذر، استخدم القرآن منها 1820 جذراً فقط، وأضافت السنة 1800 أخرى، ليصبح المجموع 3600 جذر.
- •المستعمل من جذور اللغة في الكتابات اليومية ونشرات الأخبار حوالي 3600 جذر، وهذا مماثل للغات العالم الأخرى.
- •رصد المرصفي في أواخر القرن 19 ثماني كلمات تغيرت دلالتها، بينما أصبحت اليوم خمسمائة كلمة.
- •أنتج الباحثون دراسة لعشر كلمات فقط من أصل خمسمائة كلمة متغيرة الدلالة.
- •فقدان معاني اللغة سبب في سوء التفاهم والتواصل في المجتمع.
- •الأمم المتقدمة تحافظ على لغاتها الأصلية وتترجم المعارف إليها.
فكرة القاموس الدلالي وتتبع تطور الألفاظ عبر التاريخ
هو يقول إنه يريد قاموسًا دلاليًّا يتتبع الألفاظ عبر تطورها التاريخي في دلالاتها؛ فقد كانت تعني شيئًا عند الجاهليين، ثم أصبحت تعني شيئًا آخر عند الإسلاميين، ثم بعد ذلك تطورت المسألة إلى أصول وسطى فمتأخرة.
فيريد أن يرى ليس تطور اللغة، بل التطور الدلالي للألفاظ. التطور الدلالي للألفاظ كان يبحث عنه — قال عنه — أحد المستشرقين المنتمين إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والمجمع تبنّى هذا وعمل ما يُسمّى بـالمعجم الكبير.
المعجم الكبير لمجمع اللغة العربية ومسيرة إنجازه على مدى خمسين سنة
والمعجم الكبير طبعوا منه إلى حرف — إزاي — وأظن أنهم أكملوا إلى حرف اللام، وهذا في خلال الخمسين سنة الماضية؛ لأن أول ما خرج، خرج من خمسين سنة، يعني قريب من سنة خمسة وستين بدؤوا فيه، وإلى الآن لم يُتمّوه؛ لأنه بحث هلامي وواسع جدًّا.
وكذلك، لكنه موجود، موجود وموجود، يعني لو أنهم طبعوا كل ما أنهوا لوصلنا إلى حرف اللام، ويبقى متبقٍّ حروف بسيطة.
مشكلة اختلال المعنى واحتلاله بعد حركات الترجمة في المائة سنة الأخيرة
ولكن المشكلة تعقّدت في المائة سنة الماضية بعد حركات الترجمة، وحصل هناك ما يُسمّى بـاختلال المعنى، ثم ما يُسمّى بـاحتلال المعنى. واحدة بنقطة، واحدة من غير نقطة: الاختلال والاحتلال، والاختلال والاحتلال.
إحصائيات الجذور اللغوية المستعملة في القرآن والسنة من أصل ثمانين ألف جذر
عندما تكلمنا على اللغة المستعملة، لدينا ثمانون ألف جذر في اللغة العربية. القرآن استخدم ألفًا وثمانمائة وعشرين فقط، يعني ليس هناك خمسة في المائة. السُّنة تضمّ ثلاثة آلاف وستمائة منهم الألف والثمانمائة هؤلاء.
فكأن القرآن ألف وثمانمائة وزيادة، والسنة عليه ألف وثمانمائة أيضًا، فيصبح المجموع ثلاثة آلاف وستمائة من ثمانين ألف شيء، فلا تبلغ ستة في المائة ولا حتى خمسة في المائة.
ألفاظ الكتاب والسنة هي التي تُكوّن العقلية وكيفية التفكير
كذلك فإن هذه الألفاظ هي ألفاظ تُكوّن العقلية، وهي الجزء الذي ورد في الكتاب والسنة، والذي يُكوّن العقلية وكيفية التفكير.
عدد الجذور المستعملة فعليًّا في اللغة العربية اليومية والكتابات المعاصرة
هذه الألفاظ عندما بحثنا فيها، تبيّن أن اللغة العربية تحتوي على ثمانية آلاف جذر وليس كلمة؛ لأن عدد كلمات اللغة العربية مليونان، لكن الجذور ثمانون ألفًا. والمستعمل من هذه الجذور في نشرات الأخبار وفي الكتابات اليومية ثلاثة آلاف وستمائة.
وهذا هو المستعمل في كل لغات العالم، في الإنجليزية وفي الألمانية وفي اليابانية وهكذا.
تتبع الألفاظ التي تغيّرت دلاليًّا من ثمانية عند المرصفي إلى خمسمائة اليوم
بحثنا في الثلاثة آلاف وستمائة: ما هو الشيء الذي تغيّر؟ ليست كل الألفاظ، فتوصلنا إلى خمسمائة كلمة تغيّرت.
الشيخ المرصفي ألّف كتابًا اسمه "الكَلِم الثمان" في عصره. هذا الشيخ المرصفي هو شيخ طه حسين، أي في أواخر القرن التاسع عشر، كانت ثماني كلمات لكن الذي حدث فيهم الاختلال والاحتلال فألّف كتابًا اسمه "الكَلِم الثماني"، ستجده في السوق اليوم.
أصبح خمسمائة، إذن هناك اختلاف بين ثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، وخلال المائة والخمسين سنة هذه أصبح خمسمائة.
مشروع المفاهيم وإنجاز عشر كلمات فقط من خمسمائة في مجلدين
ونحن تتبّعنا — عندما أردنا عمل المشروع لهذا — عشر كلمات فقط من الخمسمائة، وهي تحت كلمة "المفاهيم"، وتجدها في دار السلام في مجلدين، أنهينا فيهما عشرة من كم؟ من خمسمائة.
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. وهذا سبب ما نحن فيه كله؛ لأن اللغة فقدت معناها والناس فقدت اللغة، فأصبح الكلام مثل حوار الطُّرشان، لا هو فاهم ولا أنت فاهم، هو فاهم ماذا أو أيّ شيء، ونظلّ ندور حول أنفسنا هكذا في كل المجالات: في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم وغيرها إلى آخره.
واقع الحوار في برامج التلفزيون وانعدام الفهم المتبادل بسبب فقدان اللغة
وأفضل شيء أن تشاهد "مزرعة الحيوانات" — ستجدها في برامج التوك شو بعد الساعة الثامنة — عمل مجانين! الناس جُنّت، هذا يتكلم عن شيء فيردّ على شيء آخر، تصوّرها أنه هذا من كلامه.
رأينا مَن يعترض على مَن هو معه، يعني الرجل يؤيد الكلام الخاص به، ففهم أن هذا ضده فهجم عليه، فالرجل الثاني يقول له: لماذا تهجم عليّ؟ حسنًا، كلامك خاطئ الآن، وما هذا الهزل بكل المواقف؟ وكل هذا من اللغة [أي من فقدان فهم اللغة].
أهمية التمسك باللغة الأم للنهضة وتجارب اليابان وألمانيا في ذلك
إذا أردنا أن ننطلق علينا أن نتعلم لغتنا. وكلّ قالوا إن اليابان هي البلد الذي يتحدث أهله ست لغات وما شابه ذلك، فذهبنا إلى اليابان فوجدناهم لا يعرفون الإنجليزية، وكل يوم يترجمون لهم من ثلاثين إلى ثلاثمائة ألف ورقة إلى اليابانية حتى يستطيعوا التفكير.
والصين كذلك، وألمانيا كذلك. عندما تجلس مع الشاب الألماني الذي يعرف الإنجليزية، فهو يتحدث لغتين فقط، أي أنه لا يستطيع أن يتحدث معك بالإنجليزية، يكلّمك بالألمانية وهكذا.
فلا أحد فرّط في لغته. نحن لغتنا مقدسة؛ لأن القرآن بها، فهي لغة مقدسة، وهكذا. اللهم.
